مرجعية الفقهاء .. الامتداد الرسالي في عصر الغيبة
كتبه: الشيخ معتصم السيد احمد
حرر في: 2013/05/09
القراءات: 1514

إذا نظرنا للتشيع بوصفه واقعاً ملموساً، أو مساراً اجتماعياً، نجده ظاهرة إنسانية لها خصوصياتها الحضارية، فهو أولاً: أحد مكونين لبنية الواقع الإسلامي. وثانياً: يمتاز على المكون الآخر بكونه إطاراً اجتماعياً متفاعلاً ومنضبطاً ضمن إطار قيادة دينية، فإذا جاز لنا التفريق بين الإسلام كمبدأ، وبين الإنسان المسلم كنموذج لذلك المبدأ، يجوز لنا القول: إن النموذج الشيعي أكثر انضباطاً بقيم الإسلام من المكون الآخر.

وللتدليل على ذلك يجب أن نفرق بين نوعين من طرق التقييم والدراسة، طريقة تستهدف البعد الحضاري والامتداد التاريخي للطائفة، وطريقة أخرى تستهدف المكون العقائدي والفكري، والفرق في أن الأولى تقترب من الواقع، والثانية تقترب من العقل وآليات الوعي والفهم، والأمر الذي نقصده هو الكشف عن البعد الخارجي للكيان الشيعي.

 

* التطبيق  العملي للتوحيد

والتشيع ضمن البعد التاريخي يمثل تيار الرفض والمعارضة لكل أشكال الهيمنة، بعكس المكون الآخر الذي مازال يمثل تيار الموالاة لكل الأنظمة السياسية التي حكمت، صحيح أن التشيع قد ضحى بالكثير في سبيل هذا المبدأ، ومازال يعاني من عداوات وثارات توارثت مع الأيام، ولكنه ربح دينه وعقيدته، ولم يعترف بأية سلطة حتى وإن كانت من كبار الصحابة، طالما لم تكن بسلطان من الله، وحافظ بذلك على مكوناته الدينية والثقافية بشكل مستقل عن أي نظام سياسي، ولم يضطر يوماً للتنازل عن أي مبدأ مجاراة لأية هيمنة سياسية، وقد ساعده في ذلك وضوح فكرته، وترابط أتباعه في نظام دقيق يتصل بقمة الهرم الشيعي، وهم الفقهاء والمراجع.

و"التشيع"، في عمق معناه هو الولاية والإمامة، وبالتالي لا يستقيم إلا ضمن حالة اجتماعية تنتظم في شكل هرمي وصولاً للقيادة، الأمر الذي يؤكد على أن الكفر بالطاغوت، لا يتحقق إلا ضمن الانخراط في صف أولياء الله.

فالتوحيد - كما قدمنا سابقاً- ليس حالة نظرية، أو مجرد إيمان قلبي يرتبط بقضية غيبية، وإنما هو تجلٍّ عملي في واقع الحياة؛ لأنه هو الاستثناء الوحيد الذي ينبثق من ضمير الرفض (لا إله .. إلا الله)، ولا يتحقق ذلك الرفض إلا ضمن واقع بديل يمثل ولاية الله، فإذا كان الرفض ينطلق من صميم الواقع المزيف والكفر به، فإن التوحيد يتجلى في الواقع الذي يمثل الحق والتسليم له: «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لاَ انْفِصامَ لَها» (سورة البقرة /256)، صحيح أن الكفر بالطاغوت مقدَّمٌ على الإيمان بالله، ولكن الإيمان بأولياء الله والتسليم لهم، هو الذي يحقق الكفر العملي بالطاغوت، في حقيقة الأمر، فيصبح التوحيد بذلك واقعاً عملياً، وتجسيداً خارجياً لحقيقة الولاء، قال تعالى: «وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ» (سورة المائدة /56)، وليس حالة نظرية، تحقق الإيمان بالله كقضية غيبية، وتدين بالولاء للطواغيت كحالة عملية، قال تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» (سورة النساء /60)، فإذا كان الدين دعوة للتوحيد، فحينئذ يكون التشيع هو التطبيق العملي لذلك التوحيد.

