الجملة القرآنية
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2013/05/07
القراءات: 3209

في محاولة فهمك لأية لغة، فانك بحاجة الى أمرين أساسيين؛ أولهما: معرفة معاني الالفاظ، والثاني: طريقة استخدامها في سبيل الدلالة على معنىً مقصود.

وهذا الامر يصدق أيضاً بالنسبة الى القرآن الكريم، فالمتدبر في آياته المباركات بحاجة الى معرفة معاني المفردات والالفاظ الواردة، كما انه بحاجة الى معرفة الحكمة من ورود هذه الالفاظ في مكان واحد للدلالة على المعنى المعيّن، وقد مرّ ذكر «المفردة القرآنية» في الاعداد السابقة، وبقيت «الجملة القرآنية» تحتاج الى بعض التوضيح.

لا يخفى على أحد معنى الجملة، اذ انها تعني مجموعة الفاظ تتركب لتدلل على مراد المتكلم، ومرادنا بـ «الجملة القرآنية»، هو مدخلية فهم الجملة الواردة في الآيات في فهمٍ أعمق وأدق للآية والمعنى المراد منها، وهذا الامر يستدعي التوقف في محطات ثلاث:

 

* الاولى: المظهر الخارجي

لو تأملت قليلاً، خلق الباري عزّ وجل، لرأيت كل مخلوقٍ له مظهره الخاص به الذي به يمتاز عن نظيره المخلوق، فجسمك مثلاً فيه من الاعضاء المئات، فمنها القلب والكبد والكلية والمعدة والمخ و..، ولكن لا ترى تشابهاً بينها من حيث المظهر ابداً، بالرغم من انها جميعاً مخلوقة في جسد واحد، وهذا يصدق في سائر المخلوقات ايضاً، ولا ريب ان هذا التفاوت في الشكل نابعٌ من اختلاف الوظيفة.

وهذه الحقيقة التي نلمسها في كتاب الله التكويني (الكون)، نستطيع ان نلمسها أيضاً في كتاب الله التشريعي (القرآن الكريم).

فالشكل الخارجي للآيات القرآنية، لم يأت عبثاً، إنما وضع لحكمة معينة وللدلالة على فكرة خاصة، من هنا كان علينا – حين التدبر في القرآن الكريم – ان نكتشف الحكمة من المظهر الخارجي للآيات القرآنية، وهذا ينبغي ان يكون في المجالات التالية:

أ‌- الشكل الخارجي (البنية الصرفية للكلمة، الجملة الفعلية والاسمية، الجمع والافراد و الضمائر والعطف، تبدل الخطاب والمخاطب وغيرها).

ب‌- ان جوهر عملية التدبر (التفكر المعمق)، هو القدرة على اثارة الاسئلة الجديدة الدقيقة على الآية، وفي هذا الجانب يمكن للمتدبر ان يطرح تساؤلات عن بنية الجملة والحكمة من ورودها بهذا الشكل دون شكل آخر، او عبر مقارنة الآية بآية اخرى مشابهة في المعنى ومختلفة في الشكل، مثل قوله تعالى:

«وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاق» (سورة الأنعام /151)، وقوله عز من قائل:

(وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاق‏ (سورة الأسراء /31)، فلماذا اختلف التعبير بالرغم من تقارب المعنى، هل ذلك نوع من التفنن في الكلام ام في الاختلاف اختلافٌ في المراد من الآية؟

قد يكون المعنى في الجملة واحداً، ولكن في التفصيل ونوع المخاطب به يختلف، لماذا؟

لأنك لو نظرت إلى عجز كل آية مع صدرها لوجدت أن العجز مناسب لذلك الصدر تماماً. لأنه في الآية الأولى يقول:

«وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّن إمْلاَقٍ»، فهذه العبارة «مِّن إمْلاَقٍ»، توحي بأن الفقر موجود بالفعل.

وما دام الفقر موجود بالفعل فاهتمام الإنسان يكون برزق نفسه قبل أن يهتم برزق ولده، فهو يخاف أن يبقى جائعاً لو أراد أن يطعم أولاده. وهنا يطمئنه الله تعالى على نفسه أولا ورزق أولاده ثانيا فيقول:

«نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ - يا أصحاب الإملاق- وَإيِاَّهُم».

بينما في الآية الثانية يقول الله

«وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ»، أي خوفاً من فقر يقع مستقبلاً، فكأن الفقر غير موجود، ولكن الأب يخاف إن جاءه أولاد أن يأتي الفقر معهم، فيقول له الله تعالى:

«نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم».

إذاً فالمعنى ليس واحداً في الآيتين، وإن كان يبدو في ظاهره واحداً. لأن في قضية قتل الأولاد خوفاً من الفقر يكون المخاطب في كل آية مختلفاً عن الآخر.

