من الفكر الحسيني
الثورة على الباطل .. الفتح المبين
كتبه: رضا الخفاجي
حرر في: 2013/04/08
القراءات: 1885

«من لحق بنا استشهد، ومن تخلّف عنّا لم يدرك الفتح..».

هذه العبارات جاءت ضمن رسالة للامام الحسين عليه السلام الى أخيه محمد ابن الحنفية، يؤكد فيها عليه السلام، انه عازم على المضي قدماَ لنيل الشهادة وليس لشيء آخر، كالحصول  على المنصب والزعامة، وهذا التصريح يقطع الشك باليقين. إذ لو كان سيد شباب أهل الجنة طامحاً للملك او الوجاهة، فهي متوفرة لديه بالأساس.. فهو وجيه عند الله قبل ان يكون عند عباد الله، والاحاديث النبوية الكثيرة بحق الامام الحسين واخيه الحسن المجتبى عليهما السلام، تؤكد منزلتهما عند جدهما النبي الاعظم صلى الله الله عليه وآله. وهي المنزلة المستقاة من كلام الوحي، حيث أنزل الله تعالى آية التطهير في البيت العلوي الذي تربّى فيه الامام الحسين عليه السلام.

لذا يمكن القول؛ إن الخطوة الاولى في تحرك الامام الحسين عليه السلام، كانت نحو احداث زلزال في جدار الباطل، وفي نفس الوقت توجيه صدمة لوعي المجتمع وضميره، الذي استكان على الذلّ والخوف والبطش الأموي الرهيب الذي كان يقتل على الشبهة والظنّة، لذلك اراد الامام الحسين سلام الله عليه ان يوقظ هذا المجتمع من نومه وسباته وخذلانه وهنه.. و أراد لذلك المجتمع ان يكسر حاجز الخوف لانه عليه السلام، كان يعرف حقيقة نوايا عدوه «يزيد» الذي كان قد أمر بقتل الامام الحسين عليه السلام، إن أبى البيعة له، حتى وان كان متعلقاً باستار الكعبة.

لذلك خرج الامام من مكة حتى لا يمكّن الطاغية الفاسق من تدنيس الكعبة المقدسة.. وعندما وصل الامام الحسين عليه السلام، الى مشارف كربلاء، و واجه المنع من الاستمرار في السير نحو الكوفة من قبل القوة التي كان يقودها الحر بن يزيد الرياحي، اقترح عليه السلام، عليه أن يذهب الى أحد الثغور الاسلامية ويمكث هناك للدفاع عن أرض الاسلام ضد أعداء الدين، حتى يكون بعيداً عن يزيد ومحاولاته للضغط عليه، واستحصال البيعة بالقوة. ثم ان اسم الامام الحسين عليه السلام، كان لوحده مصدر رعب وخوف لدى طاغية الشام، كونه يعلم تماماَ ان الامام الحسين عليه السلام، هو الحاكم الاسلامي الشرعي، و يعرف حقاَ مكانته ومنزلته بين الناس، فكان لا يطيق أن يراه حياَ، كما يعلم جيداً أن الامام الحسين عليه السلام، لن يقبل بالذلّ أبداَ، وهو ابن الامام علي عليه السلام، بطل الاسلام دون منازع، وخلــيفة رسول الله الشرعي. اذن كان مقتل الحسين عليه السلام، وإلغاؤه عن الساحة، ضرورة ملحّة لدى النظام الاموي، لكي يقضي على الشرعية المستمدة من القرآن الكريم وهو دستور الاسلام العظيم. فقد كان الامام الحسين عليه السلام هو رمز الشرعية الدينية، والامتداد الطبيعي لخط الرسالة المحمدية الاصيلة، وعليه كان لابد لقوى الردّة والتحريف ان تقضي على هذا الرمز العملاق.

 

