الإعلام والسلطة و منظومة القيم
كتبه: الشيخ زكريا داوود
حرر في: 2013/06/04
القراءات: 1104

القيم تمثل القاعدة التي يرتكز عليها التشريع، كما أنها تمثل الروح الموجهة للقوانين التي تنظم الحياة بكل جوانبها، ويمكننا أن نعرف مدى التطور الحضاري لكل مجتمع من خلال تطبيق القيم التي ترسي العدل والحرية والمساواة، وبمعنى أوضح القيم الحضارية التي توجه أي أمة نحو التطور والرقي والازدهار هي التي ترتكز على الحق دون غيره.

ولقراءة صحيحة لما يجري في المجتمعات العربية والإسلامية، لابد من النظر إلى منظومة القيم التي تحكم العقلية الشعبية والسلطوية، ويمكننا أن نتفحص تلك القيم من خلال الأحداث التي تحرك تلك المجتمعات وردات الفعل التي تبديها، ومن خلال تحليل بنية السلطة السياسية التي تحتكر أدوات التأثير بجميع أشكالها، من مؤسسة دينية خاضعة لرأي السلطان وإلى أدوات التوصيل المعلوماتي.

 

* خلل في قراءة الواقع 

وقد تنبهت النخب الثقافية ودعاة الإصلاح إلى وجود خلل يكتنف مسيرة الأمة، وتعددت قراءة الواقع المتخلف وسبل إصلاحه، ومن بين القراءات التي احتفظت بمكانتها وقوتها والتي اعتبرت أقدم تفسير للأزمة، هي تلك التي ترجع الأزمة إلى ما بعد انقطاع الوحي حيث انقسم المجتمع المدني في اختيار الشخصية التي تملك مواصفات قيادية، تمثل امتداداً لصفات صاحب الرسالة، ورغم إقرار الجميع بكون كل تلك الصفات القيادية الرسالية تتوفر في الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، دون غيره، إلا أن تغليب اعتبارات أخرى أثرت في تنحية تلك القيادة التي رباها صاحب الرسالة لتكون هي التي توجه حركة الأمة.

ومن أقدم النصوص التي تفسر أُس الأزمة التي تعانيها الأمة، ما أورده المؤرخون عند تعرضهم للأحداث التي حدثت بعد حادثة السقيفة وبالأخص موقف بنت النبي الألإكرم صلى الله عليه وآله وسلم، التي رأت في اختيار غير الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ابتعاداً عن نهج الإسلام، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتعد خطبتها التي ألقتها في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أقدم وثيقة تحلل فيها شخصية عظيمة، ما حدث، فهي تقدم قراءة سياسية وثقافية ودينية لوضع العرب قبل الرسالة وبعدها، كما أنها تحلل وتفسر أسباب الأحداث التي وقعت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن تلك التفسيرات ما نقله ابن طيفور (ت 380هـ/990م) من خطبتها، حيث قالت: «حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت خلّة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم فوجدكم لدعائه مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، فاستنهضكم فوجدكم خفافاً، وأجمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتموها غير شربكم، هذا والعهد قريب والكلم رحيب، والجرح لما يندمل بدار زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين». (1)

ولعل هذا التفسير التاريخي للأزمة يعتبر بعيداً بعد المسافة التاريخية للأحداث التي تفصلنا عنها أكثر من ألف وثلاثمائة عام، لكن ما يدعونا إلى اعتباره أقوى العوامل المؤثرة في بناء رؤية استراتيجية هو حضوره الفعال عند أغلب أطياف الفكر والثقافة في عالمنا المعاصر، فضلاً عن النخب الثقافية التي صاغت عقلية المجتمعات العربية والإسلامية على مدى كل تلك السنين.

وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية، إذ وظيفة المثقف والمفكر هو التأصيل لقبول الحقيقة مهما كانت مرة، لكن ما حدث كان العكس تماماً حيث مارست السلطة بمعونة المثقف الديني، عملية تضليل واسعة، وهي نتيجة طبيعية لأن المقدمات كانت خاطئة، والنتيجة كما هو معروف تتبع المقدمة.

 

* إعلام السلطة يخدم التضليل

إن تضليل الجماهير لا يمثل أول أداة تتبناها النخب الحاكمة من أجل الحفاظ على السيطرة الاجتماعية، فالحكام لا يلجؤون إلى التضليل الإعلامي- كما يوضح فرير- إلا «عندما يبدأ الشعب في الظهور (ولو بصورة فجة) كإرادة اجتماعية في مسار العملية التاريخية»، أما قبل ذلك، فلا وجود للتضليل (بالمعنى الدقيق للكلمة)، بل نجد بالأحرى قمعاً شاملاً. إذ لا ضرورة هناك لتضليل المضطهدين، عندما يكونون غارقين لآذانهم في بؤس الواقع. (2)

