سورة الكوثر
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2013/05/07
القراءات: 2924

(بسم الله الرحمن الرحيم)

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (3)

 

هذه الأسئلة طرحناها، فوجدنا إجابتها في موسوعة تفسير (من هدى القرآن) لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله الشريف) وتعميماً للفائدة ننشر، في كل عدد، مجموعة من الأسئلة مع أجوبتها المستوحاة من الموسوعة المذكورة مباشرة

 

• أين نزلت سورة الكوثر؟ و متى؟ و كم هو عدد آياتها؟ و ما هو ترتيبها النزولي و ترتيبها في القرآن الكريم؟

سورة الكوثر مكية، نزلت بعد سورة العاديات. عدد آياتها (3). ترتيبها النزولي (14)، و ترتيبها في القرآن الكريم (108).

 

فضل السورة

• ما فضل هذه السورة المباركة؟

ورد في كتاب ثواب الأعمال بإسناده عن الإمام الصادق، عليه السلام، أنه قال:

 من قرأ «إنا أعطيناك الكوثر» في فرائضه و نوافله، سقاه الله من الكوثر يوم القيامة، و كان محدثه عند رسول الله - صلى الله عليه وآله - في أصل طوبى». (1)

 

الإطار العام للسورة

• ما هو الإطار العام لهذه السورة المباركة؟

يُجمل القرآن، في ثلاث آيات (2) قصار، معــــــارف ربانية يبينها في مفـــــصلات السور؛ فاذا بها – معاً - معجزة في الحكمة و الخطاب.

فهذا القرآن، و تلك الذُرية الصالحة الذين يحملونه؛ الخِيَرة بعد الخِيَرة(3)، و تلك الأمة التي يُباركها الله بالقرآن و العترة، إن كل ذلك كوثر، أعطاه الله لمصطفاه الكريم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله، ومن يملك هذا الامتداد الميمون، كيف يكون أبتر..؟! انما الأبتر الذي يُشنأ محمداً، صلى الله عليه و آله، و ينقطع حسبه و نسبه، و تباد جاهليته، كما ظلام الليل يتبدد مع بزوغ الفجر.

و شكراً لنعمة الكوثر و استزادةً منه، يُصلي الرسول، صلى الله عليه و آله، لربه و ينحر، و نُصلي و ننحر.

 

الخير العظيم

• ما المراد بالكوثر في قوله تعالى: «إنا أعطيناك الكوثر»؟

لقد حبا الله رسوله، صلى الله عليه و آله، بالكوثر، ذلك الخير العظيم الذي جعله رحمةً مهداة الى العالمين، و وسيلة بركات الله على المؤمنين.

قالوا: ان الكوثر مشتق من الكثير، على صيغة (فوعل)، كما لفظة (النوفل) المشتقة من النفل، و هكذا عبرت العرب عن كل شيء كثير من الكمية؛ عظيم في النوعية بـ «الكوثر».

 

أعظم التأويلات

• و بماذا أَوَّلو كلمة (الكوثر)؟

قالوا في تأويل كلمة الكوثر أقوالاً شتى يجمعها القول: إن الله قد حبا نبيه، صلى الله عليه و آله، خيراً كثيراً يتسع لكل حقول الخير، ولكل أبعاد حياته؛ من الرسالة المباركة، الى الذرية الطاهرة، (التي ظهرت في نسله من وُلد فاطمة الزهراء، عليها السلام)، الى الامة الشاهدة، الى الذكر الحسن، الى الشفاعة عند الله، والى الحوض الذي يستقبل ضيوف الرحمن قبل دخولهم الجنة.

بيد ان أعظم تأويلات الكوثر، هو الكتاب و العترة، لأنهما الثقلان اللذان خلفهما الرسول من بعده لأمته، و أَمَرَهُم بالتمسك بهما، و قال عنهما: "... إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض". (4)، و هكذا يكون حوض الكوثر في الجنة - او على مداخلها - تجسيداً للكوثر في الدنيا المتمثل بالكتاب و العترة.

و يتناسب هذا التفسير مع سياق السورة، حيث تنعت شانىء الرسول، صلى الله عليه و آله، بأنه الأبتر، و مفهومه ان الرسول، صلى الله عليه وآله، تمتد عترته و ذريته من بعده، بعكس العاص بن وائل السهمي الذي قيل ان السورة نزلت بعد ان قال عن الرسول، صلى الله عليه و آله، أنه أبتر.

