سورة النصر
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2013/02/28
القراءات: 2324

هذه الأسئلة طرحناها، فوجدنا إجابتها في موسوعة تفسير «من هدى القرآن» لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي «دام ظله الشريف». وتعميماً للفائدة ننشر، في كل عدد، مجموعة من الأسئلة مع أجوبتها المستوحاة من الموسوعة المذكورة مباشرة.

 

  

فضل السورة

- ماذا عن فضل هذه السورة المباركة؟

* ورد في كتاب ثواب الأعمال بإسناده عن أبي عبد الله،  عليه السلام، أنه قال:

 "من قرأ" إذا جاء نصر الله و الفتح"في نافلة أو فريضة، نصره الله على جميع أعدائه، و جاء يوم القيامة و معه كتاب ينطق، قد أخرجه الله من جوف قبره، فيه أمان من جسر جهنم و من النار و من زفير جهنم، فلا يمر على شيء يوم القيامة إلا بشّره و أخبره بكل خير حتى يدخل الجنة، و يفتح له في الدنيا من أسباب الخير ما لم يَتَمَنَّ ولم يخطر على قلبه".(1)

 

الإطار العام

- ما هو الإطار العام لهذه السورة المباركة؟

* بعد جهاد دائب و انتظار طويل، يأتي نصر الله و الفتح، الذي لا يبتغي المؤمنون من ورائه سوى هداية الناس الى الحق؛ وهكذا تراهم فرحين حين يجدون الناس يدخلون في دين الله أفواجا.. إنها بشارة عظمى ولكنها لن تدعوهم الى الغرور، بل يتخذوها معراجاً روحياً لنفوسهم الوالهة بحب الله؛ فيسبحونه، و يحمدونه، و يستغفرونه .

و التسبيح سبيل معرفة الله و التقرب إليه، و الحمد وسيلة منع الغرور و الكبر عن النفس، و الاستغفار طريق تكميل النواقص.. وهكذا توجز هذه السورة الكريمة برنامج المؤمن عند النصر و عند أي فضل يصيبه من عند الله، تبارك وتعالى.

 

بينات من الآيات

- حبذا لو اطلعنا على بعض من بينات هذه السورة المباركة.

* تتظاهر القوى السياسية و الاقتصادية و الإعلامية ضد الرسالة والرساليين و تحاصرهم من كل صوب، و تضيق بهم السبل، و يلقي الشيطان وساوسه في أفئدتهم، و يظنون بالله الظنونا، و يطول ليل الانتظار، و ينادي الجميع: متى نصر الله؟

و جاء نصر الله، يسعى إليهم من ضمير الغيب، حيث يعرف المؤمنون - بوعيهم السياسي و الحركي ، و ببصائر قلوبهم العارفة - أنهم كانوا أعجز من اقتناص النصر بقواهم الذاتية، و إنما هو نصر الله الذي هزم عدوهم بالرعب، و أيدهم بالثبات و الاستقامة، و ألف بين قلوبهم بالإيمان.

و أتبع الله النصر بنصر آخر، و تلاحقت الانتصارات حتى جاءهم الفتح المبين؛ هناك بلغ المؤمنون أعظم أمانيهم، حيث رأوا الناس يدخلون في دين الله أفواجا .

ثم يعاني الداعية حين يرى الناس في ضلال مبين، و يجد القوى الجاهلية تقف حاجزاً دون انتشار هدى الدين الى القلوب المظلمة، و ربما بلغ الحزن ببعض الدعاة ان يموتوا كمدا؛ و لهذا يَنهى الله رسولَه من ذلك بقوله سبحانه: "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً»(سورة الكهف،الآية6) واليوم يعمهم الفرح حين يرون كيف تساقطت الحواجز و انتشر نور الهدى.

 

النصر كثير والفتح واحد

- في قوله تعالى:»إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ»، هل الحديث عن نصر معين وفتح محدد؟ أم انه حديث عن مجموعة من الانتصارات والفتوحات؟

* قالوا عن هذا النصر: إنه نصر الله رسوله على قريش في المعارك التي دارت بينهم، و قيل: بل نصره على سائر الكفار، أما الفتح، فقالوا: إنه فتح مكة، وهذا يتناسب وما جاء في وقت نزول السورة، حيث روي: أنها نزلت بعد فتح مكة، و ذكر في حديث آخر: إنها آخر سورة نزلت على الرسول، صلى الله عليه وآله، فقد جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق، عليه السلام، أنه قال:

 "أول ما نزل على رسول الله "بسم الله الرحمن الرحيم * إقرأ باسم ربك»  و آخره "إذا جاء نصر الله"(2)  و قيل: إنها نزلت بمنى في حجة الوداع (3).

 

النصر/ التوديع

- هل صحيح إن لهذه السورة المباركة تسمية أخرى هي «التوديع»؟ ولماذا؟

* نعم؛ لقد كانت تسمى هذه السورة بسورة «التوديع» لأنها - حسب الرواية التالية - نَعَتْ الى الرسول،صلى الله عليه وآله، نفسَه؛ هكذا يقول ابن عباس:

لما نزلت «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ» قال، صلى الله عليه وآله: نُعيت إليّ نفسي بأنها مقبوضة في هذه السنة (4).

و ربما السبب في ذلك هو أن السورة قد أوحت إليه،صلى الله عليه وآله، أن مسؤولية الرسول كمبلغ و داعية الى الله قد أكملت؛ لذلك كان عليه أن يستعد للرحيل .

 

وسيلة لهدف

- هل النصر أو الفتح وسيلة أم هدف؟ وما هو الهدف؟

* النصر أو الفتح ليسا هدفا بذاتهما عند المؤمنين ، إنما وسيلة الى هدف أسمى هو هداية الناس الى نور الرسالة .

