كيف نتخلّص من التسويف؟
كتبه: مرتضى الموسوي
حرر في: 2013/05/08
القراءات: 1242

إنّ معادلات المستقبل لا تنتظر رجال الماضي، فمن وصايا النجاح، تلك التي تقول: إفعل ما يجب عليك فعله في وقته.. لا «قبل» فتكون عجولاً، ولا «بعد» فتكون مسوِّفاً. ففي العجلة الندامة، وفي التأجيل آفات.

ولقد قيل: «إن التأجيل هو ابن التردد»، وهو أخو التسويف، وهم جميعاً من فصيلة التقصير.

فكم من عمل خسره صاحبه بسبب التأجيل، وكم من فرصة ضاعت من اليد، بسبب التسويف.

إن كثيراً من الناس يغتر بالزمان، إنهم يقولون: ما دام كل يوم تشرق فيه ذات الشمس، وما دامت الساعات تتشابه، والشهور تتوالى، وهناك متسع من الوقت، فلماذا الحرص على إنجاز الأعمال الآن، وليس فيما بعد؟

غير أن هؤلاء يفوتهم أن الزمان الذي يذهب لا يعود، وأن الساعة التي تنقضي لا يمكن استرجاعها بأي ثمن كان، وأن الشهر الذي يمضي، يموت.. والعمر هو الثمن الذي ندفعه في التسويف، من دون أن نحصل في مقابله على شيء.

لقد جاء في الحديث الشريف: «كل يوم يقول لابن آدم: أنا يوم جديد، وغداً عليك شهيد، فاعمل فيّ خيراً، وقل فيّ خيراً، فإنك لن تراني أبداً».

فهذه الدقيقة، من هذه الساعة، وفي هذا اليوم، ومن هذا الشهر، ومن هذه السنة لن تعود مهما أشرقت الشمس في الأيام القادمة.

صحيح أن هنالك تشابهاً في الشكل، ولكن لا تشابه في المضمون، فعمرك قد اقتطع منه بمقدار ما فاتك، والعمر الذي يفوت لا يعود، وإلاّ لكنّا بعد أطفالاً، ولم نصبح شباباً، وكهولاً، وشيوخاً.

وإذا أثبتت الدراسات الحديثة أن من ابرز عوامل الفشل في الدنيا هو التسويف، فقد سبقها الدين بقرون طويلة حين قال بان التسويف من عوامل الفشل في الدنيا بل وفي الآخرة أيضاً.

حقاً أن «التواني - وهو التكاسل والتسويف- إضاعة»1  لأن «التواني فوت»2  وهو «سجيّة النوكي»3  فـ «من أطاع التواني ضيّع الحقوق»4  و«أحاطت به الندامة»5 .

فـ «إيّاك والتسويف بأملك، فإنك بيومك ولست بما بعده. فإن يكُ غداً لك لم تندم على ما فرّطت في اليوم»6 «فلا تقل غداً وبعد غد، فإنما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف، حتى أتاهم أمر الله وهم غافلون»7.

 

* إن في التأخير آفات..

ذلك أنك ربما تكون فعلاً مصمماً على إنجاز ما عليك من العمل في غد أو بعد غد، ولكنك تفاجأ حينئذٍ بأن المعادلة كلها قد تغيّرت، سواء المعادلة الخارجية، أو معادلتك النفسية، فإذا بمن كنت تريد الاتصال به مثلاً، قد سافر، أو أن عزيمتك قد خارت، ونقضت ما عقدت عليه نيتك. ولهذا فإن التسويف إنما هو بعينه، ولكن تحت عنوان آخر.

وقد قيل: إن التسويف هو العادة السيّئة التي تؤجل بها إلى ما بعد غد، ما كان ينبغي لك عمله قبل أمس الأوّل، والذي سوف تؤجله هو الآخر بعد أن يصبح في عداد الماضي. ولهذا جاء في الحديث الشريف: «إياك والتسويف فإنه بحر يغرق فيه الهلكى»8.

 

* إنجاز العمل في حينه

من دراسة حياة الناجحين نجد أنهم ينجزون أعمالهم في أوقاتها. بينما كل الفاشلين كانوا من المسوّفين.

وفعلاً لا يستحق من يسوف إلاّ الفشل، كما لا يستحق من ينجز أعماله إلاّ النجاح.

فالفرق بين الناجحين والفاشلين في مجال إنجاز الأعمال هو أن الفاشل عنده «فن التأجيل»، أمّا الناجح، فإنه يُجيد «فن الإنجاز».. والمعادلات تأتي كل واحد منهما بالشكل الذي يتلاءم مع فنّه. فالناجح يجد أمامه كل العوامل التي تساعده لكي ينجز أعماله، أمّا الفاشل فيجد أمامه كل الأسباب التي تدفعه إلى إلغائها.