 

لهذا السبب، نزلت

• هلّا تذكرون سبب نزول هذه السورة المباركة؟

جاء في سبب نزول هذه السورة المباركة: ان رسول الله، صلى الله عليه وآله، دخل من باب الصفا، و خرج من باب المروة، فاستقبله العاص بن وائل السهمي، فرجع العاص الى قريش، فقالت له قريش: من استقبلك يا أبا عمرو آنفا؟

 قال: ذلك الأبتر، يريد به النبي، صلى الله عليه وآله، حتى أنزل الله هذه السورة. (5)

 

أهل البيت في السورة

• ما هي علاقة هذه السورة المباركة بأهل البيت، عليهم السلام؟

 نجد في النصوص التي تفسر هذه الكلمة إشارة الى أهل بيت النبي، صلى الله عليه و آله، فكيف يذاد عن حوض الكوثر من ظلموهم من بعده.

فقد أخرج ابن مردويه عن أنس قال: دخلت على رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: قد أُعطيتُ الكوثر. قلت: يا رسول الله! ما الكوثر؟ قال: نهر في الجنة عرضه و طوله ما بين المشرق و المغرب، لا يشرب منه أحد فيظمأ، ولا يتوضأ منه أحد فينشعث أبدا. لا يشرب منه من أخفر ذمتي، ولا من قتل أهل بيتي». (6)

 

نسل الرسول

• وماذا عن نسل الرسول، صلى الله عليه و آله، على مر الزمان ؛ هل تشملهم هذه الآية المباركة؟

ذكر الفخر الرازي هذا القول و أيده ببعض الشواهد. فقال: «القول الثالث: الكوثر أولاده، (من وُلد فاطمة الزهراء، عليها السلام)، لان هذه السورة إنما نزلت على من عابه، عليه السلام، بعدم وجود الأولاد؛ فالمعنى: انه يعطيه نسلاً يبقون على مر الزمان. فانظر كم قُتل من أهل البيت، عليهم السلام، ثم هم منتشرون حول العالم، بينما لم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، ثم أنظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء؛ كالباقر، و الصادق، و الكاظم، و الرضا، عليهم السلام، و النفس الزكية، و أمثالهم». (7)

 

صفة الكوثر

• هل الكوثر في القيامة حوض كبير في مدخل الجنة، أم نهر كريم في عرصاتها؟

لعل الكوثر نهر يفيض خيره الى مداخل الجنة و يصب في حوض عظيم.

جاء في حديث مسند الى ابن عباس انه قال: «لما نزل على رسول الله، صلى الله عليه و آله: «إنا أعطيناك الكوثر»، قال له علي بن أبي طالب: "ما هو الكوثر يا رسول الله؟ قال: نهر أكرمني الله به.

قال علي، عليه السلام: ان هذا النهر شريف ؛ فانعته لنا يا رسول الله؟ قال: نعم يا علي؛ الكوثر نهر يجري تحت العرش؛ ماؤه أشد بياضاً من اللبن و أحلى من العسل و ألين من الزبد، حصاه الزبرجد و الياقوت و المرجان، حشيشه الزعفران، ترابه المسك الاذفر (8)، قواعده تحت عرش الله عز وجل. ثم ضرب رسول الله، صلى الله عليه و آله، على جنب أمير المؤمنين، عليه السلام، و قال: يا علي! هذا النهر لي و لك و لمحبيك من بعدي". (9)

 

ليس لكل الأمة

• و ماذا عن باقي أفراد الأمة؛ ألا يردون حوض الكوثر يوم القيامة؟

أورد مسلم في صحيحه عن أنس انه قال: «بينا رسول الله، صلى الله عليه و آله، ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفـى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسما، فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أُنْزلت علي آنفا سورة؛ فقرأ سورة «الكوثر»، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله و رسوله أعلم. قال: فانه نهر وعدنيه ربي؛ عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يـــوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج القرن منهم، فأقول: يا رب! أمتي، فيقال: انك لا تدري ما احدثوا بعدك». (10)

 

الصلاة و الزكاة

• و ما المراد بقوله تعالى: «فصل لربك و انحر»؟

لا يبلغ العبد كمال الانتفاع بنعم ربه إلا بمعرفة الله و التقرب اليه زلفى. أرأيت الذي أسبغ الله عليه نعمة الأمن و العافية و الغنى، و لكنه يجحد ربه، كيف يفسد تلك النعم بكفرانها؟! فيستغل الأمن في إشاعة الفساد، و العافية في اتباع الشهوات، و الغنى في الطغيان! كما يفسد النعم بالحرص، و الطمع، و القلق، و القنوط، و سوء الخلق.

و أعظم نعم الله على الانسان الرسالة؛ لانها تهديه الى سبل السلام، و تعينه في تسخير الحياة، و ترشده الى العيش الافضل؛ و لكن الرسالة بدورها لا يحتملها إلا من عرف الله، و شكره عليها بالعمل و الاداء.

و الصلاة و الزكاة هما عمودا الرسالة الإلهية، لان الصلاة توصل الانسان بنور ربه، و الزكاة تطهر قلبه من الشح، و الاستئثار، و عبادة الدنيا، و هكذا أمر الله بهما بعد بيان نعمة الكوثر، فقال:

«فصل لربك و انحر».

