مدرسة القرآن والعترة أمام مدرسة «الأيديولوجيا»
كتبه: علي ضميري
حرر في: 2013/05/09
القراءات: 1446

مما يميز مدرسة أهل البيت، عليهم الصلاة والسلام، وهي مدرسة الكرامة؛  التي يتجسد فيها دين الله، أنها لا تعرف المساومة والمداهنة التي تقتضي التنازل عن بنود الحق. فيما الحق ليس بعده إلا الضلال، ولذلك لا تتبنى هذه المدرسة المباركة، المراوغة والدجل، ولا تدعو اتباعها وتأمرهم من جهة، باتباع الحق فيما هي تقر المساومة عليه، فتصنع منهم اشخاصاً منافقين يصارعون قيم الدين وتعاليمه، من حيث لايشعرون.

لقد تميزت المدرسة المحمدية – الرسالية، لانها تتخذ من التطورات والاحداث في الحياة، مواقف جدية وقاطعة ومحددة، لا مجال فيها للهزل والعبث والانكباب على الدنيا وعدّها دار المقامة ونهاية الإنسان.. وانما التعامل معها تعاملاً جديّاً يقضي باتخاذها محطة امتحان و عبور، ولا مجال للمساومة واللعب والعبث في الامتحان، وفي محطة ليست هي النهاية.

ولذلك؛ كانت منظومة المدرسة المحمدية، كلها متانة وكمال، ولا يعتريها النقص بوجه من الوجوه.. فكانت عبارة «ليس منّا»، او «انما شيعتنا»، تحدد و تؤطر هذا المنحى، من اجل تحصين الذهنية والقناعة، من ان يخترقها الاجنبي بفكره وثقافته، او يتسرب منها الموالي والمحب.. أي ان هذه المنظومة المقدسة تقدم للانسان المؤمن البرنامج والمنهج المتكامل، بما يؤدي به الى القناعة والإيمان التامين، فهي تروي ظمأه الفكري والثقافي، وتجعل كل ما دونها من افكار ومذاهب مجرد توافه ومساحة ضلال.

مما يشير الى هذا المنحى – منحى الشدة والحماس والحيوية –  الخطب المضيئة التي صدح بها أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام، من على منبر الكوفة، ومما جاء فيها: «..فنحن اهل بيت عصمنا الله من ان نكون فتانين او كذابين او ساحرين او زيافين، فمن كان فيه شيء من هذه الخصال فليس منا ولا نحن منه..» (1)

هنا يوضح مولانا، سيد الاوصياء، وبكل صراحة، مجموعة خصال اخلاقية؛ تشير الى شخصية الهُداة الميامين، من آل النبي صلوات الله عليه وعليهم اجمعين، والى ضرورة اقتداء المنتمي الى المدرسة المحمدية المقدسة، الى قادتها الذين اصطنعهم الله تعالى لنفسه، ومن ثم؛ فلا عذر للاتباع الا الاستلهام منهم ومن حقيقتهم واقوالهم وافعالهم.. فلو ان الاتباع انزلقوا في مستنقع النميمة او الكذب او السحر او التزييف، ما عادوا منتمين الى منظومة أهل البيت عليهم السلام، وليس ثم مواربة ومحاباة في البين، وهم منهم براء.

ولو اننا رجعنا الى ثقافة القرآن العظيم، لوجدناها لا تفترق – كما صرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث القرآن والعترة – عن ثقافة العترة الطاهرة، بل لنقل: انها ثقافة واحدة غير قابلة للتجزئة والتفكيك. وها هو القرآن يصدح بآيات البراءة المطلقة، واللعن الدائم الموجه للظالمين والمنافقين الذين عرفوا الحق فجحدوه، فهو يبرأ و يدعو المؤمنين الى هذه البراءة، بلا هوادة وبلا مساومة، اذ ليس بعد الحق إلا الضلال، وهل يمكن تصوّر شرعية اختلاط او اقتراب الحق والهدى من الباطل والضلال؟!

ان هذه المنظومة الالهية المقدسة، تعرضت للكثير من محاولات الاختراق من جانب اعدائها، تبعاً لموجبات الصراع الدائر بينهما على طول الخط.. وبطبيعة الحال، نجد ان هذه المحاولات قد اخذت لنفسها صوراً شتى في اماكن و أزمنة متوالية، إلا ان عصمتها، وعصمة قادتها، حالت دون بلوغ الاعداء ما بغوه.

وكما ان منظومة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، بقيت صافية نقية، وبقي أمرها واضحاً، وضوح الشمس في رابعة النهار، بقي الاعداء ايضاً لا يفترون عن معاودة محاولاتهم الشيطانية الساعة بعد الساعة، والفترة بعد الفترة والجيل بعد الجيل، هذا كله والموالون لاهل البيت عليهم الصلاة والسلام، يتعرضون لانواع الاذى والتنكيل في كل زمان ومكان.