والإسلام بوصفه منظومة من القيم يقع على رأسها التوحيد، لا يعدو كونه إطاراً نظرياً ما لم يجد طريقه إلى الواقع، الأمر الذي لا يمكن تصوره بدون قيادة تمثل الضامن لهذا التطبيق؛ لأن الرسالة إنما تتحقق بما لها من امتداد في الواقع، ولا يمكن أن نتصور مجتمعاً إسلامياً يمثل امتداداً للرسالة، من غير أن يكون على رأسه فقيه، وهذا ما عليه الشيعة بخلاف المذاهب الأخرى، فمذاهب أهل السنة لم تفرز نظاماً مرجعياً واضحاً، يجعل الدين فيه شرطاً للطاعة والولاء، واستبدلوا ذلك النظام المرجعي، بالسمع والطاعة لكل من حكم، ونصوصهم في ذلك متضافرة، فضلاً عن الواقع الذي يشهد بذلك.

 

* التأثير على الحاكم لا التأثّر به

ومن هنا نفهم مدى الحرص الشيعي على دور المرجعية الدينية، فبعد غيبة الإمام الحجة عجل الله فرجه، ارتبط الشيعة بالفقهاء كضمان لاستمرار المسيرة الرسالية، وسيادة الفقيه عند الشيعة إنما هي تابعة لسيادة الدين، فلا يتقدم لهذا المنصب إلا أكثرهم علماً و ورعاً وزهداً، فقد جاء في وصية الإمام الحجة لشيعته في عصر الغيبة: «من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فعلى العوام أن يقلدوه»، فالضابط للمرجعية هو الفقه والورع، ولتحقيق هذا الشرط اهتم الشيعة بالمؤسسة العلمية التي تسمى بالحوزة، وقد توارث الشيعة هذه المؤسسة العملاقة منذ زمن الأئمة عليهم السلام، وإلى اليوم، وقد تكفلت ضمن ضوابط دقيقة، تخريج عشرات المجتهدين، الذين نالوا درجات عالية من الفقه والعلم.

والمهم في الأمر، أن المؤسسة الحوزوية لا تفرض مرجعاً محدداً على المقلِّد، وإنما المكلَّف هو الذي يختار لنفسه من بين المجتهدين مرجعاً له، فهي بالتالي انتخاب جماهيري شعبي، لا تتدخل فيه الدعاية والترغيب، فالإنسان المسلم ضمن الدائرة الشيعية، إما أن يكون مجتهداً قادراً على استنباط الأحكام الشرعية، أو مقلداً للفقيه الجامع لشرائط الاجتهاد، ويبقى باب الحوزة مفتوحاً أمام الجميع، لمن يرى في نفسه أهلية التعلم والاجتهاد.

والمرجعية الدينية ضمن التصور الموجود، تُعد مصدر فخر الشيعة وعزتهم؛ لأنهم دون غيرهم من المذاهب، استطاعوا أن يوجدوا لأنفسهم نظاماً على رأسه العلماء، فالمجتمع الذي يدفع لصدارته الفقهاء والعلماء، هو خير نموذج للمجتمع الذي أراده الإسلام، ولا أتصور أن هناك منصفاً لا يرى أن النظام المرجعي عند الشيعة، هو الخيار الأمثل لأي مجتمع إسلامي.

فالمجتمع الشيعي مستقل بكيانه غيرُ مرتهن لغيره، ولقد كان ذلك مصدراً لعداء الأنظمة الحاكمة والمذاهب التي تحتمي بها، رغم أن الشيعة أكثر انضباطاً بحقوق المواطنة والعيش المشترك، وأكثرهم تعقلاً في التعامل مع المخالف، إلا أن استبداد الأنظمة لا يقبل أن يكون هناك ولاء لغيره، وقد خسر الشيعة الكثير بسبب الانتماء المرجعي، فهُمِّشوا، وحوصروا، واستُضعفوا، وسُجنوا، وهُجِّروا،... ورغم ذلك، ظلت المرجعية هي العلم الذي يرفرف على رؤوس الشيعة.

  وكشاهد على تصدي المرجعية لشؤون الأُمّة، ودليل على مدى تأثير الزعامة الدينية على نفوس الشيعة، نُذكِّر هنا بدور المرجعية الدينية في ايران، حيث هزّت سمعة ملك وهدمت عرش آخر.

