شفافية الخطاب القرآني
كتبه: عادل مجيد
حرر في: 2013/04/08
القراءات: 954

إن أول و أعظم ما يهب القرآن الكريم للانسان، القدرة على رفع غشاوات الجهل وحجب الضلال عن قلبه، ليتصل قلبه مباشرة بنور الحقيقة، ذلك النور الذي يؤتيه الله القلب ليكتشف به الحقائق ويرى الاشياء كما هي، بحضور العقل، وبعيداً عن النوازع والعقد النفسية.

لقد فُطر الانسان على فهم الحقائق، ولو ترك وشأنه، لعرف ان لهذه السماء المبنية والارض المدحية، إلهاً فطرهما، وقدر فيهما أرزاقهما، ودبر شأنهما، لكننا مع ذلك نجد ان معظم الناس يشركون بالله، لان فطرتهم الاولى قد تعرضت للتشويه بفعل الظروف والأجواء المشحونة بالماديات، ومحاولات ترغيب الانسان على التمتع بحياته ما أمكنه، بعيداً عن التفكير البعيد نحو الآخرة.

 

لا حجاب أمام الحقائق

وهذا من شأنه أن يحجب عقل الانسان وبصيرته عن رؤية الحقائق، لذا نجد القرآن الكريم، يرفع هذه الحجب المتراكمة على قلب الانسان المؤمن. فآيات القرآن تزكّي القلب وتطهره، وتزيل عنه ما علق من شوائب الشهوات والنوازع، من قبيل العصبية والأنانية، وتجعله نظيفاً مضيئاً يغمره نور الله تعالى، فيرى به الأشياء كما هي، وفي غير ذلك، يكون الانسان دائم الاصابة بالرؤية الخاطئة في الحياة.

وبالمقابل يكون بامكان الانسان الاستفادة من المعاني والدلالات الحقيقية لآيات الذكر الحكيم، وهو ما نطلق عليه بـ «التدبر» في القرآن الكريم، وهو نفسه يأمرنا به، في غير آية كريمة. بينما نجد البعض يتوقف عند ظاهر الكلمات والآيات الكريمة. فالكلمات العربية وغير العربية، هي ألفاظ وضعت للمعاني الخارجية، فاذا قيل مثلا «الماء»، فان هذه اللفظة إنما تعني ذلك السائل المعروف، ومثلها ألفاظ «الارض» و «السماء»، وغيرها، إنما هي موضوعة للحقائق الخارجية وليس للمفاهيم الذهنية كما يقول الفلاسفة الاقدمون.

فالالفاظ تشير الى مدلولاتها مباشرة من دون مرورها على ذهن الفرد او مرورها على المفهوم، وهي تشبه بذلك إشارات المرور التي توضع على الطرق، فتدل على المعاني الخارجية وعلى تلك الحقائق الموجودة خارج اذهاننا ومفاهيمنا.

وكذلك هي ألفاظ القرآن، فلقد استخدمت الفاظه في محض الحقائق التي لاتشوبها شائبة ولا يحجبها حجاب، فالقرآن حينما يحدثنا مثلاً عن الارض والكون لا يقول الكون او الوجود، لانه قد يتساءل البعض عن ماهية الكون والوجود، إنما يقول: السموات والارض.. «له ما في السموات وما في الارض وما بينهما» (سورة طه/6).

ان كلمات القرآن لاتستخدم المجردات المجهولة بالنسبة للبشر، بل تستخدم عادة الحقائق الملموسة حتى في عالم المجردات، وحتى حينما تريد ان تتحدث هذه الآيات عن رب العزة والعظمة تعالى عن التوصيف والتشبيه والتحديد، فانها تستخدم هذه الكلمات: «يد الله فوق ايديهم» (سورة الفتح/10)، و «الى ربها ناظرة» (سورة القيامة/24)، و «الرحمن على العرش استوى» (سورة طه/5).

فهذه المصطلحات تبين الحقائق الخارجية وتجعل الانسان قريباً من تلك الحقائق، فيرى ـ حينما ينظر عبر منظار القرآن ـ كل شيء كما هو. بينما الأدباء والفلاسفة و أهل الفن، فعادة ما يغلفون الحقائق بمفاهيمهم الخاصة.

فمثلا عندما يهطل الغيث من السماء، ينظر الانسان الى قطرات المطر وهي تزرع الارض خصباً وبركة وخيراً، وعندما يداعبه النسيم حاملاً اليه الاوكسجين وعبق الزهور فان قلبه يهتز كما تهتز الارض وتربو بقطر السماء.. «فانظروا الى آثار رحمة الله كيف يحيى الارض بعد موتها» (سورة الروم/50).

ان القرآن الكريم يجعل الانسان يعيش الحقائق الخارجية، بينما تعمل الثقافات الاخرى، على تغليف الانسان وحجبه عن هذه الحقائق. فالانسان في عالم المعرفة، مثله كمثل الشخص الذي يقف عارياً تحت سيل المطر فيعيش الطبيعة، ولكنه يعيش الطبيعة والخليقة بعلمه ومعرفته لا بجسده العاري، بينما يوضع المثقف بالثقافات الوضعية في سيارة، وتدخله الى داره فيخرج منها، وهو لم ينظر الى المطر ولم ير آثاره التي يتركها عليه وعلى الارض.

