معالم طريق الوصول الى المعصومين [عليهم السلام]
كتبه: علي فاضل
حرر في: 2013/03/02
القراءات: 1120

يكثر الشيعة وعلى مر العصور من ذكر أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين، ويلهجون بأسمائهم الشريفة، حتى أنهم إن لم يكونوا جميعا، فالغالبية العظمى منهم ينادون ويندبون هذا الاسم أو ذاك من أسماء الأئمة الطاهرين، وفي مناسبات عديدة، بل في معظم أوقات حياتهم اليومية.

 فيا ترى ما هي الميزات التي تؤهل أهل البيت سلام الله عليهم، ليلهج الشيعة بذكرهم خلفاً عن سلف؟ وهل ثمة مبررات لان ينفرد الشيعة بهذا المنحى عن غيرهم وهم مسلمون في الظاهر وينطقون بالشهادتين؟

وسؤال آخر لا يقل أهمية عما سبق: هل يعرف الشيعة ممن يقول بحب أهل البيت سلام الله عليهم، حقيقة هذه الشخصيات المقدسة؟ علماً إن المعرفة بآفاق شخصيات ومقامات كل واحد من المعصومين سلام الله عليهم، تعد الشرط الأول والميزة الأكثر أهمية في حقيقة صلة الإنسان الشيعي بإمامه، وقد تواتر بين المسلمين جميعا فضلا عن إجماع الشيعة، بعلمائهم وعوامهم، الحديث النبوي الشريف: «من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية».

وبطبيعة الحال فان تواتر هذا الحديث النبوي الشريف والروايات الأخرى التي تحاكيه في المعنى وتحاذيه في قوة السند، يغني الباحث والمتتبع الحريص على (سلامة القلب والمعتقد) عن ذكر المصادر التي أوردته، لما فيه من مصداقية دينية وعقائدية وشرعية وحتى عقلية وحتى إنسانية.

ولا ريب أن هذه المعرفة المذكورة في الحديث الشريف لا تقتصر على معرفة الهوية الشخصية لكل إمام من أئمة العصور والأجيال المتعاقبة، إذ إن الاقتصار على هذا المستوى من المعرفة، يمكن أن يحظى به المشركون والنواصب والمنافقون والمحايدون أيضاً.

ان المعرفة التي اختزلها القول النبوي الشريف في هذا الحديث -كما يبدو والله أعلم- هي المعرفة الواعية بشخص الإمام ودوره ورسالته السماوية، مضافا الى طبيعة مقامه وقربه من الله تعالى.

وهذا يعني ـ في ما يعني ـ ان نسبة التخلص من ميتة الجاهلية، ومن ثم نيل السعادة الدنيوية والخلاص الأخروي والعبور الى جنان الخلد والرضوان الإلهي، رهينة بنسبة هذه المعرفة وتعميقها في كيان الإنسان.. وهنا يشكل الفيصل الحقيقي والفاعل في تمايز الأفراد .

ان هذه المعرفة يُراد منها الاعتراف والإقرار بحقيقة الإمام المعصوم، وما يراد من الإنسان المؤمن، أن يتخذه من مواقف و سلوكيات تجاه إمام زمانه.

و لما كان نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله، هو النبي الخاتم، فقد بشّر بالأئمة المعصومين الاثني عشر سلام الله عليهم، كأوصياء من بعده لأمته المسلمة، وأكد على وجوب التمسك بهم، كما هو واجب التمسك بالقرآن الحكيم. ولعل حديث الثقلين المتواتر والمتفق عليهم من عامة المسلمين، ما يؤكد ذلك؛ بمعنى أن هؤلاء الأئمة هم أئمة الحق لهذه الحقبة المسماة «آخر الزمان»، و التي بدأت من النبوة المحمدية الشريفة وتنتهي لدى الإمامة المهدوية الكريمة.. وعليه ؛ فان المقصود بإمام الزمان الذي ينبغي ان يُعرف ويقر له ويطاع و يؤخذ عنه، هو جميع الأئمة الإثني عشر سلام الله عليهم أجمعين. ولطالما استفاقت الأحاديث والروايات الصحيحة عن كل واحد من آل البيت عليهم السلام بأن الإيمان والمعرفة بحقيقة الدين؛ وهي القرآن الكريم والعترة النبوية الطاهرة المتجسدة في الاثني عشر إماماً، لابد أن تكون معرفة وإيمانا وتصديقا وطاعة وإقراراً واحداً غير قابلة للتجزئة، إذ التجزئة في هذا الأفق أمر محذور و مذموم، حيث لا يمكن الإيمان ببعض الكتاب والعترة والكفر ببعضها الآخر.