ففي السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر اضطر «ناصر الدين شاه»، من سلالة الدولة القاجارية، الى التراجع عن معاهدة منح امتياز انتاج (التبغ) التي وقعها مع البريطانيين، وذلك بسبب الضغط الكبير الذي شكلته فتوى المرجع الأعلى في زمانه، المجدد السيد محمد حسن الشيرازي، بتحريم التبغ، التي عُرفت بـ «ثورة التنباك»، وقد وصل تأثير هذه الفتوى إلى داخل أسوار القصر القاجاري، حيث قامت زوجة السلطان نفسه، بتحطيم «الأرجيلة» التي طلبها الملك ليدخنها، وكان ردُّها حاسماً، عندما استنكر زوجها هذا الفعل، بقولها: «إن الذي حلّلني عليك حرّم استعمال التبغ اليوم». الدور الحاسم الآخر، تجسد في الثورة الجماهيرية التي قادها الإمام الخميني، على آخر ملك في الدولة الايرانية، وهو «محمد رضا بهلوي» في نهاية السبعينات، وعندما اصطدم الشاه، بفتاوى العلماء الذين حرموا وأدانوا سياساته وأعماله المنافية للشرع والأخلاق والانسانية، من قبيل التشجيع على الإباحية الجنسية، وتجاهل الاحكام الاسلامية في موارد عديدة، وتشريع قانون «الحصانة القضائية» أو ما عُرف بـ «كابيتولاسيون»، الذي يسلب من الجهاز القضائي الايراني أي حق بإدانة امريكي يرتكب جريمة في ايران. بمعنى إن المواطن الايراني غير آمن أمام الامريكي اذا ما دهسه وسط الشارع، أو تشاجر معه او تجاوز على حقوقه وغير ذلك. الامر الذي عدّته الاوساط الدينية والحوزوية انتهاكاً فاضحاً للكرامة الانسانية، فضلاً عن استباحة حق الانسان المسلم في بلده المسلم. كل هذا وغيره، تسبب في تصدع النظام الملكي في ايران، ورغم الامتيازات الهائلة التي كان يغدقها على المؤسسة العسكرية لحماية عرشه، فان الجيش لم يتمكن من الاستمرار في الطريق الى جانب الشاه، فاعلن انضمامه الى الثورة الجماهيرية، وكان المسمار الاخير في نعش الشاه ونظام حكمه، وأعلن في الوقت نفسه الولاء للمرجعية الدينية، وشخص الامام الخميني الراحل.

 

* سيادة الدين

الواقع الشيعي كله شاهد على مدى العلاقة التي تربط القاعدة بقمة الهرم، ولا شيء هناك يحقق ذلك الرابط سوى الدين والالتزام بالأحكام، ولولا ذلك الحرص على الدين، لما دفع الشيعة أخماس أرباحهم سنوياً للمرجعية الدينية، الأمر الذي جعل المؤسسة الدينية مستقلة، وغنية عن الحاجة الى أي نظام حكم، بخلاف المؤسسة الدينية للمذاهب السنية، التي أصبحت جزءاً من إدارات الدولة، مما جعلها دوماً رهينة لسياسة النظام الحاكم، فالدولة هي التي تعيِّن المفتي، ووزير الأوقاف، وإدارة الزكاة، وتتدخل حتى في شؤون التعليم في الجامعات الإسلامية، ولم نر في كل التاريخ، أن المؤسسة الدينية السنية تمردت على حكومة من الحكومات التي حكمت.

 وهذه الإشارة كافية الدلالة، على أن فكرة المرجعية منبثقة من صميم الإسلام، وأنـــــها الطــريق الذي يحقق سيادة الدين، وبذلك نكون قد أكدنا على مدى انسجامها مع فلسفة الإسلام الكبرى، وهي التكامل على المستوى الفردي والاجتماعي.

وفي الختام، أسرد بعض الأحاديث والآراء التي زخرت بها مصادر السنة، في ضرورة السمع والطاعة للحاكم حتى وإن كان ظالماً، وهي الأحاديث التي تطرب لها آذان كل الطغاة، الذين أمرنا الله بمقاطعتهم والكفر بهم، فكل من يرفض المرجعية الدينية للفقيه، لا طريق أمامه إلا الوقوع في أحضان الطاغوت. 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ(1).

وعَنْ وائل بن حجر - رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْــــرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ(2).

وعن حذيفة - رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُــــولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: يَكُونُ بَعْــــدِي أَئِمَّةٌ لايَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلايَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَــــقُومُ فِيهِــــمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْــــمَعْ وَأَطِعْ(3).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً(4).

---------------------

1- صحيح مسلم/ حديث رقم: (1836).

2- المصدر السابق، حديث رقم: (1846).

3- صحيح مسلم، حديث رقم: (1847).

4- البخاري، حديث رقم: (7053) ومسلم، حديث رقم: (1851).


ارسل لصديق