ليكن القلق خطوة نحو التقدم
كتبه: مرتضى الموسوي
حرر في: 2013/03/02
القراءات: 1374

الإمام محمد بن علي الباقر عليهما السلام، كان صاحب مكانة مرموقة في قلوب الناس في زمانه، فهو إضافة إلى انتسابه إلى بيت النبوّة، كان جمّ الفضائل، كثير العلم، ومرجعاً لعلماء عصره، يرجعون إليه فيما أشكل عليهم، ويحضرون درسه لينهلوا من معينه.

هذا الإمام، كان ذات يوم يمشي في السوق، وحوله الناس يسألونه المسائل رافعين أصواتهم قائلين: «سيدي الباقر.. سيدي الباقر».

وقد أثار ذلك حسد رجل من الأعداء، فتقدم إلى الإمام وقال له: «أنت بقر»..

كانت مثل تلك الكلمة كافية عند غيره لكي يحاول القضاء على قائلها..

غير أن الإمام لم يبدِ غيظاً أو حنقاً، بل قال بهدوء: «بل أنا باقر..».

فكرر الرجل كلامه: «أنت بقر».

وكرر الإمام جوابه: «بل أنا باقر».

فقال الرجل: «أنت ابن الطباخة».

فقال الإمام: «تلك حرفتها».

قال الرجل: «أنت ابن السوداء الزنجية».

فلم يجبه الإمام..

فأضاف الرجل: «أنت ابن السوداء الزنجية البذيئة».

فقال الإمام: «إن كنت صدقت، غفر الله لها، وإن كنت كذبت غفر الله لك»..

ولم يكن من الرجل، إلاّ أن اعتذر، وأسلم على يدي الإمام ..

هنا التفت الإمام عليه السلام، الى من حوله قائلاً: «صلاح جميع المعايش، والتعاشر ملء مكيال: ثلثان فطنة، وثلث تغافل» (1).

العمل يؤدي إلى التنافس، والتنافس يؤدي إلى التوتر، والتوتر قد يختزن في النفس فيمنع العقل عن إصدار أحكام صحيحة، ويدفع صاحبه إلى التصرف من موقع ردّ الفعل وليس من موقع الفعل..

إن بعض التوتر طبيعي، ولا يمكن إزالته، أو منعه، فالإنسان كائن معقد أبداً، لا يحقق ذاته إلاّ من خلال توتر مستمر بين العوامل المختلفة والمتضادة التي يتألف منها كيانه.

غير أن التوتر نوعان: نوع خلاّق، وآخر هادم للذات.

فالنوع الأول: يعانيه العظماء، فأرواحهم مثل أمواج البحر تتلاطم في حركة مستمرة تترك آثار تموجاتها على صفحات التاريخ.

أما النوع الثاني: يعانيه كل المعقدين الذين يعيشون ضد الحياة، وضد النفس وضد الذات، وتظهر آثار توتراتهم في صورة ترسبات في قاع البحر تجذب الديدان، وصغار الهوام..

 

القلق مطلوب!

وكما التوتر كذلك القلق.. نوعان:

نوع يؤدي بك إلى مزيد من العمل والنشاط، ونوع يؤدي بك إلى التردد والتراجع. فقلق الإنجاز مطلوب، وهو الذي يرافق كل من يبدأ عملاً قد صمّم على الاستمرار فيه حتى النهاية. أمّا قلق الاضطراب، فهو مرفوض، وهو القلق الذي يؤدي بك إلى الإحباط، والشعور باليأس..

إن مقداراً من القلق أمر طبيعي، ولكن بشرط أن يبقى في حدود السيطرة.

فالقلق الأولي البسيط هو نتيجة العقل، وهو الذي يدفع الإنسان إلى مزيد من العمل، أما القلق الذي يشغل العقل بنفسه، فهو نتيجة الجهل.

فالتوتر والقلق يجب أن لا يتحولا إلى سخط، ونرفزة وتذمّر وإلاّ سيكونان عائقاً أمام النجاح، وعقبة في طريق تحقيق الأهداف..