وهذا ما دعا النبي الكريم صلى الله عليه وآله، الى تبليغ القرآن المجيد كله الى الناس، فلم يترك منه آية واحدة إلا وقرأها على مسامع الناس وبينها لعقولهم بما يناسب مقام حقبته ـ وكذلك طالما وجدناه صلوات الله عليه وآله، في نصوص شريفة كثيرة يذكر أسماء الأئمة خلفاءه الشرعيين لأمته التي كانت تعيش في عصره، ثم للأجيال المسلمة التي ستعقب عصره، ليكون أفراد أمته وجماعاتها على بينة من أمرهم في ما يتعلق بهؤلاء الأئمة الأشراف الأبرار.

الا أن يد التزوير والظلم والخوف واللامسؤولية هي التي تسببت في الجهل بالأئمة الكرام، اللهم الا ثلّة مؤمنة، امتدت مع الزمن والأجيال، ممن عرفوا وآمنوا بأمير المؤمنين والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليهما وآلهما؛ بوصفهما سيدي المعصومين بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.

من هنا؛ فان المعرفة في المفهوم الإسلامي والاصطلاح العقائدي تختلف اختلافا جذريا عن المفهوم اللفظي والاصطلاح اللغوي لها . وقد أشار القرآن الكريم الى هذه الحقيقة حيث قال عز من قائل فيه: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير» (سورة الحجرات/آية 13)، إذ لا يراد من التعارف هنا، التعرف على الهويات الشخصية والجذور الاجتماعية فحسب، بل الحكمة القرآنية وعمق الوحي المعهود يقضيان بإلزام الأفراد الاعتراف بالتعددية العرقية واللغوية واللونية وغير ذلك من أشكال التعددية، كعامل تكامل في الحركة الانسانية.

وإنما قصدنا موضوع معرفة الإمام وأهميته في خلاص الفرد من شقاء الدنيا وضنكها وجاهليتها، ثم من سوء العاقبة بعد الموت وعذاب الآخرة، لأن الإمام المعصوم هو الذي يعطي لكلمة التوحيد مفهومها الحقيقي وأُفقها الذي يحصن الانسان دون التيه والضلال. ومعلوم ان البشرية تنسلخ عن حقيقتها اذا لم تقر لربها بالوحدانية بعد رفض الآلهة المزيفة ونبذها. وأنّى لإنسان أن يعي حقائق وحي الله دون التمسك بمرشد معصوم يهديه في متعرجات الحياة!! كما هو بحاجة الى دليل وتوضيح لكثير من تفاصيل حياته.

وللعلم والإشارة للقارئ الكريم، فان الهدف الحقيقي من هذا الموضوع المتسلسل، ليس البحث في المسائل العقدية –العقائدية-، أو التحقيق في عمق شخصية الإمام المعصوم، إنما الغاية هي الوصول – ما أمكننا الى ذلك- الى إضاءات من المنهج السلوكي والأخلاقي للأئمة المعصومين عليهم السلام، الذي رسموه لنا، وحددوه لحياتنا، ومن خلال التعرف الى طبيعة هذا المنهج، يتجلّى المبرر للصدح بأولوية الإمام المعصوم والمناداة باسمه دون غيره ممن يدّعي المقام والفضل زوراً وبهتاناً، ولتبقى مدرسة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام الكيان الوحيد الذي ينبغي الانتماء إليه والتعلق به.

ولذا؛ وجدنا أن المعصومين سلام الله عليهم، رسموا لنا في أحاديث وروايات عديدة، حدوداً يمكن تسميتها تارة بالموجبة و أخرى بالسالبة، ليتعرف المؤمن ما ينبغي وما لا ينبغي عليه فعله في حياته. فقالوا مرة: «إنما شيعتنا مَن...»، كما قالوا: «ليس منّا مَن...» أو «ليس من شيعتنا مَن...»، والهدف واضح، هو لتحديد هوية المؤمن الصادق المنتمي لهم، من الكاذب المدّعي، وليعي كل امرئ قيمته الحقيقية وليعرف طبيعة علاقته مع سادته المعصومين الذين جعلهم الله تعالى بداية الانطلاق اليه والعبودية له دون سواه. وهذا ما سنستعرضه معا ـ ايها القارئ الكريم ـ في مقالات قادمة إن شاء الله.


ارسل لصديق