الحوزات العلمية و توحيد المواقف إزاء القضايا المصيرية
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2013/05/08
القراءات: 1059

حينما تحدثنا آيات الذكر الحكيم عن المثل العليا للبشرية، وعن النماذج الأكثر سمواً في العالم، وهم الأنبياء، عليهم السلام، و أوصياؤهم، فانها تبين لنا قصصهم اعتباراً من نشأتهم وبداية منبتهم.

فنجد ان عملية اختيار الأنبياء والناطقين باسم رسالات الله، والذين يصبحون مثلاً أعلى للبشرية، وقدوات عظيمة لبني آدم، لا تتم عبثاً، إنما وفق قيم دقيقة، ذلك لانهم يجب ان يتحدثوا عن الله، وينطقوا باسم رسالاته، ويكونوا شفعاء ووسطاء للإنسان، ويمثلوا السبل والوسائل التي تربط بين العبد وربه.

ثم يحدد القرآن الكريم مواصفات العلماء؛ فالعالم الحقيقي، هو الذي يدعو الى الله لا الى نفسه، فضلاً عن الحاكم الظالم. يقول تعالى: «ما كان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم ان تتخذوا الملائكة والنبيين اربابا أيأمركم بالكفر بعد اذ انتم مسلمون» (سورة آل عمران/ 79 – 80).

وقد يتساءل المرء؛ لماذا هذا التشدد الذي يبديه القرآن الكريم مع العلماء، ولماذا يضع أعظم المسؤوليات في رقابهم؟ ولماذا جاء في الحديث الشريف: (لتحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم).. و(يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل ان يغفر للعالم ذنب واحد)؟.. او ليس العالم بشراً مثلنا؟

السبب في ذلك الآثار السلبية الكبيرة والمأساوية التي يخلفها انحراف العلماء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (طائفتان من أمتي ان فسدتا فسدت أمتي وان صلحتا صلحت أمتي؛ الامراء والعلماء). من هنا اخذ الله ميثاق النبيين الذين يمثلون ذروة البشر وقمة الكمال البشري بان لا يكتموا حديثاً، ولا يخفوا الحقيقة، وان ينصروا الله تعالى، وهذا الميثاق هو ميثاق العلم والمعرفة مع العلماء جميعاً، فعلى العالم ان لا يتخذ نفسه محوراً، وان لا يتنكر ويحط من قدر غيره من العلماء، وان لا يبخس الآخرين علمهم ومعرفتهم وجهادهم، وعليه اذا جاءه من هو أعلم منه، أن يصدقه، وان يظهر الحق ويقاوم الباطل ويدافع عن المظلوم أينما كان. وفق هذه الثقافة الايحائية والرسالية التي يتمتع بها خريجو الحوزات العلمية وعلماء الامة، برزت لنا نماذج وقدوات صالحة قدمت المثل الاعلى في حمل هموم رسالة الأنبياء والمعصومين عليهم السلام ودافعت عن المظلومين وآزرت رجال النهضة من اجل الحق، بل تنازلت عن الكثير من اعتباراتها الدنيوية بهدف توحيد المواقف ازاء قضايا الامة المصيرية.

ان تاريخ مقاومة الشعوب الاسلامية للاستعمار الاوربي يكشف لنا سبب وجود الاسلام وحده في ميدان المواجهة المصيرية؟ ولماذا وحدهم، علماء الدين، هم يتقدمون صفوف المواجهة؟ إن علماء الدين الرساليين، ينبعثون من أعماق الشعب ومن الشريحة التي لم تتلوث بزيف الاجهزة الحاكمة وظلمها وترفها وفسادها، أما علماء السلاطين فهم عادة يلتحقون بأسيادهم الحكام كلما جدّ الجد، وقامت قيامة الطواغيت، ولا يبقى في الساحة الا العلماء الحقيقيون.

ففي ايران عندما احتلت الجيوش الروسية القيصرية الغازية اجزاء واسعة من ايران، وحّد علماء الدين موقفهم وافتوا بوجوب الجهاد، وكان على رأسهم السيد محمد المجاهد، كونه المرجع الاعلى للشيعة آنذاك، والذي تحرك من مركزه بكربلاء المقدسة، الى ايران وتحرك الناس خلفه باتجاه الحدود، ومع ان السلطة كانت ترغب في الصلح، إلا ان الشعب وفتوى العلماء، هو الذي أجبرهم على التحرك فتحركت قطعات عسكرية الى الحدود. واشتبك الجيشان وفي مقدمتهم طلائع الجهاد من المتطوعين، ومع ان الفتح كان قريبا وهزيمة الجيش الروسي القيصري كان حتمياً، إلا ان قادة الجيش وكانوا من العائلة المالكة، تخاذلوا وجبنوا، فاصدروا أوامرهم بالتراجع وتوقيع معاهدة الصلح المشينة. وفي العراق، حيث ثورة العشرين الكبرى، كانت عاملاً لتوحيد مواقف علماء الدين، فكانوا نموذجاً للتلاحم مع شعب العراق وعشائره في أكثر من منطقة. كما ان منهج الامام الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي – قائد الثورة – كان يعتمد على الشورى، ومن هنا فقد شكل في البداية مجلس شورى للعلماء، كما شكل فيما بعد وعلى اثر فتواه بجواز حمل السلاح ضد الاستعمار البريطاني، مجلساً لإدارة الحرب ضد القوات البريطانية، يتشكل من رؤساء العشائر الثائرة، ومن الوجهاء وكبار زعماء الثورة، وكان على رأسهم الحاج عبد الواحد الحاج سكر.