سألوا احد الفلاسفة: ماهي النار؟ فقال: هي استقدس ما فوق الاستقدسات!، وهذه ما هي إلا كلمات مغلفة ببعض التعابير الغامضة، لايستطيع ان يكتشفها احد، ولو سعى صاحبها الى كشفها لنسى الحقيقة نفسها!، في حين ان النار او الماء هما كما نراهما، وكذلك الامر في مجال معرفة الله حيث اننا نتعرض كثيرا الى مثل هذه الحجب، بشكل مضاعف ومكثف ويعزى سبب كثافة هذه الحجب الى ان الانسان لا يهوى معرفة الله سبحانه وتعالى وهذا بدوره يعود الى اسباب، تقف في مقدمتها الثقافات الدخيلة التي ابتليت بها مجتمعاتنا، فهي تقوم من حيث لا يشعر الناس بوضع الغشاوة على العقول أمام معرفة الله تعالى، بينما تصرح أنها تشجع على معرفة النفس والذات والعمل على تحقيقهما في الحياة، فهذا هو المهم..!

 

الإيمان طريق المعرفة

في قصة «مؤمن آل فرعون» الذي كان يكتم إيمانه و وردت في «سورة يس» تستوقفنا الآية الكريمة: «ءأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضرّ لا تغني عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون».

هذه الجملة تحدثنا عن قضية الشرك وهي قضية هامة وحساسة للغاية؛ فالانسان إن كان مشركاً لا يغفر الله له، لذلك ينبغي على الانسان ان يعرف معاني الشرك ويعرف معنى التوحيد ليكون على بينة من أمره.

ولقد كان هنالك نزر يسير من الناس يتصورون بانهم قادرون على خلق و إيجاد الاشياء، مثل نمرود الذي حاجّ نبي الله ابراهيم عليه السلام كما جاء في الآية الكريمة: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين» (سورة البقرة /258).

 فلقد وقف نمرود ساكتاً مدهوشاً أمام ابراهيم عليه السلام، لانه لم يكن يعلم بذاته انه بشر كالآخرين، فمسألة الإحياء والإماتة لا يدعيها أحد إلا ادعاءً مجازياً.. وليس هنالك من شك بأن الله هو الخالق، وحتى الذين كانوا يعبدون الاصنام كانوا يقولون انما نعبدها لتقربنا الى الله زلفى، وكذلك الذين يعبدون المخلوقات كالشمس والقمر والنجم والشجر والحجر والبقر، جميع هؤلاء ادعوا بأن هذه الاشياء تقربهم الى الله رب السموات والارض، فالناس عادة ما يغلفون شركهم بغلالة من التوحيد، فيلبسون بذلك الحق بالباطل، ويعبدون غير الله ويزعمون انهم يعبدون الله.

ان سبب تعرض الانسان لهذه المشكلة بل والمنزلق الخطير ألا وهو الشرك وظهور آلهة من دون الله تعالى، هو خضوعه واستسلامه لعوامل الضغط في الحياة، ومنها الضغط النفسي، كما هو حال أحد الطواغيت حينما حضره الموت فجاء اليه رجل مؤمن فسأله: كيف تجد نفسك؟، قال له: أجد نفسي مقدما على نار جهنم، فقال: إذاً؛ تُب الى الله، فقال: أتوب الى الله.. ثم قال له الرجل المؤمن: عليك ان تعترف بانك كنت على خطأ.. هنا أخذت الطاغوت العزة بالاثم فقال: النار ولا العار! أي انه لم يشأ ان يقول عنه الناس انه كان ظالما، اغتصب حق أهل البيت عليهم السلام، ففضل نار جهنم على الخزي والعار في الدنيا وهو غافل عن ان الخزي قرينه في الدارين والعار وصمته في كليهما.

ان اغلب الناس حينما ينحرفون عن جادة الحق لا يعترفون بخطأ طريقهم وانحراف مسلكهم، خشية وخوفا من كلام الناس لا من السوط ولا من قطع الرزق، لذلك نجد ان القرآن الكريم عندما يصف المجاهدين، ويصف حزب الله الحقيقيين فانه يقول: (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) المائدة/54.

لذا فان كلام الناس غير مهم، فكم سُب أهل البيت عليهم السلام، وهم قدوة الصلاح ورمز الهدى ومصابيح الهداية وسفن النجاة، لقد سبوا على منبر جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله، بل ان (120) ألف منبر في أيام الجمعة وفي صلوات الجمعة كان يلهج بلسان الذين يرتقونها من وعاظ السلاطين بسب الامام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، واهل بيته، وقد استمر هذا الامر لاربع وثمانين عاماً ولم ينقص من شأن امير المؤمنين عليه السلام، ولم يحط كل ذلك من قدره مقدار ذرة.


ارسل لصديق