فاطمة عليها السلام .. القدوة الجامعة
كتبه: الشيخ محمد حسن آل إبراهيم
حرر في: 2013/04/08
القراءات: 2514

أكانت فاطمة الزهراء عليها السلام ضرورة مذهبية اصطنعتها ظروف نشوء التشيع في وقت متأخر  كما يدعي بعض المستشرقين ؟ أم أنها ضرورة امتداد رسالي على مدى التاريخ تقتضيها الإرادة الإلهية لبسط الهداية للبشر كما هي الرؤية الرسالية للفهم الصحيح لرسالات الله ؟

إن تلك الفرية الواضحة المدعاة لبعض المستشرقين، وإن خلت من أي مضمون أو دليل حيث يكذبها الوجدان وينقضها اتفاق عموم المسلمين على مكانة الزهراء عليها السلام في الإسلام وفضلها؛ إلا أنها تلقي ضوءاً على ما كان يجترحه المستشرقون من جريمة فكرية لتشويه صورة التشيع، الذي تثبت حوادثه التاريخية ومنظومته العقائدية امتداده لفجر الرسالات.

 ومن جهة اخرى، فهذه الفرية تفتح الباب لتقصّي حقيقة رؤيتنا لدور المرأة في التاريخ، ممثلة في القدوات النسائية الصالحة، وعلى رأسهن سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين.

 

الامتداد الرسالي والقدوة الكاملة

لقد كانت القدوات النسائية منذ فجر الرسالات حجة قائمة مع كثير من الأنبياء والرسل على جميع البشر ذكوراً وإناثاً، وثابتاً تاريخياً يتجدد بشخوصه بتجدد الرسالة الإلهية الكبرى.

فلا غرو إن قلنا بأن المرأة شريكة الرسالات الإلهية فـ «حينما أراد الله أن ينقذ بني اسرائيل، أوحى إلى أم موسى أن أرضعيه، فكانت المرأة بداية موسى، وحينما أراد الله أن ينقذ مرة أخرى بني اسرائيل من الانحرافات، خلق مريم، وأم مريم - زوجة عمران - التي نذرت ما في بطنها محرراً لله سبحانه وتعالى، وكيف كرّم الله مريم بأن ينزل عليها ربنا رزقها وهي في المحراب» .

لذا تمثل الزهراء عليها السلام، الامتداد الرسالي لحركة المرأة في التاريخ، والأنموذج الكامل، ليس للمرأة فحسب، بل هي كذلك أنموذج متكامل للقدوة الصالحة ، فـ «..في الخبر : ما كمل من النساء إلا أربع: مريم وآسية وفاطمة وخديجة زوجة النبي (ص) في الدنيا والآخرة ...» .

وهذا لايعني حصر الصلاح في هذه النساء، بل هو حصر للكاملات من الصالحات، فإن اقتران اسم فاطمة عليها السلام بسيدات النساء، يشير إلى حركة تاريخية مستمرة للمرأة نحو الكمال، وبلوغها درجات الكمال البشري؛ فالله سبحانه يجتبي من رسله من يشاء، ويصطفي من عباده الصالحين من يريد، قال تعالى: «وإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ» (سورة آل عمران -42). وقال سبحانه في آية التطهير المشمولة فيها فاطمة عليها السلام: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (سورة الاحزاب -33).

 

فاطمة عليها السلام عصمة الخلق من النار

إن القدوة الصالحة بما تشرق به من نور وضياء، وهدى تعصم الناس من مزالق الهوى، وكلما اشتدت العلقة والإتباع، اتسع المدى المؤثر في حياة الفرد والجماعة، فعن الباقر عليه السلام قال: «أما إن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله قالوا: يا رسول الله نخاف علينا النفاق قال: فقال: ولم تخافون ذلك؟ قالوا : إذا كنا عندك، فذكرتنا و رغبتنا، وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا، حتى كأنا نعاين الآخرة، والجنة والنار ونحن عندك. فإذا خرجنا من عندك، ودخلنا هذه البيوت، وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل، يكاد أن نحول عن الحال التي كنا عليها عندك، وحتى كأنا لم نكن على شيء؟ أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: كلا؛ إن هذه خطوات الشيطان، فيرغبكم في الدنيا، والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها، لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء» .

فالحديث النبوي يبين الأثر الذي يتركه الاقتداء بالرسل والأصفياء وكيف أن استدامة الاتصال المعنوي والمادي بالقدوة الصالحة، تطهر الروح، وتجلو البصيرة، وتشحذ الهمة لبلوغ درجات الكمال، حتى تصل لمراتب متقدمة من العصمة الإكتسابية، وهو ما يحقق بعض معنى الاحتجاب والعصمة من النار.

