لكي تعرف موقعك في سُلَّمِ الارتقاء في الحياة
كتبه: الشيخ محمد سعيد المخزومي
حرر في: 2013/03/02
القراءات: 1128

قال الإمام الحسين عليه السلام (إن المؤمن اتخذ الله عصمته وقوله مرآته)

 

التطور تقدم مستمر نحو التكامل والارتقاء، وعلامة التكامل والارتقاء الاستقرار والنمو والازدهار.

والتحضر هو بحث الإنسان عن قيم التكامل، وتتبع خطوات النجاح والناجحين.   

والعنصر المتحضر، هو المؤمن بقيم الحضارة الملتزم بها، والْمُربِّي نفسه عليها،  فتصنع شخصيته الراقية. و قيم الحضارة هذه ليست صنعةً يبتدعها الإنسان في مختبر عقله وميزان نفسه. فقيم الحضارة لا يعرفها إلاّ خالق الإنسان لأجل التحضر والحياة.

وقد عرّف اللهُ تعالى تلك القيم، رسولَه الأكرم صلى الله عليه وآله، وقد عرّفها هو صلى الله عليه وآله، وأهل بيته عليهم السلام، ليربّوا المؤمنين عليها، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله، أدَّبه الله عز وجل، وهو أدبني، وأنا أؤدب المؤمنين، وأورّث الأدب المكَرَّمين) (1).

لذلك فالمؤمن هو وحده دون غيره، العنصر المتحضر في الحياة، وهو الذي «اتخذ الله عصمته» وقوته ومنعته ثم اتخذ «قوله مرآته»، فينظر بها ليكتشف نسبة تطوره الذاتي في الحياة فيعدّلها نحو الأفضل الأكمل.

 

مبادئ حضارية

فحينما يقرأ هذا العنصر الحيوي قولَ الله تبارك وتعالى: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْديكُمْ ورِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَليمٌ» (سورة المائدة/ آية٩٤)، يفهم أنه خاضع لامتحانات عديدة في لحظات حياته كلها، فيقف عند تلك الآية الكريمة فيتأمل فيها مبادئ عديدة، فيهذب نفسه عليها ومنها:

المبدأ الأول: التمكن في الحياة

حيث أن الله تعالى قد خلقه على هذه الأرض في أحسن خلقة وأدق نظام، و «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويمٍ» (سورة التين/ آية ٤).

ثم وهبه جل جلاله القدرات الذاتية والطاقات الهائلة فأعطاه من ادوات الفهم ما يحتاجه لصناعة الحياة السعيدة فقال: «أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ . ولِساناً وشَفَتَيْنِ . وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ». (سورة البلد / آية 8-10)

ثم مكّنه من التصرف بما حوله في هذا الكون الفسيح الذي يعيش فقال «وسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأرْضِ جَميعاً مِنْهُ» (سورة الجاثية/ آية ١٣) .

ثم منحه قدرة العقل والعلم لتمييز الضار من النافع، ويتمكن من إدارة الحياة فصار من مصاديق قوله تعالى: «وما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ» (سورة العنكبوت/ آية ٤٣).

إذن فالإنسان قادر، متمكن بقدرة القادر الحكيم.

المبدأ الثاني: المسؤولية في الحياة

الله الذي أعطى الإنسان ذلك كله في الحياة قد أراد منه أن يعمر الأرض ولا يخربها، ويصلحها ولا يفسدها أو يفسد فيها.

وهذا ما لا يتحقق إلاّ بتبني سبل العمارة وانتهاج مناهج الحياة التي خلقه من أجلها.

بعبارة أدق فإن الذي خلق جسمه عامراً بأنواع الأجهزة، وخلق له الأرض والسماء وما فيها وأعمرها بكل ما يكفل للإنسان حياته، فقد خلق له نظام حياته بما يكفل له الاستقامة والاستمرار على طريق السلامة والارتقاء بما يضمن له السعادة والاستقرار والنمو.

