الشيعة في أفغانستان.. إيمان عميق وتحدّ كبير
كتبه: السيد علي الموسوي
حرر في: 2013/05/07
القراءات: 2522

افغانستان.. هذا البلد المسلم العريق، الوادع بين الوديان والمرتفعات الجبلية، يحمل عنواناً رسمياً باسم: «جمهورية افغانستان الاسلامية»، وعاصمته «كابل» ومن الناحية الجغرافية – السياسية، يحظى هذا  البلد بموقع استراتيجي من الناحية السياسية والاقتصادية وحتى الحضارية، فهو يقع بين منطقة آسيا الوسطى، وجنوب غرب آسيا والشرق الأوسط. تجاوره جمهوريات، أوزبكستان وتركمنستان وطاجيكستان، من الغرب، وايران من الشرق، وباكستان من الجنوب، والصين من الشمال الشرقي.

يتميّز هذا البلد بتعدد القوميات، أبرزها؛ البشتون والطاجيك والأوزبك، والبلوش، والهزاره، والتركمن، والقزلباش.. وبما ان الغالبية العظمى من الشعب الافغاني يدين بدين الإسلام، بنسبة (99%)، فان الشيعة يشكلون نسبة تصل الى (30%) من عدد سكان البلاد، حسب آخر الاحصائيات.

 

الشيعة في أنحاء البلاد

بالرغم من نسبة الثلث التي يشكلها شيعة أهل البيت عليهم السلام، من مجموع سكان افغانستان، إلا انهم لم يتمركزوا من ناحية الجغرافيا السكانية، في منطقة واحدة، بل موجودون في معظم محافظات البلاد، فحسب الاحصائيات، يتواجد الشيعة في (18) محافظة، ابرزها في العاصمة كابل، حيث يشكل الشيعة المنحدرون من أصول «الهزاره» و «القزلباش»، حوالي نصف سكان العاصمة، علماً أنهم بهذا العدد يفتقرون حتى الآن الى الخدمات الصحية والتعليمية، والامكانات الاقتصادية. كما يتواجد الشيعة بشكل ملحوظ في محافظات «بدخشان»، و»قندوز»، و»سمنغان»، ذات الوديان العميقة، والتي شهدت ملاحم بطولية سطرها أتباع أهل البيت عليهم السلام، خلال العقود الثلاثة الماضية ضد النظام الماركسي العميل وقوات الاحتلال السوفيتي في عقد الثمانينات من القرن الماضي.. وفي محافظة «بلخ» المتاخمة للحدود الشمالية مع جمهورية أوزبكستان، يشكل الشيعة نصف سكان المحافظة، كما يقطن المحافظة اتباع المذهب الاسماعيلي، ومنذ زمن بعيد. وفي محافظة «هلمند»،وتحديداً في مركزها «لشكركاه»، تمكن السكان الشيعة من إرسال نائب الى مجلس الشورى الافغاني في الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2005. أما المحافظة التي تقطنها الغالبية الشيعية، فهي «باميان»، وتقع في قلب البلاد..

جدير ذكره، أن المناطق المسكونة شيعياً، في وسط البلاد تترابط مع بعضها البعض، من الناحية الجغرافية، لذا يطلق على شيعة أهل البيت عليهم السلام، بـ «هزارستان»، أو «هزاره جات».

وبالرغم من التواجد المكثّف والفاعل في الوسط الاجتماعي والثقافي، فقد عاش الشيعة في هذا البلد، كل اشكال الحرمان والاضطهاد والتعسف.. ويمكن القول: ان الشيعة، بدأوا تاريخاً جديداً مع سقوط نظام «طالبان»، بعد أن كانوا يفتقدون للاستقرار والامن، فجاء الدستور الجديد لافغانستان ليلغي كافة أنواع التمييز الطائفي، ومع الإقرار بأن الاسلام دين الدولة، أقر ايضاً بقوانينه العمل بالفقه الشيعي. هذا من الجانب القانوني والسياسي، أما في الجانب الثقافي والفكري، فان الشيعة يواجهون تحدياً كبيراً وخطيراً.