فأسوأ ما في هذا النوع من التوتر والقلق، أنه يجذب سرباً كبيراً من أقرانه، كالخوف، والغضب، وتثبيط الهمة، والتسويف، والتردد وما شابه ذلك..

فمن يريد النجاح لابدّ وأن يتخلص من المشاعر التي تقضي على فاعليته.

إن الإنسان مثل خزّان للوقت والطاقة، وإن هذين في حال من السيولة، عندئذ تكون المشاعر السلبية بمثابة الثقوب في قاع الخزان. فبمقدار ما تتمكن من سد الثقوب يتوافر لديك من الوقت والطاقة ما يكفي لإنجاز مهماتك الأساسية.

 

خطوات لمواجهة القلق والتوتر

والآن كيف تواجه القلق والتوتر؟ ست خطوات كفيلة بان تجعل الإنسان المنتصر في مواجهة القلق والتوتر:

الخطوة الأولى: امنع القلق من التوالد ، إذا امتلك الإنسان فكره فسيضطر القلق إلى البحث عن مكان آخر لإقامته..

إننا قد نكون قلقين من أمر ما، فنبدأ نغذيه بمزيد من القلق عبر التفكير في الأمور الأخرى التي تقلقنا، وهذا ما يضخم علينا القلق ويجعله مثل جبل لا يمكن تجاوزه..

والحلّ هو بأن يعطى للقلق حجمه الطبيعي من خلال القيام بتحليل أسبابه، وحذف ظلاله..

فليحاول أحدنا أن يكتب في ورقة أسباب قلقه، و أن يعطي نسبة لكل سبب فسيكتشف سريعاً أنه أصغر مما كان يتوقع.

الخطوة الثانية: توكل على الله، فإذا كانت أسباب القلق واقعية فعلى الإنسان أن يتوكل على الله تعالى بدل أن يحول القلق إلى خوف، ومن ثم إلى ذعر.

إنّ الله تعالى مهيمن على الكون كله، فالأرض جميعاً في قبضته، والسماوات مطويات بيمينه، و «لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا»، فإذا كنّا نتوكل عليه، ونرجو رحمته و «هو القاهر فوق عباده» فلماذا القلق والخوف إذاً؟

حقاً إن القلب الذي يعيش فيه الإيمان، لن يدخله القلق والخوف البتة، ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»؟

الخطوة الثالثة: لا ترثي ذاتك، حينما يكون قلقاً لأي سبب يجب على الإنسان ان لا يرثي ذاته لأنه حينما يفتح باب الرثاء فلا يفتأ القلق أن يدخل منه، أمّا إذا لم يتجاوب معه فسرعان ما يتلاشى..

إن القلق يتلاشى بإهماله، ويزداد حجمه كلما ازددنا تفكيراً فيه.

الخطوة الرابعة: روّح عن نفسك، كما تحتاج السيارة إلى التوقف، بين فترة وأخرى، وإلاّ أصيبت بالعطب، كذلك الإنسان فهو يحتاج إلى الترويح عن نفسه، ما بين الأعمال. فتحمّل مشاق العمل لا يمكن أن يستمر لفترات طويلة..

إن كبار الناجحين هم من الذين عُرفوا بالقدرة على الترويح عن النفس، كما أنهم من الذين عرفوا بكثرة العمل، فلا يجوز أن يكون العمل على حساب الترويح، ولا أن يكون الترويح على حساب العمل.

الخطوة الخامسة: شجّع نفسك بنفسك، في المحن والملمات على المرء أن لا يدع الإخفاق يثبط عزيمته، هنا ينبغي عليه ان يشجع نفسه بنفسه.

الخطوة السادسة: انشغل بالعمل والنشاط، ما دام للإنسان عمل يؤديه، فلا مجال للقلق أن يدخل عليه، وعلى العكس فإنه لو كان لديه وقت للقلق فلن يتسع أمامه الوقت الكافي للنجاح في عمله..

