سورة المائدة وشمولية الفهم القرآني
كتبه: صالح عبد الأمير
حرر في: 2013/05/07
القراءات: 1255

«التبعيض».. من الحجب التي تحجب الانسان عن وعي القرآن الكريم واستيعاب حقائقه والتعالي عن مستوى بصائره، فهناك قسم من الناس اذا جاءهم ما يوافق اهواءهم وشهواتهم أخذوا به، واذا عرض عليهم ما يخالف هذه الاهواء والشهوات تركوه، وهؤلاء لا يؤمنون بالحق ولا يدورون معه أينما دار، وهؤلاء لا يمكن ان نطلق عليهم صفة الايمان، لان الانسان المؤمن لا يفرق بين حق وآخر ولأنه يؤمن بالحق فانه يبحث عنه ولأنه يبحث عنه فان الله تعالى يهديه اليه، كما يشير الى ذلك القرآن الكريم في قوله: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا» (سورة العنكبوت /69).

والهداية هي أفضل و أعظم نعمة اذا اراد الانسان ان يطبق الحــقيقة التي يهتدي اليها، فالذي يُصلي دون ان يأخذ بنظر الاعتبار هذه النعمة، لايمــــكنه ان يعرف أحكام الصلاة، وهـو إن عرف عنها شيئـا فهو شيء ظاهر ولكنه غافل عن حقيقتها، ومــن هنا يجب علــــينا ان نتلقى القـــرآن الكريم على اساس الايمان به كـله لا على أساس التبعيض.

والاسلام، ليس مجرد فرائـــض عبادية، ففيه احكــــام وتعاليم.. وهنا نعود الى القرآن الكريم؛ هذا الحبل الموصل بين السماء والارض، لنجد الجواب في (سورة المائدة)، حيث خــلاصة التعاليم التي تحتاج اليها المجتمعات البشرية، علمـا ان كلمـة (المائدة) تعني الحضارة والمدنيــة، لان التقدم والرفاه والسعادة والفلاح كل ذلك يدور حول مائدة السماء، فهي لا تعني مجرد الطعام، بل الاجتماع حول الخير والبركة، فهي ســورة الحضـارة الانسانية والحضـارة الالهية التي ترعاها السماء باحكامها وقيمها وتعاليمها.

والقرآن الكريم يحدثنا في هذه السورة حول واجبات المؤمنين، والله - عز وجل - يقول في بداية هذه الآيات المباركة: «يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ» (سورة المائدة /8)، وهـــذا يعني ان ما يأتي بعد هذا الخطاب هو من شروط الايمان، وان الانسان الذي لا يطبق هذا الشرط لا يدخل ضمن دائرة الايمان، وكلمة (القوّام) هي صيغة مبالغة لـ(القيام)، بمعنى ان الله تعالى يطلق هذه الصفة على العباد الزهّاد الذين يقضون الليل بالصلاة ويصومون النهار.

ثم يقول تعالى: «شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ ولو على أنفسكم» (سورة المائدة /8)، وهذه صفة اخرى وهي اقامة العدل في المجتمع، أي ان يكون الانسان عدواً للظالم، فيقف ضده ومدافعا عن المظلوم أينما وجده، كما يقول امير المؤمنين، عليه السلام، مخاطباً الحسنين عليهما السلام، ومن ورائهما كل المؤمنين الى يوم القيامة: «كونا للظالم خصماً وللمظلوم عونا».

 اما الصفة الثالثة فتتمثل في قوله سبحانه: «وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَّانُ قَوْمٍ عَلَى اَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى»  (سورة المائدة /8)، فاذا ما وصلنا الى مراكز حساسة، لنحاول ان نقيم العدالة، وان نشهد بالقسط ولو على انفسنا، ونــحن اذا درسنا هــذه التعاليم سندرك ان الله -عز وجل- الذي يأمرنا بالصلاة قائلا: «أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً»، (سورة الاسراء/78)، فـــانه يأمرنا ايضاً باقامة العدل في المجتمع قائلاً: «يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ» (سورة المائدة /8).

فاذا ما اخذ المجتمع المســــلم القرآن بكل تفاصيله ولا يختار آيــــة دون أخرى، بل يلتزم بجميعها ويجعلها برنامجاً في حياته، فان الكثير من المشاكل التي يعاني منها مجتمعنا الان سوف تُحلّ. وهكذا؛ فان الخطوة الاولى نحو الاصلاح تبدأ من المجتمع، لان كل فرد فيه يقوم بدور وفي كثير من الاحيان تبدأ المشاريع الخيرية على شكل اعمال محدودة ومتواضعة ولكن الله - عز وجل- سرعان ما يبارك فيها، واذا بعشرات الآلاف من البشر ينعمون بفضل هذه المشاريع، فما كان لله ينمو.

هذا في الجانب الاجتماعي اما في جانب العدالة و إقامتها، فان المجتمع الذي يطبق هذه الكلمة الالهية «شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ» (سورة المائدة /8)، لا يمكن ان ينتشر فيه الظلم، فالانسان الظالم لا يصبــح جباراً في الارض بشكل مباشر، فهو – بدايةً- يبدأ بظلم عائلته وجيرانه وشريكه واذا ما بادر المجتمع الى الاخذ على يده، فان دائرة هذا الظلم سوف لا تتسع ولا تصل الى الآخرين.


ارسل لصديق