العلماء والحكماء في العراق هم من يسدّوا ثغرة الفتن الطائفية
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2013/05/05
القراءات: 980

كانت العرب بجميع قبائلها، تعيش الصراعات الدامية فيما بينها، فكانوا ليلاً ونهاراً، يلبسون في ظاهر ثيابهم، السيف دفاعاً، وفي داخلهم الخوف ذعراً، وكادوا أن يندثروا بسبب تلكم الحروب الضروس، لولا رسالة النبي صلى الله عليه وآله، التي أشرقت على الجزيرة العربية وانتشلتهم من وهدة الصراعات. وخلال فترة قياسية جداً وحّد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، جميع القبائل، وهذه الوحدة ليست فقط وحدة سياسية ظاهرية، إنما ألف بين قلوبهم بإذن الله وجعلهم أخوة، و أكثر من ذلك اصبحوا كالبنيان المرصوص يواجهون التحديات الداخلية والخارجية، ثم تحولت الى تلك الامة التي لا تغيب عنها الشمس. ولكن نرى اليوم أن هذه الأمة تعود تدريجياً، الى جاهليتها ، فيضرب بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً، وتفرقوا فيما بينهم زمراً، وباتت هذه الدولة تفكر ليل نهار لاضعاف الدولة الاخرى، بل وحتى في داخل الشعب والدولة والمجتمع الواحد، تجد الصراعات الطائفية والاجتماعية والسياسية وغيرها. هذه الصراعات التي هي أبداً ودائما تضعف هذه الامة وتجعلها سخرية العالم، و»نزهة الطامع» كما في جاء خطبة الزهراء عليها السلام. «فما عدا مما بدا»؟ و كيف.. ولماذا اصبح  كل من عنده رغبة في الاحتلال والاستغلال والاستعمار في العالم  يفكر في الدول العربية والاسلامية؟

قبل الإجابة، لنعود الى تجاربنا الحالية، حيث نشهد الاحداث في الصومال وافغناستان، وما يحدث في السودان.. وايضاً في سوريا.. وايضاً ما يحدث الآن في العراق.. فما هو العامل الذي جعل تلك الامة المشتتة و المتناحرة، فيما مضى من الزمن، الى أمة واحدة يُسميها ربنا «خير أمة أخرجت للناس»؟ ثم لماذا عادوا لما كانوا عليه من تشتت وتمزق؟ وكيف يمكن أن يعودوا تلك الأمة المتحدة القوية؟

بينا أنا اتحدث معكم، وعيني على الوضع الداخلي في العراق، وعلى الاجندة الخارجية التي تريد ان تمزق هذا البلد وتحوله الى صومال آخر، والى سوريا أخرى، والى بلد و منطقة تنتهي وتحذف من الخارطة، فالهدف الخبيث أكبر من أن يتحول بلدنا دويلة هنا و اخرى هناك، بل هو مخطط رهيب نهايته تدمير العراق. فالذي جعل المسلمين أمة واحدة هذه التعاليم القرآنية، يوم كان المسلمون يتخذون من النبي صلى الله عليه وآله، والقرآن قدوة لهم، ويطبقونه بحذافيره.

في الوقت الحاضر، تحاول بعض الأبواق المأجورة من قنوات فضائية، تنفخ في نار الطائفية، وتحاول إذكاء الصراعات والاحتراب والفتن، وذلك منذ سقوط الطاغية – الصنم وما تزال.. وهنا اُذكّـر أن في أيام الانتفاضة الشعبانية عام 1991، اصبحت (14) محافظة بيد الشعب المتنفض على الطغيان، ثم قام الجيش الصدامي بسحق الانتفاضة، و تعرضت كربلاء المقدسة الى وابل من الصواريخ والقذائف، وقتل المئات من الناس الابرياء في سائر المحافظات.. كما قتل الاطفال والنساء في حلبجة بالاسلحة الكيمياوية. لكن رغم ذلك كله، لم يقل أحد أن مصدر هذه النيران والجرائم هم السنّة، بل قلنا أن المسؤول هو الطاغية صدام و حزبه العلماني. بينما اليوم، وعندما يقتل عناصر من المسلحين ممن يسمون بـ «النقشبندية» في الحويجة، يتم تجيير المسألة طائفياً، وتصويرها على أنها «شيعة وسنة»..!

من هنا علينا أن نحذر كهنة السلاطين الذين يأخذون الاموال الهائلة لإصدار الفتاوى الباطلة، هؤلاء اليوم هم إمثال  «سمرة بن جندب» و «شريح القاضي» وأشباههم في التاريخ الذين مزقوا الامة الاسلامية، هؤلاء عادوا اليوم، فشريح القاضي الذي أفتى بوجوب سفك دم الامام الحسين عليه السلام، لم يأت من فراغ.. إنما كان جزءاً وحلقة من مؤامرة كبيرة، فهو رجل اصطنعه أولئك الفسقة - الفجرة من بني أمية والحزب الجاهلي المدعوم من قبل (الرومان) في  ذلك اليوم، فجاءوا للناس برجل بعمامة كبيرة وجبّة فضفاضة و وقف امام الناس ليقول أن الإمام الحسين عليه السلام، خرج على إمام زمانه يزيد بن معاوية.. الذي هو شارب الخمر و الزاني بالمحارم وقاتل النفس المحترمة.. لنرجع الى القرآن، ففيه حكم ما بيننا.. ولا تنجروا بالاتباع والانخداع بهذه الوسلية الاعلامية أو تلك الفضائية التي تنعق بالفتنة والتحريض عل القتل وسفك الدماء وانتهاك الحرمات، «فمن استمع الى ناطق فقد عبده، فان كان الناطق عن الله فقد عبد الله وان كان الناطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان».

