لا نطلق رصاصة الصمت على العلماء
كتبه: علي جواد
حرر في: 2013/04/07
القراءات: 1498

لم يبق شيعي واحد في السعودية خاصة، ولا من بلغه نبأ مطالبة إدّعاء عام آل سعود بـ «حد الحرابة»، بحق سماحة آية الله الشيخ نمر باقر آل نمر، إلا وشملته عملية "جسّ النبض".

واضحٌ جداً محاولة جسّ النبض الشيعي من قبل الإدعاء العام السعودي بمطالبته بهذا الحكم الجائر «حدّ الحرابة» أو الاعدام، وبتهم معلبة مفبركة، ضد آية الله الشيخ نمر باقر آل النمر، أحد أبرز علماء الدين في المنطقة الشرقية، وبموازاتها مطالبة أخرى بتشديد عقوبة السجن على العلامة الشيخ توفيق العامر، الذي يقضي حكماً بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

لن أعلق على الاتهامات الزائفة التي أوردوها بكلمات ومصطلحات من قبيل «الارهاب» و» جلب التدخل الاجنبي» وما أشبه، إنما المهم الردّ وجواب «جسّ النبض»، فالقضية مصيرية.. لأن الشيخ النمر والشيخ العامر، إنما يدفعان حالياً ضريبة المطالبة الشجاعة بحقوق اخوانهم المظلومين، في السعودية وفي كل مكان، وبيدهم سلاح «الكلمة»، وحسب؛ كلمة الحق والعدل في وجه الجور والتسلط. وهما في هذا يؤديان الدور الحقيقي لعالم الدين، الذي رسمه لنا أهل البيت عليهم السلام.. وهذا ما يخشاه الحكام في كل زمان ومكان، ويحاولون تحجيمه والقضاء عليه. إنما المشكلة لديهم، في امتدادات هؤلاء العلماء الشجعان، فاذا أعقبت عمليات الضغط والاستفزاز ثم الاعتقال، أصوات عالية تدوي في الاوساط الاجتماعية والسياسية، وتزعزع استقرار الحكم، فإن الاجراء التالي، لن يكون الانسحاب بهدوء فقط، إنما متابعة العدّ التنازلي لنهاية هكذا نظام حكم.

هذه المعادلة، تدعونا لأن نغتنم الفرصة التاريخية واستذكار التجارب التاريخية الناجحة، لا أن نكرر التجارب الفاشلة. لنراجع سريعاً تجربة ايران مع زعيمها الراحل الامام الخميني، فقبل أن يعرفه الناس زعيماً، عرفته الحوزة العلمية ثائراً ضد الانحراف والفساد والطغيان، وإلا فان «الشاه» كان قد وقع على حكم إعدامه عام 1963، لولا الرد الصاعق من المرجع الأعلى للشيعة آنذاك، السيد حسين البروجردي – قدس سره- بعدّه من المجتهدين، الامر الذي يستثنيه من حكم الاعدام حسب الدستور الايراني. بمعنى أن الامام الخميني، رفع أول خطوة نحو الانتصار من تلك اللحظة التي غادر ايران رغم أنف الشاه، وفي نفس تلك اللحظة بدأ العدّ التنازلي لنظامه. ثم لنراجع تجربة العراق مع المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر – قدس سره- فقد اعتقله صدام، بسبب مواقفه المعارضة للنظام البائد، وحسب المعاصرين لتلك الفترة، فان «جسّ النبض»، جاء سلبياً على صدام، إذ ظهرت علائم امتعاض واعتراض من اوساط اجتماعية وثقافية، فلم يتأخر في إطلاق سراحه، لكن لم يمض وقت طويل حتى اعتقله مرة اخرى، وهذه المرة في ظل صمت رهيب، هذا كان عام 1980، وقبلها بعشر سنوات تحديداً أي عام 1970 اعتقل المفكر الاسلامي آية الله السيد حسن الشيرازي، و أودع السجن، ولم يتشجّع أحد على البوح بكلمة اعتراض صريح على اعتقال عالم دين.

وحتى لا أجانب الحقيقة، أقول: لا نظام حزب البعث ولا نظام الشاه ولا أكبر منهما، بالمستوى الذي ينال من قامة علماء الدين، فهم إمتداد وخط متصل بالأئمة المعصومين، كانوا موضع احترام وإكبار على طول الخط، لدى الاوساط الاجتماعية والسياسية الحاكمة، بل حتى الغزاة، مثل المغول الذين دخلوا العراق.. لذا فإن الذي يقتل العالم ليس سيف السلطان، وليس رصاصة الحاكم الديكتاتوري فحسب، إنما بالمقام الاول هو السكوت والصمت ومن يبرر قمع وتصفية العلماء.. ولمن يريد؛ هناك الكثير من الحكايات حول تضامن علماء الدين ضد الأنظمة الجائرة لإطلاق سراح عالم دين آخر، منها قصة ذلك العالم الذي تنازل عن حقه في مسألة خلافية مع عالم آخر، وذهب الى داره لعقد اتفاق تضامن لاستقبال عالم دين أرسل مخفوراً من مدينة أصفهان وسط ايران، الى العاصمة طهران في العهد الملكي القاجاري، فحصل الاستقبال من العالمين، ثم تحول الى استقبال جماهيري حاشد، غيّر قرار السلطان وأعاد الكرامة والعزّ الى ذلك العالم.

وسأبقى مصراً على الحقيقة بالقول:

إن الذي جرّأ الإدعاء العام السعودي على المطالبة بإعدام الشيخ النمر، هو الصمت المشين على عملية اطلاق النار عليه وجرحه واختطافه واعتقاله، وإذن؛ وحتى لانبقى على الدوام أمة لا تتذكر، ولا تحتفي بعلمائها وعظمائها ورموزها إلا بعد فقدانهم، لابد من تحطيم جدار الصمت ليعرف الحكام أمام من يكونون. و «رحم الله من عرف قدر نفسه».


ارسل لصديق