ولعل هذا هو أحد معاني الفطم من النار، الذي ذكره الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، فقد روي عنه صلى الله عليه وآله، أنه حينما سأل جبرائيل عليه السلام: «ولم سُميت في السماء «المنصورة» وفي الأرض فاطمة؟ قال: لأنها تفطم شيعتها من النار، وأعداءها عن حبها ، وهي في السماء المنصورة، وذلك قوله تعالى: «ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء».

 

علم الزهراء عليها السلام

والقدوة الجامعة

إن للصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام، أدواراً متعددة فهي تزهر بأنوار الهداية في كل نواحي الحياة، فهي قدوة للإبنة البارة بأبيها، إذ إنها أم أبيها وهي قدوة للزوجة الطيبة الطائعة لزوجها، وهي قدوة للأم المربية الرؤوم ، وهكذا.. فمهما تطرقت لجنبة من جنباتها، تكون هي الأنموذج الأكمل فيه، ولعل الجامع لكل ذلك هو عِلمُهَا عليها السلام.

ونحن نتلو في زيارتها عليها السلام: «السَّلامُ عَلَيكِ أَيَّتُهَا اْلمُحَدَّثَةُ العَليمَةُ»، وحين نذكر علم فاطمة عليها السلام، فإنما نتحدث عن معدن الرسالة ونور النبوة ومشكاة العلم. وفي تفسير فرات عنه – الامام الصادق- عليه السلام قال: «كأنها كوكب دري»، فاطمة من نساء العالمين، «يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية»، قال: لا يهودية ولا نصرانية، «يكاد زيتها يضيء»، يكاد العلم ينبع منها سلام الله عليها» . وبهذا يتضح أن جميع مواقف حياتها نابعة من هذا العلم، أوليست العصمة نوعاً من العلم ؟

لنتأمل قوله تعالى: «وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً» (سورة النساء -113).

يقول السيد الطباطبائي في تفسير هذه الآية: «ظاهر الآية أن الأمر الذي تتحقق به العصمة نوع من العلم يمنع صاحبه عن التلبس بالمعصية والخطأ وبعبارة أخرى علم مانع عن الضلال،..). ويضيف أيضاً: (كما أن سائر الأخلاق كالشجاعة والعفة والسخاء كل منها صورة علمية راسخة موجبة لتحقق آثارها ، مانعة عن التلبس بأضدادها من آثار الجبن والتهور والخمود والشره والبخل والتبذير . والعلم النافع والحكمة البالغة..» .

فالنواقص إنما تحدث أيضاً بسبب نقص في العلم وهي كاشفة عن خلل ما في الالتزام بهذا العلم، و يؤيد ذلك قوله تعالى: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ» (سورة فاطر -28). والفرق بين المعصوم وغيره هو في تأييد الله سبحانه له وتسديده له، فينسخ ما يلقي الشيطان من وساوس وظنون، ويثبت الله آياته في قلوب أنبيائه، و أوصيائه، وأصفيائه، وذلك بسبب ما وصلوا إليه من كمالات ومعرفة إيمانية. وليتضح المعنى أكثر، نتأمل في قصة يوسف عليه السلام وكيف صرف الله عنه كيد زليخا، وأدركته العصمة للنجاة، ليس فقط من الفحشاء بل من أي سوء كان يمكن أن يحدق به في تلك الحادثة، فقد رأى «برهان ربه»، قال تعالى: «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ» (سورة يوسف -24). وحين نتحدث عن فاطمة وعلمها، فإننا نتحدث عن معدن العصمة، وأصلها الذي تتفرع منه فروع الطهارة و الإمامة ، فمصدر علمها، ينبع من مراقي الوحي والنبوة، فينحدر لها سلام الله عليها، وكيف لا، وهي «المحدَّثة»، «العليمة».