 

الانفتاح ومخاطر الغزو الثقافي

الإطاحة بنظام «طالبان» عام 2001، وانفتاح افغانستان بشكل مفاجئ وسريع على العالم، وفّر فرصاً كبيرة ومساحات واسعة للعمل الثقافي والفكري، وبوجود تقنية الاتصال السريعة، باتت التغييرات والتطورات على الساحة الثقافية، اسرع بكثير من التطورات الامنية والعسكرية، فقد بات من السهل ملاحظة ظواهر اجتماعية جديدة وغريبة على المجتمع الافغاني، من قبيل محال بيع الأقراص المدمجة، للأفلام والأغاني، وشيوع نمط جديد من الحجاب لدى الفتيات والنساء، غير الذي اعتادوه طوال عقود من الزمن، المتمثل بالنقاب.

على الصعيد الثقافي، هنالك مؤسسات غربية عديدة، قطعت مسافات بعيدة، وجاءت من وراء البحار لتقوم بنشر الافكار الليبرالية والعلمانية في اوساط المجتمع، متبعين اسلوباً ذكياً وهادئاً.. فهم يظهرون الحب والودّ لابناء الشعب الافغاني، بل يشاركون في فعاليات تربوية وثقافية ينتظرها الشعب الافغاني بفارغ الصبر، مثل حملة مكافحة الأمية.. هذا النشاط نلاحظ أن المنظمات الغربية تكون السبّاقة اليه، فقد شيّدت المدارس الخاصة للفقراء في محافظة «تخار» لتعليمهم القراءة والكتابة.

وفي خطوة أخرى نحو المشاعر الدينية، وصلوا الى المساجد في محافظة «قندوز»، وقدموا هناك الإفطار في ايام شهر رضمان المبارك، ولاحظوا بعض الخراب والهدم في مساجد وحسينيات في المنطقة، فبادروا الى التبرع لترميمها وإصلاحها، وفي محافظة «فارياب» الخصبة والغنية بزراعة «الزعفران»، شجعوا على زراعة هذا النبات المعروف بنكهته الزكية وفوائده الصحية الكبيرة، وعلموا المزارعين كيفية زراعة الزعفران بطريقة البيوت الزجاجية.

وبما أن الاسلام، هو العقيدة المتأصلة والمتجذرة في نفوس الشعب الافغاني، فان اصحاب المشاريع الثقافية القادمة من الغرب، يتخذون اجراءات احترازية لعدم المساس بالمشاعر الدينية للناس، لذا فهم يظهرون الاحترام للدين الاسلامي، ولا يدعون الناس للتخلّي عن الإسلام، ولا حتى يقولون: «ان الاسلام منتهي الصلاحية»، او غير ذلك من التخرصات التي ربما تصدر من بعض العلمانيين، إنما يظهرون الاحترام للدين الاسلامي، والحرص للمشاركة في الفعاليات الانسانية والثقافية والاجتماعية، وهذا بالحقيقة يُعد من أخطر وسائل العمل الثقافي الغربي في افغانستان.  

 

الشيعة والثبات على الخطّ

لقد عانى شيعة أهل البيت عليهم السلام، في افعانستان، وعلى مدى قرون من الزمن، من الحرمان والظلم والإبادة والاستعباد والتنكيل والتشريد والتكفير، وكل ما يمتّ بصلة الى عدم الاستقرار والإلغاء من الخارطة السياسية والاجتماعية وحتى الانسانية..‍! ويمكننا القول:

ان شيعة افغانستان كانوا مجبرين على ممارسة عملية «التهريب» في أنفسهم وفي عقيدتهم، لما يواجهونه من المخاطر الماحقة من لدن الأنظمة الدموية والظالمة.. لكن مع كل ذلك، بقي الشيعة صامدين، متمسكين بعقيدتهم الحقّة، و ولائهم لأهل بيت رسول  الله صلى الله عليه وآله.

ومن أبرز و أروع مظاهر هذا الحبّ والولاء، ما هو ماثلٌ للعيان لمن يزور مدينة «مزار شريف»، شمال البلاد، حيث يظهر من بعيد بناء مهيب وضخم، تبدو عليه معالم التكريم، وهو مرقد لأحد ابرز علماء الدين الأفاضل في افغانستان، توفي منذ فترة بعيدة، يحمل اسم «علي بن أبي طالب».