وفي ظل القيادة الثورية للإمام الشيرازي، كان التعاون بين العلماء الكبار يكشف عن منهج الامام الشيرازي و روحه العالية. بل ان رفضه البقاء في النجف الاشرف احتراما لمقام سلفه السيد كاظم اليزدي، يدل على خصلة اخرى من أخلاقه العالية. وفي عام 1963، عندما خطب السيد روح الله الموسوي الخميني، في صحن السيدة فاطمة المعصومة بنت الامام موسى بن جعفر، عليه السلام، في مدينة قم المقدسة وفضح حقيقة نظام محمد رضا شاه البهلوي، وعمالته لأميركا و الكيان الصهيوني، وبيعه النفط لغاصبي الأرض الفلسطينية، وشجب الممارسات والسياسات الفاسدة والخاطئة، وقد صادف ذلك يوم العاشر من محرم، مما ادى إلى حدوث اكبر انتفاضة شعبية، سقط على اثرها حوالي (15) الف شهيد في شوراع هذه المدينة، على أيدي ازلام الشاه، وتم اعتقال الامام الخميني، ثم اصدر القضاء الايراني الحكم عليه بالاعدام. هنا انبرى الامام السيد محمد الشيرازي - قدس سره- من كربلاء المقدسة، لاتخاذ الموقف اللازم، فالتقى السيد أبا القاسم الخوئي - قدس سره- والسيد الشاهرودي في النجف الأشرف، وتمت مخاطبة علماء قم المقدسة، وعلى رأسهم السيد شهاب الدين المرعشي النجفي والسيد الكلبايكاني بضرورة الوقوف مع السيد الخميني.

ان القانون الايراني يستثني حكم الاعدام بعالم الدين المجتهد، وهذا شكّل فرصة ثمينة لأن يوحد علماء كربلاء والنجف، مواقفهم من خلال إصدار بيان موحد يؤكدون فيه ان السيد الخميني، هو من تلامذة السيد حسين البروجردي في قم وقد حاز على درجة الاجتهاد، مما اضطر النظام الايراني الى التراجع عن قراره، واستبداله بقرار إبعاد الإمام الخميني الى خارج ايران، ليبدأ رحلة الهجرة الى تركيا، ثم الى العراق، ثم الى فرنسا، وكانت الاخيرة.

مواقف كهذه عظيمة وتاريخية ومصيرية، شهدتها الأمة في فترات عديدة من تاريخها، وأثمرت عن مكاسب كبيرة لها ثقلها في الرصيد الحضاري والثقافي الشيعي، مما يدعو الى الاستمرار على  النهج. فقبل أقل من عام تقريبا، تجرأت الحكومة السعودية على اعتقال عالم الدين البارز،  آية الله الشيخ نمر باقر آل النمر، خطيب الجمعة في بلدة العوامية بمحافظة القطيف، الذي وظف منبر الجمعة للدفاع عن حقوق الشعب وابناء المنطقة الشرقية، كما كان يدافع عن حقوق الشعوب المظلومة والمضطهدة، في مقدمتها قضية شعب البحرين. هذا الموقف كان بالحقيقة بمنزلة الرد على الأبواق الرسمية التي تُستغل لشق عصا الوحدة بين المجتمع السعودي، كما فعل الشيخ عادل الكلباني إمام الحرم المكي، بالتهجم علناً على الشيعة، وكذلك الشيخ علي الحذيفي، امام وخطيب الحرم النبوي الشريف بادعائه؛ أن الشيعة في المملكة أخذوا حقوقهم و زيادة..!

وفي هذه القضية ايضاً، سجل علماء الدين في المنطقة الشرقية، والبحرين، وعلماء العراق وايران، مواقف مشرفة، امتداداً للمواقف التضامنية السابقة. من هنا نجد أن السلطات الحاكمة في السعودية، تحاول الالتفاف على الموقف الشيعي، من خلال إلصاق تهمة (الحرابة) بآية الله النمر، خلال محاكمته الصورية، للإيحاء الى أنه (محارب للإسلام)..! مما يعني بوضوح، أن عملية الاعتقال، هي جسّ نبض الشارع الشيعي، ولاسيما اوساط علماء الدين، الامر الذي يدعو الحوزات العلمية في عالمنا الاسلامي، لأن توحد موقفها، وأن تثبت للمتورطين في جريمة اعتقال الشيخ النمر، أن الامة موحدة، وليس من السهل لأي نظام أو حكومة أو حاكم أن يضطهد أو يعتقل أو يكمم الأفواه ويصادر الحريات ويعمل مايشاء.


ارسل لصديق