 

خطبة الزهراء عليها السلام

آية علمها الباهرة

«روى عبد الله بنُ الحسن عليه السلام باسنادِه عن آبائه عليهم السلام أنَّه لَمّا أجْمَعَ أبوبكر عَلى مَنْعِ فاطمةَ عليها السلام فَدَكَ، وبَلَغَها ذلك، لاثَتْ خِمارَها على رأسِها، واشْتَمَلَتْ بِجِلْبابِها، وأَقْبَلَتْ في لُمَةٍ مِنْ حَفَدتِها ونساءِ قَوْمِها، تَطأ ذُيُولَها، ما تَخْرِمُ مِشْيَتُها مِشْيَةَ رَسولِ الله صلى الله عليه وآله، حَتّى دَخَلَتْ عَلى أَبي بَكْر وَهُو في حَشْدٍ مِنَ المهاجِرين والأَنصارِ وَ غَيْرِهِمْ فَنيطَتْ دونَها مُلاءَةٌ، فَجَلَسَتْ، ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً أَجْهَشَ القومُ لها بِالْبُكاءِ. فَارْتَجَّ الْمَجلِسُ. ثُمَّ أمْهَلَتْ هَنِيَّةً حَتَّى إذا سَكَنَ نَشيجُ القومِ، وهَدَأَتْ فَوْرَتُهُمْ، افْتَتَحَتِ الْكَلامَ بِحَمدِ اللهِ وَالثناءِ عليه والصلاةِ على رسولِ الله، فعادَ القومُ في بُكائِهِمْ، فَلَما أمْسَكُوا عادَتْ فِي كلامِها) .

لقد كانت الخطبة الفدكية للصديقة الزهراء عليها السلام، آية عجيبة من آيات علمها وقدرتها البلاغية عليها السلام، فهي في الشكل تُثبت مقدرتها الخطابية، وتأثيرها في الجماهير، والقبض والبسط في الخطاب وتنسيقه، مع زيادة اقناع، وإمتاع للسامع، برغم الحزن، والشجى، واللوعة التي تعتلج الخطاب، فقد تعددت الأغراض البلاغية في فصول الخطبة، وتنوعت تنوعاً، يندر أن يجتمع في خطاب واحد، ومع كل ذلك يصب مصباً واحداً في تعرية الانحراف والحركة الانقلابية خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله.

ومن جهة المضمون، فقد كانت سلام الله عليها، تنطق وحياً، منجماً، متناغمة معانيه، متراتبة مطالبه، وتسطر منظومة متكاملة متسلسلة ومتسقة من المطالب العلمية الدقيقة، والمباحث العميقة في العقيدة والتوحيد، و الاحتجاج، والفقه، ومقاصد التشريع، و حكمته ، وكذلك تظهر معرفتها بمراكز القوة والتأثير في الأمة، وجماعات المسلمين وتشكيلها السياسي وأدوارها في مرحلة بناء الدولة الإسلامية، وقد وثقت الإنتهاكات التي حدثت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، و أخبرت سلام الله عليها القوم بعلمها بما خامر الأمة من غدر، وهي تدرك حجم التأثير الذي ستحدثه خطبتها فيهم، والمدى التاريخي الذي سيأخذه: (ألا وَقَدْ قُلْتُ ما قُلْتُ عَلى مَعْرِفَةٍ مِنّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خامَرَتْكُمْ، وَالغَدْرَةِ التِي اسْتَشْعَرَتْها قُلُوبُكُمْ، وَلكِنَّها فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَنَفْثَةُ الْغَيْظِ، وَخَوَرُ الْقَنا، وَبَثَّةُ الصُّدُورِ، وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ).

إن خطبة الزهراء عليها السلام، تُعد بحق، وثيقة علمية، وتاريخية، وأدبية مهمة، لكل باحث عن الحقيقة وطالب للمعرفة ومريد للحكمة.

ومن أولويات الاقتداء بالقدوة الجامعة، العبور لرحلة الكشف لنتعلم أولاً: (عنها)، من هي؟ وما هي فاطمة عليها السلام؟ وكيف هي؟ ومن ثم نتأهل لرحلة الاقتداء والتعلم (منها)، وبين هذه وتلك مسافات بعمر التوفيق.

* عالم دين من البحرين

--------------------

1- فاطمة الزهراء أم أبيها – السيد فاضل الميلاني – 45.

2- المستشرقون والتحامل على الإسلام .. لامنس أنموذجاً – د. حميد حسون بجية.

3- الحج هوية الفرد وصياغة الأمة – المرجع الديني  السيد محمد تقي المدرسي – 35

4- شجرة طوبى – الشيخ محمد مهدي الحائري  - ج /2 – ص 232.

5- الكافي – الشيخ الكليني – ج /2 – ص 242.

6- اللمعة البيضاء – التبريزي الانصاري – ص 114

7- الخصائص الفاطمية – الشيخ محمد باقر الكجوري – ج /1 – ص 247.

8- تفسير الميزان – العلامة الطباطبائي – ج 5 / ص78.

9- أعيان الشيعة – السيد محسن الأمين – ج1 / ص315.


ارسل لصديق