 

* وعن الوضع في

العراق هنالك عدة نقاط:

أولاً: إن مسؤولية الاجهزة الرسمية وقيادات الجيش والمسؤولين في التربية والتعليم، والثقافة و الاعلام، هو توحيد الناس، وتعزيز الانتماء للبلد، نحن نريد للجيش أن يكون بوتقة  للشعب،  بمعنى ان الانسان ينتمي الى الجيش فيتحول من انسان كان ينتمي الى قبيلة او عشيرة او مدينة، الى منتمي الى الوطن بكامله، وهكذا وزارة التربية و وزارة الثقافة، و وزارة التعليم العالي، وهيئة الاعلام، و الاجهزة الاخرى ، كلٌ عليه دور ومسؤولية في تربية شباب و أناس يهتمون بهذا الوطن ووحدته ومصلحة الشعب العامة والمشتركة، فالوزارات والمؤسسات يجب أن تخطط وتبرمج لإيجاد نفس عراقي موحّد وجامع، ينتمي الى هذا الشعب و مصالحه. وربما يقول أحدهم: أنت تدعو الى الاسلام، والآن تدعو الوطنية.. أقول: لا تناقض بين الاسلام وبين الوطنية التي نتحدث عنها، نحن في العراق وطنيون، و في الأمة و العالم الاسلامي أمميون ننتمي الى الأمة الاسلامية الواحدة، نحن لا نريد لإمتنا، و لشعبنا أن يتمزق عبر تصنيفات ومسميات.. فهذا كردي، وذاك عربي، أوغير ذلك..

ثانياً: للعلماء دور كبير في بناء العراق وشعبه والسعي لتقدمه وخلاصه من الازمات وعوامل التمزق والطغيان والظلم، و من أبرز الاسماء اللامعة في هذ الميدان؛ آية الله المفكر السيد حسن الشيرازي والمرجع السيد محمد باقر الصدر، والمرجع السيد محمد محمد صادق الصدر، وغيرهم من المراجع والعلماء الكبار - رضوان الله عليهم جميعاً- والفضلاء من الخطباء، كلهم ضحوا بأنفسهم من اجل مستقبل هذا البلد وشعبه، فأنظروا أين وصلتم حين يتم استثناء العلماء وتهميش دورهم في العمل سواء على صعيد  السياسة وغيرها، وتقولون عنهم و تصورون دورهم وكأنهم مجرد (جمعية خيرية)، أو ما أشبه من  منظمات المجتمع المدني لاغير..! وفي الحقيقة إن من ابتعد عن دور العلماء، ومن عمل أو يعمل بخطة، لابعاد العلماء و الحوزات العلمية عن السياسة وعن المجتمع العراقي، يرتكب جريمة بحق هذا الشعب.. فالعلماء من كل المذاهب يجب ان يجتمعوا وهذه مسؤوليتهم، كما مسؤولية السياسيين والشعب، ان يفزعوا الى العلماء ليوحدوهم، وهكذا كان دورهم في العراق دائماً.

ثالثاً: هناك أجندة خارجية، ويجب ان تعرفوا الصديق من العدو. ولو ان الشعب السوري كانوا منتبهين جيداً، و منذ اليوم الأول لما كان يجري في بلدهم، لما جرى اليوم ما جرى، بفعل تدفق أموال الفتنة وفعل الجماعات الارهابية  التي باتت العوبة لخدمة مصالح الصهاينة واعداء الأمة. وهنا أشير بعجالة الى كيفية تحول تخطيط وفكرة «عبد الله عزام» الذي كان قائداً ميدانياً في مدينة بيشاور في باكستان، من السعي لجمع العناصرفي تنظيم وتحويلهم الى طاقة وقوة لتحرير فلسطين - كما كان يقول- فاذا بهذا التنظيم يتحول بمكر الشيطان وكيده، و بقيادة بن لادن من منظمة لتحرير فلسطين الى منظمة مدافعة اليوم عن اسرائيل وتخدم مصالحها، وحتى جرحاهم في سوريا يذهبون للعلاج عند الصهيانة.

أعود للقول: نحن يجب ان نعود الى الدين و تعاليمه، والى رشدنا، والعلماء و الحكماء يجب ان يقوموا بدورهم الريادي قبل ان نسقط في الهاوية، فمن حُلقت لحية جارٍ له فليسكب الماء على لحيته، فلا أحد يمكنه أن  يخمد  النيران غداً اذا اندلعت،  واني ادعو الاخوان كلهم في العراق، وجميع الحكماء والعلماء والسياسين من كل الطوائف والكتل، أن ينتبهوا ويفكروا جيدا، وأن يأخذوا على أيدي الغوغاء ومثيري الفتن لكي نحافظ على بلدنا وشعبنا.


ارسل لصديق