 

* الثانية: تخيّر الكلمة

تُعد الهدفية، من نقاط الالتقاء بين (النظام الكوني) والنظام القرآني)، التي تشمل جميع أنحاء كل واحد من النظامين. ففي النظام الكوني نجد أن كل المخلوقات التي تسبح في هذا الكون الكبير، ابتداء بالذرة وانتهاء إلى المجرة كل هذه المخلوقات (مهدوفة)، ولا نجد كائناً واحداً وهو زائد على الحياة أو طفيلي عليها.

وفي النظام القرآني نجد أن كل جملة وكل كلمة وكل حرف، جاء من أجل هدف معين، ولا نجد في القرآن الكريم حتى حرفا واحداً يمكن الاستغناء عنه. وحتى لو بدا للنظرة العابرة وجود شيء زائد سواء في النظام الكوني أو في النظام القرآني فإن البحث الدقيق يكشف عن ضرورة معينة تتطلب وجود ذلك الشيء.

من هنا كان على من يحاول التدبر في القرآن الكريم أن يحاول اكتشاف(موقع الكلمة)، أي الهدف الذي جاءت من أجله هذه الكلمة، والمغزى الذي تشير إليه؟

والخلاصة: موقع الكلمة هو وظيفتها الدلالية في الجملة، ولا نبحث في كل المفردات، بل يقتصر البحث على الكلمات التي يتصور الباحث زيادتها أو إمكانية حذفها ، إذ لو رأى ضرورتها فقد علم بموقعها. وأيضاً على الأدوات (مقابل الاسم والفعل)، وهي تتطلب بحثاً دقيقاً. ويكون البحث بفرضية وجود المفردة وفرضية عدمها والمقارنة بين الفرضيتين.

ولتوضيح هذا الامر اليك المثال التالي:

قال تعالى :

«وَإذْ قاَلَ عِيسَى ابنُ مَرْيمَ ياَ بنَيِ إسرائيل إني رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم» (سورة الصف /6).

نجد في الآية هذه، ان القرآن الكريم يضيف إلى اسم المسيح نسبه ايضاً "عيسى ابن مريم(ع)"، بينما في الآية التي سبقت هذه الآية من نفس السورة يذكر القرآن اسم موسى بشكل مجرد فيقول:

«وَإذِ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِم تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَني رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم» (سورة الصف /5) وقد تكرر ذلك في آيات القرآن كثيراً، وهكذا، فلماذا هذا الاختلاف في ذكر الانبياء عليهم السلام؟

والجواب: لقد تركز الضغط القرآني على اسم «ابن مريم» تأكيداً على الجانب البشري في المسيح عليه السلام، ونفياً مشدداً لما ادّعته النصارى من وجود جانب إلهي فيه.

وهكذا، يجمع القرآن بين الأفكار والمفاهيم الإلهية وبين النفي الضمني للخرافات والأباطيل.

 

* الثالثة : الإعراب

للاعراب دورٌ هام في بيان مداليل الجملة القرآنية، وكما قيل فان الاعراب نصف المعنى، فمن خلال تعرف المتدبّر على إعراب الجملة القرآنية يكون قد مهّد طريق معرفة هوية الآية ودلالاتها وأبعادها، نعم لا يطلب التفصيل، انما بقدر الوفاء بالدلالة.

وهذا الامر – الاعراب – ينفع ايضاً في اكتشاف الحكمة من موقع الكلمة، فمثلاً قوله تعالى:

«إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعين * اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيم‏‏».

فالحالة الطبيعية ان يتأخّر المفعول به عن الفعل، لكن في هذه الآية قُدم المفعول به (إياك) على فعل العبادة، وعلى فعل الاستعانة دون فعل الهداية، فلم يُقال: ايانا اهدِ.. كما قال في الاولين.

وسبب ذلك ان العبادة والاستعانة مختصتان بالله تعالى، فلا يعبد احد غيره ولا يستعان به، فقد حصرت الآية العبادة والاستعانة برب العالمين، ولكن يقدم مفعول الهداية كأن يقول: (إيانا اهد)، لان طلب الهداية لا يصح فيه الاختصاص ؛ اذ لا يصح ان تقول: (اللهم اهدني وحدي ولا تهد غيري).

واليك المثال التالي ليتبين ضرورة الاعراب في فهم الآية:

قال تعالى: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَة» (سورة الهمزة /1).

قد جاءت كلمة (ويل) مرفوعة، ولم تأت (ويلاً) بالنصب، وذلك لأن الرفع يدل على ان الجملة، جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الدوام والاستمرار، اما اذا كانت الآية تبدأ بالنصب فحينها كانت الجملة فعلية والجملة الفعلية تدل على الحدوث والتجدد وعدم الدوام فيكون المعنى على النصب اخباراً عن عذاب غير دائم. ولكن الآية ارادت الاخبار عن العذاب الدائم، فرفعت كلمة (ويلٌ) على خلودهم في النار.(1)

-------------

1- منهج التدبر في القرآن الكريم ، دوحة القرآن الكريم: ص 98.


ارسل لصديق