ورغم أن التضليل هو مهنة السلطات المستبدة عبر التاريخ البشري، إلا أن أداوته كانت محدودة، لكن مع تطور وسائل الاتصال في العصر الراهن، أخذ التضليل أبعاداً كثيرة ووسائل متعددة، وأصبح أكثر فتكاً بالعقل وبمنظومة القيم الدينية والمدنية، وإذا نظرنا للعقل العربي المعاصر وحللنا القيم السائدة في المجتمعات العربية وقمنا بمقارنة بينها وبين الغايات المجتمعية والقرآنية، لعرفنا كم هي المسافة التي تفصلنا عن قيم الحق التي بشر بها الوحي، وتكمن الأسباب في خلق هذه الهوة لإعلام السلطة المستبدة التي كرست مفاهيم وقيم ووظفتها لإنتاج وصناعة أوهام وغايات هامشية تضخمت مع الزمن لتصبح طموحات وأهدافاً عليا تسعى المجتمعات العربية والإسلامية لتحقيقها.

وقراءة سريعة للإنتاج الثقافي في هذه المجتمعات يبرز لنا القوة الهائلة للإعلام في قلب الحقائق، وكما أن السلطة في التاريخ صنعت أوهاماً أصبحت بفعل الزمن حقائق ومقدسات في العقل العربي حتى غدا مجرد البحث فيها أو نقد بعض مقولاتها، يعد هرطقة وخروجاً على الدين، فإن أدوات القهر المعاصرة تفرض وتكرس في العقل العربي مقولات فكرية وثقافية بعضها بلباس الدين وبعضها الآخر بحجة ضرورات المعاصرة والتطور، وكل تلك المفاهيم لا تنتج غير تراكم الأوهام، والنتيجة هي إخضاع الأمة لرغبات ونزعات شخصانية.

وأمام هذه السياسة التي تعد أمراً ملازماً للاستبداد، كانت وظيفة المصلحين تزداد صعوبة وتعقداً، ولعل أبرز حجج السلطة المستبدة في مواجهة الإصلاح هي القول أن هذه المطالبات قد تفقد المجتمع استقراره وتسلبه الأمن والطمأنينة.

ومن الطبيعي إن زرع أوهام الخوف من الإصلاح في عقلية المجتمع إنما يتم عبر الإعلام الذي يمارس التضليل وطمس الحقائق، وقد تعرض القرآن الكريم لمعالجة هذه الإشكالية عندما استعرض تجارب الأنبياء المصلحين مع القوى السياسية والاجتماعية النافذة، ولعل عرضه للحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي بكل تفاصيله ومقولاته هو بحد ذاته كشف للزيف والتضليل.

يستعرض القرآن الكريم تجربة نبي الله موسى عليه السلام مع القوى السياسية في مصر، ويبرز لنا أهم دعاوى الإصلاح، والتي تتمثل في إعطاء المجتمع بكل أطيافه الحرية وحق التعبير عن آرائه ومعتقداته، إذ يقول موسى عليه السلام، منتقداً سياسة فرعون عندما ساق منجزاته التي اعتبرها منّة ونعمة تكرم بها على موسى عليه السلام، كما هي الآن السلطات التي تمن على شعوبها: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ». (3)

إن الإصلاح الحقيقي والذي يفرض نفسه على الواقع هو الذي يتخذ من قيم الدين والقرآن الكريم منهجاً، ويعتمد على الحجة والإقناع لا على القوة والبطش، وهذا ما نشاهده في سيرة كل الأنبياء والرسل والأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، الذين اعتمدوا الكلمة وسيلة هداية، ومما يفسر ويعمق هذا الأسلوب في الإصلاح هو السيرة العملية للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وخليفته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث نلاحظ كثرة اعتماد الرسول صلى الله عليه وآله، على الكلمة، وهو ما يفسر لنا كثرة الخطب والأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث لم ينقل عن أي شخصية تسلمت قيادة الأمة من المقولات التي تعالج فيها الإشكالات كما نقلت عن الرسول صلى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام.

ولعل التشابه بين سيرة الإمام علي عليه السلام، ورسول الله صلى الله عليه وآله، يعمق ويؤكد السبب التاريخي للأزمات التي تمر بها الأمة، وأن التاريخ لا زال حاضراً وحاكماً، وهنا بالذات تكمن رسالة الإعلام الإسلامي، وتتضح صورة القيادة الشرعية التي تبسط العدل وتكرس الحريات العامة وتحرر العقل من أوهام المستبد، يقول علي عليه السلام: «ما كَذْبتُ ولا كُذِّبتُ ولا ضَلَلْتُ ولا ضُلَّ بي». (4)

-------------------

[1] ابن طيفور، أبو الفضل بن أبي طاهر، بلاغات النساء، ص13-14.

[2] هربرت أ.شيللر، المتلاعبون بالعقول، ص7-8، كتاب سلسة عالم المعرفة رقم 243، الإصدار الثاني، ذو القعدة 1419هـ - مارس/ آذار 1999م.

[3] القرآن الكريم، سورة الشعراء/ آية 22.

[4] الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، (نهج البلاغة).


ارسل لصديق