قيمة السجود
كتبه: كريم الموسوي
حرر في: 2013/06/05
القراءات: 1413

السجود؛ أروع صورة من صور الخضوع، ولو لم يكن قد شرعه الله سبحانه وتعالى و أوجبه على عباده لكان حرياً بهم أن يفعلوا ذلك تطوعاً، لما في هذا العمل من قدسية و إجلال، فالمرء يضع أفضل ما في وجوده، وأغلى ما يملك، والعضو الأعلى شأناً وقدراً بين كافة الأعضاء والجوارح، وهي جبهته ويطأطئ بها الى الأرض، خضوعاً لجبار السماوات والارض.

أستغرب من أناسٍ يعبدون الله على حرف، يطأطئوا رؤوسهم وينحنون أمام موظف أو مسؤول حكومي أو ضابط عسكري، بكل مشاعرهم واحاسيسهم، وإذا وقفوا أمام رب العزّة والجلالة، نراهم عاجزين عن السجود إليه من أعماق قلوبهم.

مشكلة الإنسان إنه «ظلوماً جهولاً»، كما يصرّح القرآن الكريم؛ لا يقدّر الأشياء بمقاديرها الصحيحة، ولا يعرف موازين الأشياء، فيعطي القيمة لما لاقيمة له، وكأن غشاوة القلب قد أخذت بمجامع قلبه فهو لا يفقه شيئاً.. فمتى يحين أوان اليقظة؟

بداية الصحوة تكون عندما يلج المرء باب الموت، إلا أن الصحوة الكبرى هي التي تحين يوم القيامة، عندما تتجلى عظمة الله لكل الناس، فتضطرب النفوس، وترتعش القلوب، وتنهدّ الأبدان، وتصطك الأسنان. عندها يدرك المرء أن رب الوجود هو الذي يستحق السجود، وأن هذا الرب الذي يجب أن تُطأطأ له كل الرقاب والرؤوس. وهو بهذا الحال يقرر أن يسجد لله، لكنه لا يستيطع، ولا يطاوعه بدنه، فيأتي النداء: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ». (سورة القلم /42)

لكن لماذا لا يستطيع؟ لأنه ما عرف الله حق قدره، ولم يخضع له بالسجود في الدنيا، «خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ». (سورة القلم /43)

إذن، لابد ان نغتنم فرصة الحياة، لأن يقترب المرء إلى ربه، وليس هناك زمن يقترب فيه المرء من روح الله غير لحظة السجود، فآية السجدة الواجبة التي وردت في سورة العلق تبين هذا الإرتباط العميق بين القرب والسجود. فمن يريد الإقتراب، لا ينقر في صلاته «كنقر الغراب»، بل يتأنّى ويتريث حتى يدرك حقيقة موقفه في هذا المقام، ويفهم مقدار منزلته وهو في هذا الموقع، ويعي ما يقول: «سبحان ربي الأعلى وبحمده»، فهذه الكلمات عظيمة وجليلة لا يجوز لمسلم أن يتلفظها دون أن يعي مدلولاتها.. فما معنى الأعلى؟ وما هو مقدار علوه؟ وما هي الفاصلة التي تفصلنا عنه؟ وهل بالإمكان تحديد الفاصلة بين الإنسان وربه؟

وعلى الرغم من الفاصلة الكبيرة بين مفهوم العلو والدنو بين الله والإنسان، إلا أن البشر بإمكانهم أن يختصروا المسافات ويقتربوا إليه.. إن أسرع سفينة فضائية ليس بمقدورها أن تقربنا من الله مثل السجود. ففي السجود يتنازل المرء عن كل أنانياته. من الكِبر والأنفة، ليلتحق بما أعلى وأسمى، ومن دون أية واسطة، وينزع التفكير في أهله وأبنائه، ويتجرد عن كل ما هو دنيوي ليدخل في واحة حب الله وجماله.

يقول أحدهم: لماذا لا نقدر أن نعبد الله مثل الملائكة..؟ فمنهم من هو راكع منذ آلاف السنين، ومنهم من هو ساجد منذ ملايين السنين.. ولماذا لا يحق لنا نحن البشر أن نفعل مثلهم؟

الإجابة ببساطة؛ أن الإنسان المسلم بمقدوره أن يكون دائم العبادة لله، إذا كان قلبه عامراً بالإيمان، وجوارحه بالعمل الصالح، ولسانه بذكر الله، ويده في سبيل الله، وقدمه في طريق الله، فالجهاد والعمل الصالح ومساعدة الفقراء والكد على العيال، كل ذلك عبادة، بل كل عمل دنيوي أمر به الله تعالى واشتمل على النية الخالصة يمثل عبادة له تعالى، حتى وإن تضمن تحقيق اللذة للإنسان.

لقد رفع الله سبحانه وتعالى من مكانة هذا المخلوق البشري، وجعله فوق الخلائق كلها، عندما أسجدهم له. وهذا هو ما أثار حفيظة إبليس، فكيف يسجد لبشر مخلوق من طين؟ أليس السجود لا يكون إلا لله؟ فلماذا السجود لهذا  الآدمي..؟! ألستُ أفضل منه عبادة وعنصراً؟ فلماذا أسجد لطين؟

هذا التشكيك والإعتراض، هو الذي أخرج إبليس من حياض رحمة الله، وأدخله في زمرة أعدائه، ولهذا قرر الشيطان أن يعمل بجد ومثابرة لكي يسجد الإنسان للإنسان، مثل الموظف والمسؤول والقائد والحاكم.. ربما حتى يثبت أن هذا الإنسان الناكر للجميل والمُشرك بالله لايستحق أن يُسجد له، فما بالك بمن يسجد لعدوه وهو الشيطان؟

بالطبع؛ فالانسان هنا يبرر، بأنه إنما يسجد لهذا وذاك، من أجل أن يحصل على المكاسب و الإمتيازات لتوفير مستلزمات العيش، وقد يتناسى أن الشيطان عدوه، ولن يعده و يمنّيه من اجل جمال عينيه أو من أجل سعادته، بل هو يفعل ذلك للإطاحة به في نار جهنم.


ارسل لصديق