فكلما ازداد الانسان يقينا بربه - عبر الصلاة و الزكاة - كلما ازداد هدى و فوزا و انتفاعا بنعم الله و بالذات بنعمة الكوثر، التي هي كتاب الله و عترة رسول الله، صلى الله عليه و آله.

 

نحر البُدْن

• يرى بعض المفسرين بأن المراد بالنحر في الآية المباركة هو رفع الأيدي باتجاه القبلة عند الصلاة، فما هو المعنى الحقيقي لهذه الكلمة؟

هناك نصوص تصرح بأن النحر - هنا - رفع الأيدي باتجاه القبلة عند الصلاة.

منها ما ورد عن الامام الصادق، عليه السلام، أنه «سُئل عن الآية: فقال بيده هكذا، يعني استقبل بيده حذاء و جهة القبلة في افتتاح الصلاة». (11)

و منها ما أخرجه البيهقي في سننه و غيره عن علي بن أبي طالب، عليه السلام، قال: «لما نزلت هذه السورة على النبي، صلى الله عليه وآله، "إنا أعطيناك الكوثر"، قال النبي لجبرئيل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال: إنها ليست بنحيرة، و لكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة ان ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع؛ فانها صلاتنا و صلاة الملائكة الذين هم في السماوات السبع، و ان لكل شيء زينة، و زينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة". (12)

و اني (و الكلام لايزال للمرجع المدرسي - دام ظله -) لم أصل الى معنى جامع يستوعب هذا التفسير، و التفسير السابق الذي ورد بعض النصوص تؤكده ايضا. بلى؛ قد نقول: ان رفع اليد علامة الاستعداد للتضحية بالنفس كأن الانسان يشير الى نحره، و انه يقدمه قربانا لربه، بينما نحر البُدْن في منى هو المعنى الحقيقي للكلمة.

و أنّى كان؛ فقد روي عن سعيد بن جبير انه قال: "كانت هذه الآية يوم الحديبية، عندما صالح النبي، صلى الله عليه و آله، قريشا، أتاه جبرئيل فقال: انحر و ارجع". (13)

 

هذا هو الشانئ

• من هو الشانئ؟ و من هو الأبتر؟ و لماذا جاء وصفه بهذه الصفة؟

من إعجاز القرآن أنه بشّر رسول الله، صلى الله عليه و آله، بالكوثر يوم كانت عصابات قريش تحاصره، و تعذب أنصاره، و تكاد تقضي عليه، و اليوم أصبح دين الاسلام ظاهرا في الارض، و الرسول، صلى الله عليه و آله، أعظم شخصية عبر العصور وفي كل الآفاق، بينما انقطع نسل شانئيه، و أصبحوا أحاديث و عبراً، كما قال ربنا سبحانه: (إن شانئك هو الأبتر).

و سواء كان هذا الشانىء هو "العاص بن وائل"، أو "أبو جهل"، او "عقبة بن أبي معيط"، او غيرهم، و سواء كانت مناسبة حديثهم عن الرسول، صلى لله عليه و آله، بموت القاسم ابن رسول الله في مكة، او بموت إبراهيم ابنه في المدينة؛ فإن الأمــر لا يختلف؛ إذ إن ذلك الخط الجاهلي قد انقطع و انبتر، و بقي خط النبي، صلى الله عليه و آله، يضيء عبر العصور. و الشانىء: هو العدو الحاقد، و الأبتر: من البتر بمعنى القطع، و كانت العرب تسمي الذي لا ولد له بالأبتر، و قيل: اتهم النبي، صل الله عليه و آله، بهذه الصفة لانه تركهم و انبتر عنهم و خالفهم، و لكنهم هم الذين انبتروا و أصبحوا شذاذا.

---------------------

(1) في الخبر عن رسول الله، صلى الله عليه و آله، قال: "طوبى شجرة في الجنة؛ أًصلها في داري، و فرعها في دار علي".

(2) الدر المنثور، ج 6، ص 401.

(3) الخِيَرة ( بكسر الخاء و بالياء و الراء المنصوبتين ): المختار المنتخب. و جاء، أيضاً، بتسكين الياء.

(4) المقطع الأخير من حديث نبوي شريف متفق عليه؛ و تمامُه: "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، و أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض".

(5) الدر المنثور، ج6، ص401.

(6) الدر المنثور، ج6، ص402.

(7) التفسير الكبير، ج32، ص124.

(8) الأذفر: الشديد الرائحة. و المسك الأذفر: المسك ذو الرائحة الطيبة الشديدة.

(9) تفسير نور الثقلين، ج5، ص683.

(10) تفسير نور الثقلين، ج5، ص681.

(11) تفسير نور الثقلين، ج5، ص683.

(12) الدر المنثور، ج6، ص 403.

(13) الدر المنثور، ج6، ص403.


ارسل لصديق