ربما يعمد الاعداء والمنافقون الى تصفية علماء الشيعة جسدياً، او الى اغتيال شخصياتهم، من خلال إلصاق التهم الباطلة، وتشويه سمعتهم، لتعكير الأجواء وخلط المعايير والمفاهيم والرؤى على اتباع المنظومة المحمدية الحقّة.

و ربما يحاول الاعداء دسّ مرتزقتهم بين صفوف الموالين ليبثوا فيهم الشائعات الباطلة والافكار المزيفة والافعال الباطلة التي لا يرتضيها أهل البيت عليهم السلام، حتى انهم ليصوروا ما هو باطل حقاً، وما هو حق باطلاً، شأنهم في ذلك شأن اليهود الذين حرفوا كتب السماء بأيديهم، وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلاً.

أي ان محاولات التحريف والتزييف والكذب، كانت ولا تزال عبارة عن ممارسات مدفوعة الثمن سلفاً، ولا علاقة لها أبداً بما يشاع من اجتهاد واستنباط بريئين.

ثم اتسعت دائرة التزييف والتمويه بالافكار والاشخاص، الذين من مهمتهم إدعاء الانتماء لاهل البيت عليهم السلام، لا سيما في هذه الحقبة من الزمن العجيب، اذ لا يبدو ان الاعداء على استعداد لإضاعة أبسط الفرص في تشويه الحقائق، وإلصاق  ما هو باطل ومخالف لارادة الله تعالى، بالقرآن الكريم، و ايضاً بثقافة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وهم من ذلك براء.

ولكن حيث اندس الفكر الاستعماري، من خلال أفكار ومذاهب مبتدعة تم تسريبها في أوساط الأمة، مثل الوهابية والبهائية، وغيرها، وفي غفلة من الزمن، ومن الكثير من الشيعة وبعض ممن يحسبون على التشيع.

ومن محاولات الدسّ والتحريف؛ الترويج لمقولة عدم الحاجة الى مرجع الدين في المجتمع، وأن الكفاية في الحزب او التيار الثقافي والفكري، في قيادة الأمة.. اذ ابتدعوا بدعة جديدة في دين الله تعالى مؤداها ان يكون الحزب فقيهاً يفتي بما تمليه عليه قيادة هذا الحزب وايديولوجيته، وهذا بمعنى غضّ النظر، أو إلغاء دور مرجع الدين، المنصّب من قبل الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه، في ضمان مشروعية العمل الاسلامي بكل اشكاله.

وليت القائل بذلك ينسبه الى نفسه ولا ينسبه الى اصل الدين. فهو يوحي ضمن محاولته تشويه اصالة العقيدة القرآنية والمحمدية وكسر دائرة «انما شيعتنا..» و «ليس منّا..» ان ما يقوله قد استنبطه من أقوال اهل البيت عليهم السلام، وهو قد لا يدري، او لا يقدر الحكمة من وجودهم أصلاً، ذلك لانه كما في ادبياته المستفيضة، لا ينظر اليهم الا كونهم مجرد عباد صالحين.

فكرة (التحزّب)، تشيع أو توحي للناس بأن الكيان الحركي والتنظيمي، إنما هو مشروع إصلاحي لمسار المذهب..! وهو المذهب الذي ضحى أهل البيت عليهم السلام، جميعاً لتثبيت أركانه، وضحّى من بعدهم الاولياء والعلماء والثوار، وجميع المظلومين المؤمنين، بارواحهم واموالهم وسمعتهم.

والحقيقة؛ أن من يتبنى (التحزّب)، لن يحمل مشروعاً إصلاحياً حقيقياً، نعم؛ ما هو موجود هو نشر أفكار خاصة، تتعارض بمعظمها مع ثقافة التشيع والدين، وتسعى لكسب اكبر عدد ممكن من الاتباع في الساحة. غافلا عن ان الله تعالى يأبى إلا ان يتم نوره ولو كره من كره..! ولكن هذا كله لا يبررلأتباع مدرسة القرآن والعترة، أن يركنوا الى الزوايا البعيدة، و يكتفوا بحقيقة سلامة الدين وعصمته، وأنهم على الحق والصواب، فيتكاسلوا عن أداء دورهم الفكري والثقافي والجهادي والاعلامي، لتكريس ثقافة أهل البيت عليهم السلام، وثقافة الاسلام الحقيقي. لا سيما وان الائمة المعصومين انفسهم كانت لهم ادوارهم العظمى في هذا الاطار، ولم يعولوا على غيرهم.

ومن ثم يجدر بنا ان نرتقي الى مستوى الوعي المطلوب لمواجهة كل محاولات التزييف والتحريف التي تستهدف الدين في صميمه، وتعمل على التشويه والتحريف في البنية العقائدية والسلوكية في المجتمع، وإبعاد الناس عن مدرسة اهل البيت صلوات الله عليهم.

-----------------

1- تفسير فرات الكوفي، ص178 و حياة امير المؤمنين عن لسانه، ج2، ص327.


ارسل لصديق