إذن فالإنسان مخلوق لعمارة الأرض وتنمية الإنسان وتطويره، من هنا صار عليه تبني نظام الحياة من خالق الإنسان والكون والحياة.

المبدأ الثالث: التنمية الذاتية

كما أن الإنسان مخلوق من بدن و روح، ومن نفس وعقل، فإن روحه تنمو كما أن بدنه ينمو، وترتقي نفسه وتتألق، وكذلك عقله ينمو ويتطور، وكل ذلك بحكمة حكيم، وتدبير مدبّر قدير. فالإنسان مخلوق ومخلوقة معه قدرة الابداع والتنمية الذاتية. فلا يجهلها ولا يغفلها.

المبدأ الرابع: الامتحان من أجل التنمية الذاتية

كما أن البدن يحتاج إلى أن يختبره الإنسان كي يُمَرِّن قدراته على تحمل مسؤولياته الصعبة في الحياة فيخضعه إلى اختبارات تصاعدية في الشدة، والرياضة في القسوة، ليرى امكانيته على فعل أشياء ما كان يتحملها في الصغر، كذلك عقله ونفسه تخضعان إلى اختبارات تمرينية تشحذ همته، وتصقل طاقاته، على سبيل استثمار الطاقات الذهنية والقدرات العقلية والإمكانات الذاتية في البناء الحضاري في الحياة، وهذه مسؤوليته على هذه الأرض.

إذاً؛ يجب عليك ايها المؤمن معرفة أن امتحانات الحياة هي من أجل التنمية الذاتية عندك.

المبدأ الخامس: الإبداع للنجاح

بناءً على ما تقدم، فإن على الإنسان أن يُبدع في تطوير ذاته لينجح في حياته، ويرتقي بها إلى الفوز بكسب المرحلة الأخرى من الحياة القادمة.

المبدأ السادس: معرفة شروط النجاح

يتأمل عنصر الحضارة والتحضر، وهو الإنسان، بالآية الشريفة التي صدرنا بها المقال، فيفهم أن للنجاح شروطاً يجب أن يتقنها ليكون من الناجحين، ولن ينجح الإنسان إلاّ بشروط كثيرة منها أربعة:

 

شروط النجاح الحضاري

1- تبني مشروع الحياة

 أن يتبنى الإنسان مشروع الحياة الذي جاء به الوحي من خالق الحياة، وهو الإيمان الصادق والالتزام به وليس الذي يصنعه الإنسان من قناعاته الفردية، وقد أقسم الله تعالى بأن البشر كلهم خاسرون إلاّ نمطاً معيناً سمّاهم الله تعالى وعيّن صفاتهم فقال: «والْعَصْرِ . إِنَّ الإنسانَ لَفي خُسْرٍ «.

 ثم استثنى نمطاً واحداً منهم ليكونوا هم الفائزين، وهم المؤمنين بمنهاج الحياة، فقال عنهم: «إِلاَّ الَّذينَ آمَنُوا»، فيكون الاستثناء منحصراً بالمتبنين مشروع الحياة، المتعبدين به، المتشبثين بمعالمه.

2- العمل على مشروع الحياة

مجرد الإيمان بالفكرة والعقيدة دون أن يكون لها حيّز من الوجود الفعلي في الحياة أو تأثير على واقع الإنسان وحياة المجتمع، تبقى الفكرة والمبدأ سجينة في حدود الفكرة المجردة، ولذلك قال تعالى عن الشرط الثاني من الشروط هو العمل وفق منهاج الناجحين فقال: «وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ».

3- التراصف الحضاري

فبعد شرط الايمان وتبني العمل بالمشروع الحضاري يأتي شرط تنظيم المجتمع ورص صفوفه على أساس الاعتقاد الصحيح، ثم الثبات على الاتجاه الصحيح في الحياة من خلال: «وتَواصَوْا بِالْحَقِّ».

4- التماسك الاجتماعي

التعاون والتسابق على تطبيق قيم الصلاح والإصلاح، لن يؤتي أكله إلاّ أن يتوفر فيه شرط سد فراغات البناء الحضاري، كي لا ينفذ إليه العدو، فيفسد البناء، ويؤدي الى انهياره.