يقول ربنا سبحانه وتعالى: «قل كل يعمل على شاكلته» (سورة الأسراء /84). فهذا يسير في طريق النجاح، والنجاح يتطلب الإنجاز، وذلك يمشي في طريق الفشل، والفشل نتجية التسويف.

إن كل الفاشلين أعضاء في جمعية (الغد الذي لا يأتي)، وهي الجمعية التي شعارها: أترك الأعمال إلى وقت آخر..

إن التأجيل في حقيقته يعني أن ترمي الأشياء في سلة المهملات. لأنه لا يوجد شيء اسمه (التأجيل)، بل يوجد شيء اسمه (التهميل) وحسب. يقول أحد علماء النفس، في كتابه «إفعل الآن!» إن في وسع الإنسان أن يتخلص من عادة التأجيل التي تمتص طاقته وأحاسيسه ووقته.

 

* أيكون التأجيل سوء

تدبير للوقت وكسلاً عادياً؟

إن التأجيل مشكلة نفسانية معقدة نادراً ما تحل بمداواة سهلة بسيطة.

علينا أوّلاً أن نعرف أسباب التأجيل والطريقة التي نؤجل بها تنفيذ الأعمال.

يصل الشك في القدرة وعدم الثقة في النفس إلى أقصى الحدود عند الأشخاص المثاليين الذين يضعون نصب عيونهم أهدافاً مثالية، فيخافون تنفيذ أي عمل. وفي الحقيقة فإن المتهرّبين يؤجلون خوفاً من القلق أو الانقباض الذي يشعرون به مع بداية أي عمل جديد. وبما أن جميع أعباء الحياة تشكل قلقاً وضغطاً وتتضمن خيبات أمل، فإنهم يصبحون مدمنين على التأجيل.

والمؤجلون يتميزون بموهبة خارقة في خداع أنفسهم. وغالباً ما يسيئون تقدير الوقت اللازم لتأدية عمل ما و بإختصار فإن معرفة أسباب التأجيل والإعتراف بها يشكلان نصف المعركة في محاربته.

 

* كيف نحارب التسويف؟

يمكن اختصار الاجابة على السؤال بخطوات خمسة:

أولاً – لا تقبل لنفسك عذراً

إن أي إنسان لا يحبّذ لنفسه الخطأ، ولذلك فهو كثيراً ما يبرّر الأخطاء، ويغلّفها بالتبرير. وإذا لم تقبل أعذار نفسك، فإنك تدفعها إلى أن تسلك الطريق الصحيح، لقد قيل: إن المسوف المعتاد خبير في ابتكار المعاذير، وإذا سلبنا منه الأعذار، أصبح مكشوفاً، وحينئذٍ فإنه يرعوي عن التسويف.

ثانياً – تصرَّف وكأن التسويف حرام عليك

تقول بعض الأحاديث: إنّ لجهنم باباً يقال له» «باب المسوّفين»، يدخله كل أولئك الذين كانوا يؤجلون أعمال الخيّر، مستخدمين كلمتي (سوف أعمل) أو (سأعمل)، وكانت النتيجة أنهم فوتوا على أنفسهم الصالحات بالتسويف.

ثالثاً لا تنشغل بالثانويات حين الشروع بعمل ما

إن إتمام عمل ما قد يكون أسهل من الشروع في عمل جديد.

رابعاً ألغِ من ذهنك لفترة معينة، أي احتمال لما يسمى (فيما بعد)

جرّب أن لا تفكر إلاّ في ما يرتبط باليوم، ولا تعمل إلاّ ما يجب عليك عمله الآن.. يقول الحديث الشريف: «إذا أصبحت، فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري ما اسمك غداً»9 .

وتذكَّر أن من «أطال الأمل، أساء العمل»10  لأن من الطبيعي أن «من اتسع أمله قصر عمله»11 .

حاول أن تنجز كل ما يمكنك إنجازه الآن، حتى وإن كان لك متسع من الوقت. واترك المتسع للمفاجآت.

خامساً فكِّر في إنجاز العمل وليس في مثاليته.

و أهم من كل ذلك أن نجعل قول ربنا في سورة الكهف نصب أعيننا، يقول عزمن قائل: «وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً». (سورة الكهف /23-24).

------------------

1- غرر الحكم و درر الكلم، 1 / 12

2- المصدر نفسه، 1/22.

3- المصدر نفسه، 1 / 119.

4- المصدر نفسه، 5 / 305.

5- المصدر نفسه، 5 / 445.

6- البحار، ج77 / ص 75.

7- المصدر نفسه، ج 73 / 75

8- المصدر نفسه، ج 78 / 164.

9- مكارم الأخلاق، ص 540.

10- نهج البلاغة، 3/160.

11- الإرشاد، 144.


ارسل لصديق