طلب العلم.. المسيرة المتواصلة للتكامل
كتبه: كاظم السعيد
حرر في: 2013/05/08
القراءات: 1296

من الطباع والصفات المذمومة التي كانت وما تزال ملازمة للانسان، هي العجب والغرور بما يحمله من علم، ومن أجل ان يثبت وجوده في المجتمع لا يتورع بالتطاول على حدود الله، فتكون نتيجة أقواله وفتاواه وحتى احكامه واستنتاجاته، سبباً لضياع المجتمع في متاهات الفتنة والضلال.

في السابق كان العلماء والاحبار والرهبان هم الذين يتعرضون لهذا الامتحان العسير، فكان العلم مخصوصاً بهم، ومقتصراً عليهم، ولكن الوضع اختلف اليوم، فالعلم لم يعد مقتصراً على فئة معينة، والعلماء لم يعودوا علماء دين، فقط بالمعنى الضيق للكلمة، بل ان «العالم»، بات اليوم، كل من يحمل قلماً ليحدث الناس عن فكره ومعارفه وعلمه، واذا ما اصطبغ هذا بصبغة الاسلام فانه سيصبح عالم دين.

واذا ما اخطأ هذا العالم في حديثه للناس عمداً، فان حسابه سيكون عسيراً عند الله - سبحانه وتعالى-، واذا كان الثواب والعقاب على العمل بقدر قيمته، وخطورته، ومدى تحمل النفس للمشاق في سبيل انجازه، فان اتباع هدى الله فيما يتعلق بالثقافة والعلم، يُعد أسمى قيمة، واكثرها صعوبة على النفس، ولذلك فان ثواب هذا الاتباع عظيم، كما أن عقاب عصيانه عظيم ايضاً.

والانسان عندما يرتكب عملاً خاطئاً فيكذب، او يزني، او يشرب الخمر فانه سيجني على نفسه، ولكنه اذا ما ألف كتاباً يتضمن افكاراً خاطئة ومضلّة، فانه سيجني على الآلاف، لان لعنة ضلالتهم ستنصب عليه، ذلك لانه بعمله ذاك، يكون قد شقّ مسيرة منحرفة لشريحة من الناس، ونفس الشيء يمكن ان يقال عن الانسان الذي يقوم بعمل تكون نتيجته هداية الكثير من الناس، فان ثوابه سيكون عظيماً وجزيلاً عند الله تعالى، ايضاً، وخصوصاً اذا كان هذا الانسان من العلماء.

من هنا؛ أكد الاسلام كثيراً على اهمية العلماء بالله، فأعطاهم الدرجة الفُضلى في المجتمع، ورفعهم فوق المجاهدين، وجعلهم من المشفعين يوم القيامة، وفضلهم حتى على الشهداء، فجعل حبر القلم الذي يستخدمه العالم في سبيل الله ارفع درجة من دم الشهيد. جاء في الحديث النبوي الشريف: «مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء».

ترى لماذا يعطي الله تعالى، الى العالم الجالس في زاوية بيته، والمنشغل في التأليف والدراسة، من الدرجات أكثر مما يعطي لذلك المجاهد في سبيل الله الذي يخوض عباب المخاطر في سوح المعارك والمواجهات، أو يعانق الموت والشهادة، ويتحمل ما يتحمل من المصاعب والمشاق في سبيل الله؟

السر في ذلك أن العالم يقوم بعملية مجاهدة نفسه، و ترويضها، فهو عندما يصدر فتواه من خلال كتابة سطر واحد، فان وراء هذا السطر سنين من التعب والتفكير المركز، والأهم من ذلك، أن هذه الفتوى من شأنها أن تقرر المصائر وتتحمل مسؤولية دماء وأعراض وتضحيات في مواجهة الباطل والانحراف، بمعنى أن الشهيد يتحمل مشاق وآلام نفسه، بينما الفقيه ومرجع الدين يتحمّل آلام ومعاناة جميع الناس الذين يلتزمون بفتواه ويطبقونها.

من هنا؛ كان الإخلاص والتقوى والورع وغيرها من القيم الاخلاقية، في مقدمة الشروط في طريق عالم الدين الرسالي المسؤول عن شعبه وأمته. وعليه؛ فالمسؤولية ستكون ثقيلة على طلبة العلم، فعليهم أن يروضوا انفسهم، وان يراجعوا النصوص بدقة ويـــــقرأوا القرآن الكريم بتدبــــر، ويــــــــدرسوا الاحــــــــــــاديث بوعي، فــــاذا كتبوا فليستذكروا ما قرؤوه في النصوص وفي التاريخ، وهذه الطريقة هي الطريقة الاجتهادية، أي أن يكون طالب العلم مجتهداً في ثقافته وعلمه.

