البكاء و قسوة القلب
كتبه: صالح عبد الأمير
حرر في: 2013/04/08
القراءات: 1528

من أسوأ ما يصيب الإنسان قسوة القلب، فهذا المرض هو مفتاح لكل المساوئ، ولايصبح الإنسان مجرماً وقاتلاً وسفاحاً إلا بعد أن يصاب بهذا المرض، وفي بلداننا وللأسف أصبحت قسوة القلب رمزاً للشجاعة وعنواناً للبطولة وموقفاً للرجولة، إن مشاهد قطع الرؤوس والتلذذ بفعل ذلك ليست لها أية علاقة بقريب أو بعيد بمبادئ الإسلام أو قيم البطولة والشجاعة، وإنما هي تدل على العقد النفسية الكامنة في القلب المريض القاسي، وكذلك هي تدل على الجبن وخبث النفس، فمن كَرمت نفسه أعزّ الناس وأكرمهم، ومن خبثت نفسه يقسو على الضعيف ويهين الكريم ويمثّل بالضحية، ولدينا نماذج كثيرة وللأسف في مجتمعاتنا الإسلامية من أعمال تدل على قسوة القلب، فمنهم من يقطع رأس الطير (الحمام) بيده أمام الناس ويعدّ ذلك ضرباً من الشجاعة، ومنهم من يعتدي على الضعيف ويعّد ذلك بطولة، ومنهم من يضرب الطفل الصغير ويعدّ ذلك نوعاً من إثبات الذات، ومنهم من يقتل الأعزل الأسير ويعدُّ ذلك جهاداً وهكذا...!

وتنتشر بين صفوف المجتمع حالات وظواهر تكشف عن القسوة التي يتصف بها، فالإختلافات التي تقع بين الناس حول مسائل قد تكون سطحية وبسيطة وبالإمكان معالجتها من خلال العقل والحوار الهادئ، إلا أنه كثيراً ما تمتد تلك الإختلافات البسيطة إلى شجارات ونزاعات بالأيدي وفي بعض الأحيان بالسكاكين وأحيان أخرى بالسلاح الناري.

أما العلاج فلا يكون بتناول كمية من الأقراص المهدئة ولا بالذهاب إلى المستشفى وإنما هو يتلخص في كلمة واحدة هي (البكاء) .. والبكاء يمثل علاجاً ناجحاً لكثير من الأمراض والحالات النفسية غير قسوة القلب.

والناس لديهم مقدار من القسوة في قلوبهم، غير أن هذه القسوة تتفاوت بدرجاتها ومستوياتها، فمنهم من يأخذ بحدودها الدنيا ومنهم من لايضع حداً لقسوته فيتمادى في ظلمه للآخرين والتجاوز على حقوقهم، ولا تردعه بعد ذلك القيم والمبادئ ولا ترهبه عقوبات الدولة ولا المحاكم.

فالقسوة إذن هي بذرة تنمو في القلب، عن طريق الذنوب والأفعال المنكرة أو عن طريق التصورات السوداوية. والمذنب في الواقع، يرتكب عملاً مخالفاً لفطرته وطبيعته الإنسانية، و الإدمان على مثل هذه الأعمال يضعه في موضع الصراع مع الذات والفطرة السليمة، لذا يجب أن نعالج أنفسنا بأنفسنا وأن نبدأ العلاج من الآن قبل أن تستفحل الأمور وتخرج عن نصابها، وتكون النتيجة أن يتحول القلب إلى حجر صلب!!

طبعاً؛ قلوب المجرمين أقسى من الحجر، هذا ما ذكره لنا القرآن الكريم: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» (سورة البقرة /74).

فقبل أن يتحول قلبنا إلى حجر لابد أن نعالجه بالبكاء، فالبكاء هو الذي يذيب كل التقلصات والأغشية المحيطة بقلب الإنسان، ونقصد هنا البكاء من الأعمال السيئة التي قام بها الإنسان خلال سني حياته.. البكاء من التصرفات غير اللائقة التي أقدم عليها.. البكاء من التجاوز على حقوق الآخرين.. البكاء من الإعتداء على كرامة الوالدين.. وأعظم البكاء هو البكاء من خشية الله.

لكن ما هو السبيل الى ذلك؟

لابد ان يكون للبكاء أجواء وظروف خاصة، كونه يمثل موقفاً جديداً ومميزاً من  الانسان.. اعتقد أن أفضل السبل والأجواء، هي الدعاء.. فعندما يفتح الانسان كتب الأدعية المأثورة المنقولة عن المعصومين، و ابرزها «مفاتيح الجنان»، يجد نفسه أمام نافذة مفتوحة على مصراعيها وهو وحيد يناجي ربه بشكل مباشر، والشعور بالوحدة أمام جبار السموات والأرض، بحد ذاته يجعل الانسان رقيق القلب مرهف الإحساس، يسعى للتواضع والتخضّع ما أمكنه، ويكون حاله، حال فرخ الطير الذي يرف بجناحيه الصغيرين أمام الأم للحصول على الطعام.

سأل نبي الله موسى عليه السلام ربه ذات مرة: «رب أين أجدك، قال: عند المنكسرة قلوبهم».


ارسل لصديق