يقول أحدهم: «إن سر الإحساس بالشقاء والألم هو أن يتوفر لديك الوقت لكي تتساءل فيه أسعيد أنت بحياتك أم تعيس؟».

إن أرخص أنواع الدواء الموجودة في العالم لمعالجة القلق هي أن يشغل الإنسان نفسه بعمل والبقاء كذلك، بل هو أعظم الأدوية مفعولاً.

 

مخزون التحمل

إن «هدوء الأعصاب» هو المخزون الذي يمد صاحبه بالقدرة على التحمل، والقوة على الصبر وهما ضروريان لنجاح أي عمل كان ولا يعني ذلك أن النجاح بحاجة إلى «البرودة» التي يتصف بها بعض فاقدي الحماس، بل يعني أن النجاح بحاجة إلى السيطرة على الطاقات الكامنة في الإنسان ليصرفها حين الحاجة، وليس في وقت آخر..

ذلك أن الرجل العصبي المزاج يكون مثل سيارة مليئة بالوقود، ولكن لا يوجد سائق حكيم يسوقها في الطريق القويم.. فهي تسير ذات اليمين وذات الشمال من غير توجيه صحيح.. ولقد ثبت أن المصاب بالنرفزة عاجز عن إظهار براعته في أي عمل من الأعمال التي تقتضي قدراً كافياً من الثقة بالنفس.

بل إن النرفزة تؤدي – حسب التجارب – إلى الكثير من الآفات منها: الخوف، والخجل، والجبن، والقلق، والتردد، وفقدان الحزم، وفقدان الثقة بالنفس.

ولابدّ هنا من التنويه بأن بعض «العصبيّة» في المزاج أمر طبيعي في الحالات الاستثنائية. فعندما يتزوج الشاب، فإنه يعيش بعض التوتر قبيل أول لقاء له بزوجته، كما أن من يقوم بإلقاء أول خطاب له بين الناس هو الآخر يشعر ببعض التوتر، وذلك نتيجة كون الأعصاب في تلك الحالات في حالة تنبّه زائد عن المعتاد.

وأهم ما يجب ذكره هنا هو أن التاريخ لا يبدأ ولا ينتهي من الوضع الذي أنت فيه، وهذا يعني أنه لا يجوز أن تعطي لأية قضية حجماً أكبر مما هي عليه.. فلا داعي لثورة عارمة من أجل مسألة بسيطة.

فقد يختلف أحدنا مع شخص ما اختلافاً فكرياً بحتاً، فلماذا يثور ضده لأنه لا يوافقه الرأي؟ وقد يدخل في صراع على مصلحة صغيرة، لا تشكل خسارتها نهاية لحياته، فلماذا النرفزة الشديدة من أجلها؟

التاريخ لا نهاية له.. وما دام الإنسان حياً فله من الفرص ما يمكنه من إحراز النجاح فيه، والحصول على حقوقه منها فلا داعي لثورة في الأعصاب يحرق بها شخصيته.

من هنا نجد أن جميع الناجحين يحتفظون بالهدوء في أعماقهم، إلى درجة تثير الدهشة، وذلك هو سرّ نجاح قراراتهم، لأن القرار الذي يتخذ تحت تأثير القلق والتوتر لا يمكن أن يأتي صائباً بأي شكل من الأشكال.. وكلما ارتقى موقعاً أعلى، كان التوتر والقلق أخطر بالنسبة إليه وإلى المجتمع أيضاً.

إن الشخصيات القلقة قلّما تستطيع أن تحرز نجاحاً، وإذا أحرزته فقلما تستطيع أن تحتفظ به.. وكما قال إمامنا الباقر عليه السلام: «صلاح جميع المعايش، والتعاشر ملء مكيال: ثلثان فطنة، وثلث تغافل».

--------------

* مقتبس من سلسلة تعلم كيف تنجح للمؤلف سماحة آية الله السيد هادي المدرسي.

* "1"البحار، ج 46، ص 289.


ارسل لصديق