أما الطريق الآخر أمام طالب العلم فهو التقليد، أي ان يجعل طالب العلم أحد العلماء المعروفين بالعلم والتقوى، حجةً بينه وبين الله تعالى، فيتبع نهجه وهداه حتى اذا وصل طالب العلم الى مرحلة الاجتهاد تحمل المسؤولية بنفسه، فيبدأ باعطاء الفتوى على ضوء روح الاسلام وتعاليمه التي درسها.

أما التسرّع والتفرد بالأحكام، وحبّ الظهور أمام الناس ومحاولة كسب الوجاهة الاجتماعية، فانه ربما يجلب نتائج وخيمة على صاحبه وعلى المجتمع في آن.. فالعلم ليس وساماً أو شارةً خاصة يحصل عليها الانسان، ليتميز بها عن الآخرين، إنما هو نهرٌ جار يغرف منه الجميع دون انقطاع.

ولذا جاء في بعض الاحاديث: «خذ العلم من أفواه الرجال»، كما وجاء التأكيد على طالب العلم ان لا يكون (كُتبياً) يعتمد في مصادر معلوماته على المكتبات فحسب في اصداره الاحكام، دون ان يبحث عمن يأخذ منه العلم مباشرة، فهو في هذه الحالة سوف لا يستطيع معرفة أخطائه ونقاط ضعفه خصوصاً وان طالب العلم سوف يواجه مشكلة عسيرة تتمثل في ان المجتمع يتوقع منه سرعة الانتاج وكثرته.

ومن المنزلقات والمطبات الخطيرة، تعرضه للمديح والثناء، فلا يجب أن يغريه المدح والثناء وهو يقوم بعملية الانتاج العلمي لأنه قد لا يكون مستحقاً لهذا المدح، فيأخذه الغرور، وتتوقف مسيرته التصاعدية، بل عليه ان يشعر دوماً انه بحاجة الى الكمال، وان هناك نواقص كثيرة في نشاطه العلمي، فيشخص هذه النواقص، ثم يعمل على سدها وازالتها.

ولتكن سيرة وحياة علمائنا ومراجعنا الابرار –رضوان الله عليهم- قدوةً لنا في هذا المجال، فعلى الرغم من السنوات الطويلة التي صرفوها في البحث العلمي، والاجتهاد، إلا انهم مع ذلك كانوا يتخوفون ويخشون ان تنفذ النقائص الى اعمالهم، ولذلك فانهم كانوا يستمرون في الدراسة والبحث العلمي وممارسة الانشطة العلمية حتى بعد دخولهم مرحلة الشيخوخة، وإمضائهم لسنوات طويلة في البحث العلمي، كما كان معروفاً عن السيد الخوئي والسيد البروجردي، والسيد ميرزا مهدي الشيرازي ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ.

ولذلك فان على طالب العلم ان لا يدع الشعور بوصوله الى مرحلة الكمال، يتسلل الى نفسه، بل يعمل على رفع نواقصه العلمية في جميع الدروس التي يدرسها. فالعلم بحر عميق لا شاطئ له، فكلما اغترف الانسان من هذا البحر غرفة أحس ان أمامه غرفات اخرى لا حصر لها، يجب عليه ان يغترفها.

و الخطوة اللاحقة للابتعاد عن تلك المنزلقات، ان يضع نصب عينيه دوماً ان ليس هناك من يشجعه على رفع نواقصه، فالساحة تدفعه دائماً من خلال المديح والإطراء، الى ان ينسى عيوبه، ويتغافل عن مثالبه ونقائصه، لذلك فانه هو المسؤول عن تشجيع نفسه على العمل من اجل ان يصل الى المستوى العلمي المطلوب، وبشكل جدي، كأن يخصص من وقته أربع ساعات - مثلاً- للمطالعة والكتابة، وبناء شخصيتة العلمية، وان لايدع وقته يذهب هدراً.

اما اذا غفل طالب العلم عن نفسه، وتركها تنجرف مع التيار، فانه سيصبح من أولئك (الكتبيين)، فيسول لنفسه الفتوى من غير علم، وبذلك يكون سبباً لانحراف وضلال الناس، ومصداقاً للآية الكريمة: «ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير».

فهناك من يتحدث للناس فيما يتعلق بشرائع الله تعالى وتعاليمه، بغير علم، أي انه ليس بعالم، فالانسان العالم هو الذي وصل الى العلم الحقيقي الذي يمثل الهدى، سواءً من خلال اجتهاده هو، او من خلال هداية الآخرين، له الى الطريق الصحيح، او بعبارة اخرى من خلال تقليد المهتدين.


ارسل لصديق