وهنا يأتي شرط التماسك المطلوب، وضمان سلامة المجتمع أكثر فأكثر، والتفافه حول قيم الحياة، من أجل سدّ كل الثغرات المؤدية إلى خلخلة البنية الحيوية للمجتمع.

وهذا يتجلى بتقوية افراد المجتمع بعضهم بعضاً، وتثبيتهم على المسار الصحيح وعدم الاصغاء لمن ينعق ويثير الشبهة. ثم الصبر والتصبر والتصابر في وجه التحديات، قال جلّ وعلا: «وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ»، (سورة العصر/ آية ١ – ٣).

المبدأ السابع: الوعي لاختبار التنمية الحضارية

شاء الإنسان أم أبى، فهو داخلٌ مدرسة الامتحان الإلهي في الحياة من أجل الارتقاء في سُلّم أداء مسؤولياته العظام. فقد وجب عليه أن يكون واعياً لاختبارات التنمية والتطوير الذاتي كي يتهيّأ لتحمل المسؤوليات الحضارية الكبرى من عمارة الأرض، وبناء الإنسان وتطوير قدراته، ثم صياغة المجتمع، وتأسيس الحضارة، وصناعة الحياة على الأرض.

أما إذا لم يكن واعياً لاختبار التنمية فسيفشل في الامتحان، ويسقط في تنميته لذاته ومجتمعه، فلا يبدع إلاّ في صناعة الموت، وتدمير الحياة، وإفساد الأرض ومن عليها. وما المحترفون لصناعة الموت إلاّ الفاشلون في امتحان تنمية ذواتهم .

من هنا وجب معرفة الامتحان الذي يتعرض له البشر في الحياة فيعتبر، إذ إن من الغفلة والسهو أن يستأنس الإنسان بوجوده في الدنيا، فيستأثر بفرض الآخرين، ويستحوذ عليها، قاضماً اُكُلهم، سارقاً أموالهم، ناهباً ممتلكاتهم، مُستثرياً على حساب الآخرين، مُصادراً الناس حقوقهم، منهمكاً في جمع المال إلى المال، قاصداً بذلك منفعة وربحاً كثيراً لذاته.

 

حقائق في الاختبار الحضاري

من هنا يتبين أن البشر أجمعين مشمولون في امتحان تتبين عاقبته يوم الدين، إذا ما تشبثوا بهذا المنزل المهين، ولكي يفوز الإنسان في الدنيا ويصبح من المستثنين من الخسران المبين، أن يفهم حقائق الامتحان التالية:

الحقيقة الأولى: دخول البشر مدرسة الامتحان الكبرى

حينما يدخل الإنسان مدرسة الامتحان الكبرى في الحياة، يدعوهم ربهم إلى اتباع مناهج الوحي لغرض البناء الحضاري على هذه الأرض، وسمّى التزامهم منهاج الحياة المرسومة لهم والمكلفين بها (عبادة)، فقال ما خلقتهم إلاّ لمنهاج الحياة، «وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ»   (سورة الذاريات/ آية ٥٦) .

(ولكِنِ اخْتَلَفُوا) فالتزم به منهم من التزم، وكفر به منهم من كفر، وصدَّ عن سبيل الحياة من صد وغوى فقال «فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ومِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ» (سورة البقرة / آية ٢٥٣).

 وهؤلاء المؤمنون صنفان: صنف يمثل أئمة الحضارة والحياة، وصنف يمثل أنصارهم وأتباعهم، بينما ينقسم الكافرون إلى قسمين: قسم يمثل أئمة الجهل والتخلف، وقسم يمثل أتباعهم وأنصارهم، ولكلٍّ امتحان بما يناسب علمه ومعرفته وصبره وثباته على المنهاج الصحيح.

الحقيقة الثانية: امتحان أئمة الحق و أعلام التحضر

هذا الامتحان يهدف رفع مقامهم وارتقاء منازلهم الرفيعة، فيتصدون لتبليغ أمر الله تبارك وتعالى، فيدعون الناس إلى السبيل القويم، فيقابلهم الكافرون بمعارضة شديدة ترتقي بسرعة فائقة إلى التهمة والإسقاط حتى تنتهي بالقتل.

