نوافذ قرآنية الى رحاب التكامل الإنساني
كتبه: باسم عبد الأمير
حرر في: 2013/04/07
القراءات: 874

في القرآن الكريم التجلّي الاعظم للنور الالهي في الحياة البشرية، بيد ان مستوى الاستيعاب يختلف من انسان لآخر، متناسباً مع العقلية والنضج الفكري لهذا الانسان أو ذاك، ولذا فان تحديد مدى الاستقبال وتلقي النور الالهي انما مرتبط بطاقة الانسان العقلية ومستواه الفكري وقوة ادراكه. يقول الله عزوجل في كتابه المجيد: «حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم* إن في السماوات والارض لآيات للمؤمنين* وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون* واختلاف الليل والنهار وما انزل الله من السماء من رزق فاحيا به الارض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون* تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون».

هناك تأكيد من خلال الآيات القرآنية الكريمة، وفي اكثر من موضع ومقام، على عدم امكانية الناس جميعاً من استيعاب الآيات الالهية وفهمها، لأن من يغلق نوافذه ويسدل ستائرها لايمكنه الاستضاءة بنور الشمس، فهي ـ اذن ـ للمؤمنين الواعين الذين بلغوا المستوى لادراكها وفهمها فارتقوا بادراكهم وفهمهم سلّم الايمان والتقوى، فالآيات موجودة في كل مكان، في السماوات والارض وفي النفس الانسانية، وفي الكائنات الحيّة، وفي الطبيعية، فهي آيات لقوم يعقلون.

من ذلك نستنتج أن القرآن يتصف بهاتين الصفتين: «العزة والحكمة»، ولعل أسمى ما يبلغه الانسان في حركته التكاملية في الحياة؛ هاتان الصفتان العظيمتان، فهو يبغي القوة والعزة وهو في ذات الوقت ينشد الحكمة، فلا يمكنه تطبيقها في شؤونه الحياتية، إلا من خلال توفر العزة والقوة، فالحكمة بمنزلة العين الباصرة، والعزة هي القدم، ولو استعرضنا الحياة وما يحيط بها لوجدناها قائمة على هاتين الصفتين.

فالعزة أرفع صفات القدرة، فيما تمثل الحكمة أعلى مراتب العلم والمعرفة، وما القرآن الكريم إلا تجلّ لهاتين الصفتين الالهيتين، والمؤمن من آمن بالرسالة، والقرآن الكريم، فالعقل مطيته والارادة قوته، فنستنتج بأننا بحاجة الى أمرين مهمين :

أولاً: الايمان، وهو الاخذ بزمام النفس والسيطرة على رغباتها.

ثانياً: اليقين، وهو الانسجام والعيش باستقرار وطمأنينة مع الحقائق والتبصّر بها والانشداد اليها، ونحن نظلم انفسنا عندما نكون بعيدين عن الحقائق والمفتاح بايدينا متمثلا في الارادة والعزم اللذين من شأنهما ان يرفعا الانسان من اسفل سافلين الى أعلى عليين شريطة ان نوجد في انفسنا الهمّة والعزيمة للولوج في عالم الحقائق فالخطوات الواسعة تبدأ بخطوات صغيرة متواضعة عبر التوجه الى عالم الحقيقة الكبرى، والى الله جلّ جلاله.

وعلينا ان نعلم، ان لا تأجيل ولا تأخير في السعي نحو مرضاة الله ـ سبحانه وتعالى ـ فنبدأ منذ هذه اللحظة، لحظة عودتنا الى الوعي واليقظة الروحية، ومشاركة اخواننا في همومهم والمساهمة لرفع المشاكل عنهم والمبادرة الى السؤال عن حاجاتهم واحوالهم، فقد لا نعلم ان بعضهم ربما يبيت جائعاً ويصبح وهو يتحسر على رغيف العيش، وفي هذا المجال يقول الامام الصادق عليه السلام،: «ان الرجل ليسألني الحاجة فأبادر بقضائها مخافة ان يستغني عنها فلا يجد لها موقعاً اذ جاءته».

فان لم يكن بامكاننا قضاء حوائج أخواننا فلنظهر لهم الحب على الاقل، ولنتبسم في وجوههم وندخل السرور والبهجة الى قلوبهم.

ولنحاول ان نُميت في انفسنا تلك الحالات النفسية القبيحة والمتمثلة بالانانية والكبرياء والغرور، ولنكن كرماء متواضعين لله وان لا نكتفي بما نعمله من الصالحات والخيرات لمجتمعنا وامتنا، لنحاول الابتعاد عن تلك الاخلاقيات السيئة المؤدية الى الانحراف والضلال، كالغيبة والكذب والنميمة والاحتيال، وآفة الحسد التي تمثل حالة عميقة الجذور في القلب تكدر النفس الانسانية وهي آخر ما يستأصل من الصفات السيئة في القلب والنفس، وسبيلنا لاستئصالها من خلال حب الخير للآخرين وتمنيه لهم، فلا يكون المؤمن مؤمنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، كما جاء في الحديث الشريف.

ومما يجدر الاشارة اليه في الخاتمة هو بساطة الخطوات التي ذكرنا قسماً منها فيما سبق من اجل ان نرتقي في سبيل السمو والتكامل والاقتراب من الحقيقة العليا التي تبعث الطمأنينة في القلب، فتقوي الايمان وتدعمه وتوثق عراه، ثم تتبعها بعد ذلك سلسلة من الاعمال أكبر وأعظم واكثر عمقاً، فنرتفع نحو عالم اليقين والتكامل والسمو العقلي.

فلا نور ولاهدى كنور القرآن وهديه كما جاء في الآية الكريمة: «تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون».


ارسل لصديق