فعندما تهاوت حجب الضلال و رأى النـــاس نور الدين فوجدوه دين الفطرة و العقل ودين الحكمة و السماحة، دخلوا فيه فوجا بعــد فوج ، يقود كل فوج إمامهم و داعيتهم، و السابق منهم إليه.

 

إنهم: أهل اليمن

- من هم أولئك الناس الذين دخلوا في دين الله أفواجا كما جاء في قوله تعالى: «وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُون فِي دِين اللَّهِ أَفْوَاجًا»؟

* قال المفسرون: إنها نزلت في أهل اليمن الذين توافدوا على النبي، صلى الله عليــه و آله، أفواجا. تقـــول الروايــة المأثورة عن ابن عباس:

«إن النبي، صلى الله عليه وآله، قرأ «إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّهِ وَالْفَتْحُ» و جاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم ، لينة طباعهم ، سخية قلوبهم ، عظيمة خشيتهم؛ فدخلوا في دين الله أفواجا»(5)

و هكذا انتشر نور الإسلام بعد فتح مكة في كافة أرجاء الجزيرة العربية، و بدأ المسلمون يتحفزون للانبعاث الكبير في أرجاء الأرض .

 

مواجهة الكفر والجهل

- وماذا عن قلاع الكفر التي تمنع الناس من التغيير والإصلاح؟

* تهـدينا بصائر هذه السورة و هدى سيرة النبي، صلى الله عليه وآله، و عِبَرُ تاريخ الحركات الدينية: أن علينا أن نعقد العزم على تحطيم قلاع الكفر المتقدمة قبل نشر الرسالة؛ فما دامت تلك القلاع تدافع عن قيم الجهل والتخلف، و تمنع الناس بالترهيب و التضليل و الترغيب من التغيير و الإصلاح، لا ينفع التبليغ و التبشير كثيرا، ومن أجل هذا قاتل كثير من الأنبياء و الربانيين، ومن أجل هذا جاهد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، ومن أجل هذا ينبغي أن يجاهد و يقاتل كل مبلغ و داعية مَنْ يقف دون انتشار الدين .

 

التسبيح والحمد

- لماذا جاء الأمر الإلهي بالتسبيح بالحمد في قوله تعالى: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ»؟

* لان النصر من عند الله، ينبغي أن نشكر الله عليه، و نسبحه و نقدسه، و نطهر بذلك أفئدتنا من تلك الوساوس الشيطانية التي أصابتها أيام المحنة؛ فزعم البعض: ان الله تعالى قد أخلف وعده، أو أنه–سبحانه - لم يقدر على النصر، أو ما أشبه، مما يعبر عنه القرآن الكريم بالزلزلة حيث يقول: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نصْر اللَّهِ قَرِيبٌ» (سورة البقرة،الآية214)

وها هـــو النصر قد قدم؛ فلنغسل بمياهه المتدفقة آثار الهزيمة، و لنسبح الله .

ثم إن للنصر - كما للهزيمة - آثاراً سلبية؛ كالغرور، و التكبر، و التعالي، و التطرف، و عبر الإيمان بالله و المزيد من اليقين، يمكن السيطرة على تلك الصفات .. من هنا أمر الله بالتسبيح و الحمد و قال: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ».

 

هذا هو الفرق

- هذا يقودنا الى السؤال عن التسبيح والحمد؛ فما هو الفرق بينهما؟

* إن المؤمن يتخذ من كل حادثة أو ظاهرة معراجاً لروحه و وسيلة لتكامل نفسه و تنامي صفات الخير فيها، و النصر واحد من أشد الحوادث أثراً في النفس البشرية؛ و لذلك يتخذه المؤمن وسيلة للتعرف على ربه، و التقرب إليه .

و التسبيح تقديس الله عن صفات المخلوقين وعن إحاطة علمهم  به، وهو سبيل معرفة الله والتقرب إليه، بينما الحمد نعت لله بالأسماء الحسنى وما فيها من صفات الجلال و الجمال، وهو وسيلة منع الغرور والكِبْر عن النفس.

 

التسبيح قبل الحمد

- ولماذا تم تقديم التسبيح على الحمد في هذه الآية المباركة؟

* يقدم التسبيح على الحمد، لان إثبات صفة لله قد يوحي ببعض آثاره السلبية؛ فإثبات القدرة قد توحي بالظلم، و إثبات الرحمة قد توحي بتجاوز الحكمة، بينما ربنا مقتدر عدل و رحيم حكيم.

 

الاستغفار طريق الكمال

- جاء الأمر الإلهي بالاستغفار في قوله تعالى:"وَاسْتَغْفِرْهُ"، فما هي علاقة الاستغفار بالنصر والفتح؟

* يبقـى طريق الكمال مفتوحاً أمام الإنسان، وتبقى تطلعاته الى التسامي مشروعة، والاستغفار أقرب وسيلة الى تحقيقها؛ لأنه يوقف الإنسان على نقاط ضعفه و مواقع عجزه، ويحسسه - من جهة - بمدى حاجته الى الكمال، ومن جهة أخرى بإمكانية ذلك .

وحينما يحس الإنسان بضعفه وعجزه ودرجات قصوره و تقصيره، يعتريه شعور عميــق باليأس من إصلاح نفسه لولا التوجه الى الله، والتذكر بأنه تواب رحيم .

------------------

(1) تفسير نور الثقلين، ج 6، ص 689.

 (2) تفسير نور الثقلين، ج 5، ص 606.

(3) المصدر نقلا عن تفسير علي بن إبراهيم.

(4) المصدر، ج6 ، ص 689.

(5) تفسير القرطبي، ج 20، ص 230.


ارسل لصديق