الحوزات العلمية.. بين نظامي المراحل والحلقات المفتوحة
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2013/04/08
القراءات: 1334

يُعد العلم، السبيل الوحيد للخروج من سجن الذات، لان الجهل هو في حد ذاته سجن، والانسان بفطرته جهول الحال لقوله تعالى: «وحملها الانسان انه كان ظلوماً جهولاً» (سورة الاحزاب/ 72).

فحينما أخرج الله تعالى بني آدم من بطون أمهاتهم أخرجهم وهم لا يعلمون شيئاً، ثم زرع في قلوبهم العقل ومنحهم الحواس ليكتسبوا بها العلم، وهكذا فإنك كلّما استطعت ان تخرج من سجن الجهل، كلما استطعت الوصول الى أفق أبعد، كما يشير الى ذلك قوله تعالى: «وقل ربي زدني علماً» (سورة طه /114). وهذا الامر موجّه الى النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، مع انه كان أعلم الاولين والآخرين.

ان طلاب العلم يسلكون نفس هذا المسلك، ويسيرون في ذات الطريق، مع علمنا ان المعلومات التي كان يحصل عليها الانسان في القرن التاسع –مثلاً- تُعد ضئيلة وضحلة بالقياس الى المعلومات التي يحصل عليها وهو يعيش في القرن الحادي والعشرين، بسبب التقدم الهائل الذي طرأ على وسائل الاعلام اليوم..

وهكذا نرى ان العلم يسبق الانسان الى درجة بحيث من الصعب متابعة حتى آخر النتاجات العلمية والاحداث العالمية، وذلك لكثرتها وتشعبّها، ولذلك نرى ان طالب العلم اليوم يقفز على جميع الحواجز التقليدية في دراسة العلم، لكون العلم اليوم قد بلغ أفقاً واسعاً لا يمكننا تلمّس نهايته.

من هنا يُعد اعتماد النظام التعليمي لتدريب المناهج العلمية في معاهدنا وحوزاتنا العلمية من الامور المهمة، والتي هي بدورها تتأثر بمدى ثقافة الحوزة ورؤيتها للواقع والحياة. وبعبارة اخرى، ان رؤية ونظرة رجال الحوزة لدورهم في قيادة المجتمع، وحجم هذه القيادة ومساحتها يفرض نفسه في هذا الصدد بحيث يلقي هذا الموضوع بظلاله على اعتماد نظام تدريسي دون آخر.

 

الحلقات المفتوحة .. رؤية للتقييم

منذ القدم كانت الحوزات العلمية تعتمد – وما زالت الكثير منها لحد الآن – نظام الحلقات المفتوحة، ونقصد به؛ انخراط طالب العلم منذ اليوم الاول لمجيئه وانضمام للحوزة العلمية، باحدى الحلقات التدريسية التي يديرها أحد أساتذة الحوزة العلمية، وهذا يعني اعتماده شبه الكامل على نفسه في اختيار الاستاذ الافضل والحلقة الاقوى والمواظبة على العلم والتعلّم، وكذلك القيام بمجموعة استشارات من الذين سبقوه في الحوزة في اختيار الكتب التي ينبغي دراستها كمرحلة أولى او تمهيدية في باب الفقه والنحو والمنطق والعقائد وغيرها.

وفي هذا الصدد نشير الى بعض الجوانب الايجابية والسلبية لهذا النظام المعتمد في بعض حوزاتنا العلمية:

1/ يرى من يعتمد على نظام الحلقات المفتوحة، انه الاسلوب الأقرب الى الفطرة الانسانية الذي يتميز بانسيابية اكثر من نظام المراحل الذي يقولب الطالب وفق كتب معينة وزمان محدد ومراحل محدودة.

2/ يعتقد مؤيدو هذا النظام ان الدافع الذاتي الى جانب روح الاخلاص، يمكن استكشافها من خلال (النظام الحلقي المفتوح) الذي يكون بعيداً عادة عن قوانين المراقبة والعقوبة والمتابعة القاسية كما هو موجود في نظام المراحل في الحوزات الجديدة، ذلك لان الطالب اذا تحرك بدافع الخوف من المدير وقانون الحضور والغياب وايضاً جعل المرتب الشهري أحد وسائل المتابعة والتدقيق، فهذا يعني إبعاد طالب العلم عن الحالة الروحانية ومن ضمنها حالة الاخلاص والخلوص في النية في طلب العلم.

3/ يرى مؤيدو نظام الحلقات المفتوحة ان منح الطالب فسحة من الحرية لاختيار الاستاذ والحلقة وحتى تقديم كتاب على آخر، بمثابة خلق روح الابداع والتقدم والقفز على المراحل المفروضة والمقيدة للطاقات الخلاقة والمتبعة في نظام المراحل.