الثأر من محطم الأصنام

لقد مرّ الصراع بين الاسلام وبين أعدائه بعدة مراحل، منذ بزوغ فجر الاسلام، وبعد ان خاض المعسكران حروباَ طاحنة، استطاع فيها الاسلام بقيادة النبي الاكرم محمد، صلى الله عليه واله وسلم، ومعه الثلّة المؤمنة من الاصحاب الذين تفانوا الى حدّ الشهادة، او تحقيق النصر على الاعداء، وفي طليعتهم فتى الاسلام الأول، الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام، الذي جندل رموز الجاهلية و أعداء الاسلام في بدر و أحد والخندق وخيبر، وصولاً الى الفتح العظيم، فتح مكة، حيث صعد الامام علي في ذلك اليوم المشهود فوق الكعبة المشرفة، و أطاح بجميع أصنام الجاهلية، وقبرها الى الأبد. فكان لابد للردّة و رموزها من الانتقام لتلك الأيام العصيبة عليها، بالالتفاف على الاسلام العظيم مستغلة سماحته وعفوه عندما قال صلى الله عليه وآله، قولته المشهورة، مخاطباً رموز الجاهلية في مكّة: «اذهبوا فانتم الطلقاء». فالتزمت بموقفها المعادي الاسلام، ورغم الاسلام الظاهري لهؤلاء أمام النبي الأكرم، إلا انهم لم يؤمنوا بالاسلام اطلاقاً، لان الاسلام، الذي يُعد ماءً زلالاً، لا ينفع الارض السبخة، والقلوب السوداء، فكان البقاء على ولائهم لقيم الجاهلية، ثم الاستمرار في مؤمراتهم ودسائسهم التي انتهت الى سرقة الخلافة والحكم من اصحابه الشرعيين.

من هنا؛ كان من أولى مهامّ البيت الأموي المتعطّش للسلطة و الهيمنة، القضاء على الامام الحسين عليه السلام، ليخلو لهم الجو والاستيلاء على مقدرات الأمة، وقد سبق استشهاد الامام الحسين عليه السلام، اجراءات عدوانية مقيتة اتخذها معاوية، عندما استولى على الحكم، بأمر خطباء المساجد في البلاد الاسلامية بشتم الامام علي عليه السلام، من على منبر رسول الله، وبقيت هذه السنّة السيئة الى زمن الخليفة الاموي، عمر بن عبد العزيز الذي ألغى هذه السنّة في عهده.

لذلك أراد الامام الحسين ان يكشف نوايا يزيد ويفضحه أمام الأمة بأكملها، وفي نفس الوقت أراد ان يوقظ ضمير المجتمع من سباته، بعد ان يلمس الحقائق لمس اليد. كما أراد الامام الحسين عليه السلام، أن يؤكد بان طريق المقاومة والتصدي لنهج التضليل والتحريف، هو الذي يحقق للمجتمع الاسلامي الرفعة والعزة والكرامة في الدنيا والاخرة.

إذاً؛ كان اليوم العاشر من المحرم سنة 61 للهجرة، يوم حصاد  ـ إن صحّ التعبير- وكان بداية النصر المبين على أعداء الاسلام، عندما وضع الامام الحسين واهل بيته واصحابه الاوفياء بدمائهم، الأسس الصحيحة والراسخة لسور الاسلام وحصنه المنيع، لان سيد الشهداء عليه السلام، كان يؤمن بان مبدأ الشهادة هو الذي سيحقق النصر الساحق على الاعداء، لذلك عدّ الشهادة فتحاً.. عندما قال: «ومن تخلف عنّا لم يشهد الفتح».. والفتح هنا هو الانتصار الحاسم، لذلك جاء بأهل بيته الى كربلاء، ليعلن للعالم بان القائد الرسالي لابد ان يبدأ بنفسه وبأهل بيته وباصحابه الاوفياء، حتى تكون عملية الاصلاح والتغيير ناجحة ومسددة من قبل الله تعالى.

لذا فان نهضة الامام الحسين ومعركته ضد الباطل، كانت معركة مقدسة و دروساً بليغة وخالدة لجميع الأجيال، وقد علّمت قادة كباراً في العالم ومفكرين، ومن جميع الاديان والمذاهب، كيفية الانتصار للحق.

 

دروس معاصرة من كربلاء

ان الوهن والضعف واللامبالاة عندما تسيطر على الشعوب، فان طغاة الارض يجدون في تلك الحالة أرضاً خصبة لتحقيق احلامهم المريضة، ومآربهم اللامشروعة، لذلك يلجأون الى سفك الدماء من اجل البقاء على عروشهم البالية.

ان الدرس الحسيني الخالد في التضحية والايثار ومقارعة الطغاة كان السبب في قيام العديد من ثورات الشعوب في عالم اليوم، والامثلة كثيرة على ذلك، وجدير بنا أن نذكر بعض النماذج والثورات الخالدة المشرفة التي أضاءت الدروب لشعبنا ولبقية شعوب العالم.

فبالاضافة الى قيام العديد من الثورات ضد الحكم الاموي والعباسي، فان العصر الحديث في العراق شهد قيام أعظم ثورتين هما أولاً: ثورة العشرين الخالدة، عام 1920، حيث كانت القيادة الدينية اثناء ثورة العشرين قد اتخذت من حرم الامام الحسين عليه السلام، مقراً لها، وقد رفع الثوار اول علم للثورة في مدينة كربلاء المقدسة، حيث كانت تأتي عشائر الفرات الاوسط وتبايع المرجعية على مباركة الثورة والاستعداد لبذل الغالي والنفيس من اجل مقاتلة المحتلين البريطانيين.