هذا الاسم المدوي في الاسماع والنفوس، حمل شيعة افغانستان على أن يشبهوه بمرقد أمير المؤمنين عليه السلام، علماً إن كرامات عديدة ظهرت لهذا العالم الفاضل، مما زاد من تعلّق الناس بهذا المرقد، مع علمهم بأن مرقد أمير المؤمنين عليه السلام، كائن في النجف الأشرف، إلا ان عدم مقدرة الكثير منهم من الوصول الى أرض المقدسات في العراق، يجعلهم يبثون همومهم، ويشكون لواعجهم، عند هذا الضريح المقدس.

وما يميز السكان الشيعة في افغانستان، طيب السريرة، وصدق اللسان، والاخلاص في العمل، ولم يعتادوا الكذب والدجل والمكر في جميع تعاملاتهم ومواقفهم السياسية والثقافية والاجتماعية، وما يظهرونه على قسمات وجوههم، وفي مواقفهم وسلوكهم، هو نفس ما يضمرونه في داخل قلوبهم.. وحتى لا نجانب الحقيقة؛ فان الضائقة المعيشية والتهميش والحرمان لم يدفع شيعة افغانستان لحظة واحدة لممارسة النفاق والوصولية والتزلّف، لإيمانهم العميق بأن هكذا خصال ذميمة تتعارض بالمرة، مع مبادئ وقيم الاسلام الحنيف، الذي يذمّ النفاق وينبذ الازدواجية. لذا نرى احترام المقدسات والعقيدة الحقّة للشيعة، موجود لدى عموم ابناء الشعب الافغاني، حتى عند الشريحة غير الواعية والمثقفة، ومن الشباب الطائش وغيرهم.. فهم مع سلوكهم وحياتهم البعيدة عن الالتزام الكامل بالدين، يتفاعلون مع أجواء شهر رمضان المبارك، ومراسيم عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام.

وفي أجواء الحزن والعزاء، يتناسون الفروقات الطائفية والعرقية ويشاركون سويةً في إحياء ذكرى مصاب الإمام الحسين عليه السلام، ويذرفون الدموع في مجالس العزاء ويشاركون في الشعائر الحسينية التي تقام في مناطق عديدة من البلاد.

 

عاشوراء أفغانستان

إن الحب والود لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، ليس فقط مكنوناً في قلوب الشيعة، إنما في قلب ومشاعر كل انسان حُر ومنصف وعادل، لذا نرى بوضوح دخول القوميات المتعددة في افغانستان ساحة الشعائر الحسينية في أيام محرم وصفر، وتعبر كل جماعة عن حزنها وتضامنها مع القضية الحسينية، حسب لغتها وثقافتها وتقاليدها الخاصة.

أما إحياء الشعائر الحسينية في افغانستان، فان له جذوراً تاريخية قديمة، والشيعة هنا، لا يألون جهداً في إحياء هذه القضية العظيمة، أسوة بأخوانهم في سائر البلاد الاسلامية، وفي كل أنحاء العالم.

وفي السنوات الاخيرة شهدت هذه الشعائر تطوراً ملحوظاً، ففي السنوات الماضية كانت تقام في الحسينيات وداخل الابواب المغلقة، ويقوم المعزون بإقامة المنبر الحسيني، ويجلسون ليســـتمعوا الى الخطيب، وما يقدمه من موضوعات حول  القضية الحسينية وسيرة الإمام الحسين عليه السلام، وواقعة الطف، ثم يقومون بمراسيم اللطم على الصدور تأسيّاً بالمصاب الأليم على ما جرى على أهل البيت عليهم السلام، على يد الأمويين.. أما الآن فقد خرجت هذه الشعائر من الجدران الأربعة الى رحاب الفضاءات الواسعة، في الشوارع والساحات العامة. وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على تحول كبير في الخطاب الشيعي، فقد تحوّل من البكاء والنحيب بشكل خافت مكتوم، وفي داخل الحسينيات والاماكن الخاصة، في ظل القمع والاضطهاد والظلم، الى الصيحات المدوية المطالبة بالحقوق المشروعة والعدالة والحرية، وهي نفس الدروس التي قدمها لنا الإمام الحسين عليه السلام، من خلال ملحمته البطولية العظيمة أمام الباطل والظلم والانحراف.


ارسل لصديق