أما المعارضون لنظام الحلقات المفتوحة فيوجزون انتقاداتهم بالتالي:

1- ان طالب العلم في بدايات الطريق ليس في مستوى المعرفة والكشف والادراك حتى نمنحه الحرية المطلقة لاختيار وتمييز الاستاذ الافضل والحلقة الأجود والكتاب المفضل على غيره، فحاله حال الجاهل الذي ينبغي تزويده بالمعرفة خطوة فخطوة.

2- ان الاخلاص والخلوص في النية، لا تتحقق من خلال الوقت المفتوح وغير المحدد ببرنامج زمني معين، من شأنه أن ينظم الحياة الشخصية والعلمية للطالب، فالشعار الذي كان يُرفع – مع الاسف-: ان الحوزة (نظامها اللانظام)، هو انعكاس لحالة التخلّف واللاحضارية في واقع الحوزة العلمية، فلابد أن يعرف طالب العلم، منذ أيامه الاولى، إن الدور القيادي للأمة الذي ينتظره في المستقبل، لن يتحقق إلا بتعلم أصول وقواعد الادارة، من تنظيم الوقت والمدارسة وتنظيم المراحل الدراسية وغيرها.

3- ان إطلاق الحرية الكاملة للطالب لكي يختار الاستاذ والحلقة والكتاب، يجعله يقع في فخ (حرق المراحل)، فهو يبحث في الكتب، ظناً منه انه بطريقة القفز، سوف يصل الى مراقي العلم والكمال، غير ان ادارة نظام المراحل هي التي تقوم بدور التوجيه والرعاية والتسديد.

4- ان الحوزة العلمية بنظام الحلقات لا تترك الطالب من الناحية العلمية فحسب، بل سوف تهمله ارشادياً وتجعله ينأى عن تحمل مسؤولية التوجيه والتبليغ الديني، لا سيما في الحضور الميداني في المناطق النائية، ناهيك عن استبعاده كلية عن الساحة الاجتماعية والثقافية والسياسية.

5- قد يتهم معتقدو نظام الحلقات المفتوحة نظام المراحل، بان الاخير يفرض استاذاً – وقد يكون غير لغوي – او منهجياً وكتاباً على الطالب ويمدده بوقت لغرض إنهائه، مما يضر بالمستوى العلمي للحوزة، فلا بد من القول؛ ان الحوزة بنظام المراحل لها تجربة، ومتمحضة باختيار الاستاذ والمنهج، مهما أشكل عليها، يبقى ان الطالب في نظام الحلقات فاقد القدرة على التشخيص والتمييز لانه مبتدئ بالدراسة العلمية.

 

تلاقي الرؤيتين والتكامل

مما تقدم نفهم أن هناك حرصاً لدى رجالات الحوزة العلمية، سواءٌ المؤيدون لنظام الحلقات، أو الدعاة الى نظام المراحل، على ضرورة الاهتمام بعلمية الطالب وإخلاصه، وكذلك الحرص على اغتنام الفرص والوقت لتأهيل الطالب بافضل شكل ممكن.

ولكن بمرور الزمن ومع التعاطي الايجابي والحوار البناء حصل بعض انماط التلاقح بين الرأيين، من هنا انبرى الكثير من مؤيدي نظام الحلقات المفتوحة للاستفادة من تجربة نظام المراحل وذلك باعتماد المرحلية المنهجية لطلاب الدروس التمهيدية والمقدمات باعتبارهم يفتقرون الى حالة التشخيص بين الغث والسمين العلمي، فاعتمدوا اسلوب فرض الاستاذ والسنة الدراسية والكتاب مع تطعيم الدروس التي كانت عادة شبه مهملة بالحوزة، او ان الطالب يدرسها باختياره، كمادة العقائد واحكام الترتيل والتجويد ودرس الحديث والاخلاق.. ولكن بعد المقدمات يتركون مساحة حرة نوعاً ما للطالب في مرحلتي السطوح والسطوح العليا لاختيار اسلوب الحلقات المفتوحة.

في المقابل انبرى دعاة نظام المراحل الى فتح مساحة حرة خاصة في مرحلة السطوح العليا ليكون الطالب مختاراً للحلقة والاستاذ المناسب له تمهيداً لدخول مرحلة البحث الخارج، مع مراعاة جانب التوجيه والاشراف والمتابعة وتأهيل الطالب للتصدي الاجتماعي والقيادي لقضايا الامة.

ان نظام المراحل والذي تأثر نوعا ما بأنظمة (الوحدات) المتبعة في الجامعات والذي يسعى الى اختزال الوقت وتقديم العلم للطالب باعتماد المنهج المتحرك، حاول الخروج عن هذه السقوف بالمحافظة على اكمال الكتاب كاملة حتى لو تم ترحيله الى المرحلة الاخرى القادمة، ذلك لان همّ وهدف طالب العلم في الحوزات العلمية ليس الحصول على الشهادة الاكاديمية، كما هو حال معظم طلبة الجامعات، إنما سبر غور العلم و إكمال وتفهّم المادة العلمية بشكل متكامل خدمة للدين والمجتمع.


ارسل لصديق