وهنا يقتضي امتحانهم بهذا الصبر على تبعات التزامهم سبيل الإرشاد وهداية الناس، فيرفع الله لهم منازلهم، ويُعلي درجاتهم في الدنيا والآخرة.

وقد قال تعالى عن هذا امتحان إبراهيم الخليل عليه السلام، يوم امتحنه بذبح ولده إسماعيل عليه السلام: «وإِذِ ابْتَلى إِبْراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَن قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ ومِنْ ذُرِّيَّتي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمينَ» (سورة البقرة/ آية ١٢٤).

فكان جزاء الله تعالى له في صبره على هذا الامتحان أن جعله إماما للناس فقال له «قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ . إِنَّ هذا لَهُو الْبَلاءُ الْمُبينُ» ( سورة الصافات: ١٠٥ – ١٠٦). وكذلك الأمر بالنسبة إلى باقي الأنبياء عليهم السلام .

أما عن نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، حينما ضاقت به الحياة الدنيا خاطبه عزّ وجلّ: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ»، (سورة الأحقاف/ آية ٣٥).

الحقيقة الثالثة: امتحان أتباع أئمة الحق وأنصار التحضر

أما امتحان أتباع أئمة الحق وأنصارهم من رموز صناعة الحياة، فعادة ما يتعرضون إلى امتحانات قاسية، وذلك ليميز القوي من الضعيف، وليمحّص المؤمنين تمحيصاً، إذ ان مسؤولياتهم كبيرة، ومهماتهم ثقيلة، تقتضي منهم الصبر في معركة الحياة، والثبات أمام عواصف التحديات، إلى أن يُظهر الله تعالى حقائق معادن الرجال كل حسب محتواه وما ينطوي عليه قوامه وبُناه فقال عزّ وجلّ: «ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدينَ مِنْكُمْ والصَّابِرينَ ونَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ» (سورة محمد/ آية ٣١).

ولذلك يمتحنهم ربهم بالشر والخير، فقال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) (سورة الأنبياء: ٣٥). فامتحانهم بالشر يتجلى بضيق العيش والفقر، أو العسر حين اصطكاك الأسنة في اُتون حروب ضروس، أو التعرض لمفاتن دنيا معسولة الظاهر، مُنتن ريحها، مُرٌّ زُعاقٌ طعمها.

وهنا يتبين صدق دعاة المشروع الحضاري من غيرهم، فتتبلور شخصيتهم، وتنصقل هممهم في تحمل مسؤوليات بناء الإنسان، وعمارة الأرض، وصياغة المجتمع، وتشييد الحضارة، وصناعة الحياة.

ولكي يرتقي الإنسان ويصبح عنصراً فاعلاً في الحياة، ينبغي له التأمل في كلام الله تعالى ليتعرف على شروط اقتفاء آثار الناجحين في الحياة، وضرورة مراقبته نفسه في مزالق مدرسة الامتحان الكبرى طوال لحظات حياته اليومية.

وهذا ما يفعله المؤمن بقيم الحضارة والحياة، لأنه العنصر المتحضر الوحيد فيها لأنه كما قال الإمام الحسين عليه السلام: ( إن الْمُؤْمِنَ اتَّخَذَ اللَّه، عِصْمَتَهُ وَقَوْلهُ مِرْآتُهُ فَمَرَّةً يَنْظُرُ فِي نَعْتِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَارَةً يَنْظُرُ فِي الْمُتَجَبِّرِينَ فَهُوَ مِنْهُ فِي لَطَائِفَ، وَمِنْ نَفْسِهِ فِي تَعَارُفٍ، وَمِنْ فِطْنَتِهِ فِي يَقِينٍ، وَمِنْ قُدْسِهِ عَلَى تَمْكِينٍ).

----------------

(1) تحف العقول، ص171.


ارسل لصديق