علمني السجن .......
بداية الرحلة
كتبه: الشيخ ياسر الصالح
حرر في: 2013/04/08
القراءات: 1172

الزمان: الواحدة بعد منتصف الليل.

المكان: زنزانة صغيرة مظلمة لا تتسع لأكثر من شخص واحد في سجن مجهول.

الحدث: الليلة الأولى في رحلة السجن.

هكذا بدأت حياة السجن، و أُغلق الباب عليَّ، و قُيدت يدي، و عُصبت عيني، و أصبحت أسيراً خلف القضبان، أوقات النوم و الجلوس تغيرت في حياتي، ثيابي تغيرت، و طعامي تغير، و كل شيء تغير.. و بدأت تجربة جديدة تتسم بالغرابة و القسوة، تجربة فريدة رغم مرارتها، عميقة الآثار رغم صعوبتها، تجربة غيرت حياتي بكل معنى الكلمة، فكانت من أنجح التجارب التي عشتها في حياتي.

و قد تسألني كيف يمكن للسجن أن يكون تجربة ناجحة و فريدة وهو مكان مغلق و يعيش فيه الإنسان لحظات صعبة بعيداً عن الأهل، و بعيداً عن كل مقومات الحياة الطبيعية، مسلوب الحرية و الحياة ؟!

في الاجابة أقول: السجن مرآة صافية تعكس صورنا بشكل واضح، ليس فيها خداع و لا نفاق، فالسجن يُزيل عنا مظاهر الحياة الكمالية، فلا جاه، و لا منصب، و لا ثياب، و لا منزل، و هكذا نقف أمام المرآة متجردين من كل الزيف الذي كنا نعيشه في الخارج، لنرى صورنا الحقيقية بما فيها من عيوب و حسنات، و عند ذاك – ولأنك وحيد في السجن ولديك الوقت الكثير للتفكير - تبدأ في معاينة نفسك في المرآة، و التدقيق في الصورة و استكشاف أصغر العيوب، والتي لم تكن تظهر لك في السابق، إما لأنك كنت غافلاً عنها، أو متغافلاً .

وهكذا تبدأ التجربة الجديدة والفريدة في الزنزانة، ليكتشف الإنسان الأخطاء التي كان يعيشها، ويرى الحسنات في حياته، ثم يعيد تقييم هذه الحياة، ويسعى في إصلاحها بعد أن اكتشف السلم الحقيقي للأولويات في حياته، فمن كان يظن أنه بحاجة إلى أفخر أنواع الأثاث، و آخر موديلات الثياب، و أحدث الأجهزة لكي يستطيع العيش.. يكتشف في السجن انه يستطيع أن يعيش مجرداً عن كل ذلك، فحينما تعيش في زنزانة بالكاد تتسع لشخص واحد، و ليس فيها أي شيء، ولا ترى فيها نور الشمس، و تجهل الليل من النهار، عند ذاك تكتشف أن هنالك قشوراً في الحياة التي كنت تعيشها، و أنها كانت مليئة بالكماليات و الزيف، و تكتشف أن هنالك جوهراً و لباً لابد أن تبحث عنه و تتمسك به.

حقاً، إنها تجربة فريدة تستحق الدراسة والتأمل، فالسجن مدرسة كبيرة لمن أراد أن يتعلم، فخلال المدة التي قضيتها في السجن تعلمت الكثير من الدروس، و استفدت كذلك من إخواني و أحبائي و رفاقي في السجن، فلقد كان لهم فضل كبير عليّ، و رغبة مني في حفظ هذه الدروس وهذه التجارب، وانطلاقاً من قول أمير المؤمنين عليه السلام: «حفظ التجارب رأس العقل»، و «في كل نظرة عبرة، وفي كل تجربة موعظة».

 بدأت في كتابة هذه الدروس و أنا في السجن لكي لا أنساها بعد الخروج، فكانت مجموعة من الحلقات التي اتمنى ان تتكامل لتصبح كتاباً يسجل هذه التجربة الفريدة ولكي أشارككم هذه الدروس و هذه المواعظ سوف تكون هذه الحلقات تحت عنوان: «علمني السجن».

السجن، ولادة جديدة، و مدرسة عظيمة و تجربة فريدة.. أسأل الله عزوجل أن يديم نعمه علينا ويوفقني وإياكم للإتعاظ بهذه الدروس، و الإستفادة من هذه التجارب، انه ولي نعمائي ومجيب دعواتي

2/4/2012

سجن (جو)

------------

* عالم دين من البحرين


ارسل لصديق