اما الثورة الثانية التي استلهمت من الثورة الحسينية، فهي الانتفاضة الشعبانية المباركة التي عمّت مدن الوسط والجنوب في العراق، عام 1991، فكانت كربلاء المقدسة حاضرة ايضاً في هذه الثورة الجماهيرية العارمة التي انفجرت ضد الطاغية المقبور، بعد أن ساق البلاد والعباد الى الحروب المدمرة والخاسرة، وبما أن هذه المدينة تتوفر على خصوصية لا نظير لها، فهي مدينة الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام، وقد امتزجت دماؤهما الطاهرة بترابها، كان الثوار يستمدون العون ويستلهمون الشجاعة منهما، ومن القيم والمبادئ التي ضحّوا من أجلها، وهذا ما جعل المنتفضين في هذه المدينة المقدسة يصمدون فترة اربعة عشر يوماً أمام قوات الطاغية، وهم مدججون بالاسلحة الثقيلة، ولم يغادر الثوار من الحرمين الشريفين، إلا عندما تعرضوا للقصف بقنابل الغازات السامة، وفي تلك الايام، سجل ثوار الانتفاضة الشعبانية ملاحم بطولية بدمائهم الزكية، ودخلوا في قافلة الشهداء الابطال، حتى بلغ الأمر أن يشهد لهم الطاغية المقبور بالصمود والتحدي، وهي شهادة تحسب لهم: «والفخر ما شهدت به الأعداء».

كذلك لابد لنا هنا ان نثبت النموذج الثالث، الذي استمد الهامه من الثورة الحسينية وجعلها قدوة له في جميع مجالات الحياة، وهو النموذج اللبناني، متمثلاً في المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان، التي تخوص مواجهة غير متكافئة مع العدو الاسرائيلي، إذ ان قوات المقاومة لا يتجاوز الـ (15) الف مقاتل، امام الجيش الاسرائيلي الذي يصل تعداده الى اكثر من نصف مليون جندي مجهزين بأحدث انواع الاسلحة، ومدعومين سياسياً واقتصادياً من القوى الاستكبارية في العالم. إلا ان الامدادات الغيبية الالهية، هي التي تقف مع المؤمنين إيمانا مطلقاً بالنهج الاسلامي - المحمدي - الحسيني الاصيل، والمتفانين من اجل مبادئهم حدّ الشهادة.

من ذلك يتضح، ان الايمان هو العنصر الحاسم في معارك المصير، وقد التفت أعداء الاسلام الى هذه النقطة بالذات، فجندوا امكاناتهم وقدراتهم، ليس في الساحة العسكرية، إنما على الصعيد الثقافي، لتوجيه ضرباتهم الى كيان الأمة. لذا نراهم يحاولون باستمرار ودون توقف، وبشتى الوسائل الحديثة، من قنوات فضائية ومواقع انترنت، لبث سمومهم وثقافتهم وافكارهم الى اذهان الجيل الجديد قبل أن تصله دروس عاشوراء والمبادئ الحسينية. وهذا لا يتم إلا بضرب كيان الأسرة من خلال جذب المشاهدين من مختلف الاعمار نحو الشاشة الصغيرة، من خلال البرامج والافلام والمسلسلات المشحونة بالثقافة والتربية المتعارضة مع الدين والاخلاق، وحتى الانسانية. وما يؤسف له، أن نجد بعض القنوات الفضائية في الخندق المقابل ممولة ومدعومة من بلاد اسلامية في الخليج، وفي مقدمتها السعودية وقطر، بمعنى أن ثروة النفط والغاز التي يفترض ان توظف لتقدم المسلمين والارتقاء بمستواهم الثقافي والاقتصادي والسياسي في العالم، توظف لتحطيم كيانهم وشخصيتهم، وإبقائهم على حالة التخلف الثقافي والسياسي، وتكريس الطبقية والتمييز والقيم التي حاربها النبي الاكرم صلى الله عليه وآله، منذ اربعة عشر قرناً.

ولكن.. «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين». فبرغم استمرار هذه البرامج الهدّامة، وجدنا كيف أن أصداء الثورة الحسينية، وصل الى مصر واليمن والبحرين، و وضعت النهضة الحسينية بصمتها في تلك البلاد، لوجود الشيعة والموالين لأهل البيت عليهم السلام.


ارسل لصديق