العلاقات بين الآيات
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2013/06/05
القراءات: 2437

اذا اخذت بيدك مسبحةً وتأملتها، فسوف تجد سر الجمال فيها، و هو الترابط التام والتناسق الدقيق بين حباتها، إلا ان هذا التناسق لم يأت اعتباطاً، بل ان هناك خيطاً خفياً يربط جميع الحبّات معاً، ويمحورها حول محور واحد.

هكذا الامر بالنسبة الى الآيات القرآنية، الآية الطويلة الواحدة او مجموعة الآيات القصيرة، او حتى آيات السورة الواحدة، فان هناك علاقة وطيدة – وان كانت خفية – بينها.

وهذا الامر يعالج إشكالية قد تختلج في صدور بعض الباحثين في الشأن القرآني، حيث يتصورون أن هناك حالة من عدم التسلسل او الترابط بين الآيات القرآنية، الامر الذي يتعارض والبلاغة- حسب تصورهم- فالخطيب الماهر هو من يسلسل المواضيع ويجعلها في اطار واحد، أما من يقفز من موضوع الى آخر، كما الطير المتنقل من غصن الى آخر، فانه لا يُعد بليغاً، وكذا المفكر الذي يطرح جميع أفكاره في آن واحد دون وجود تناسق، فانه لا يمتلك من الفصاحة والبلاغة شيئاً، والحال أن القرآن الكريم هو منبع  البلاغة ونهج الفصاحة.

 ولأن القرآن الكريم هو قمة البلاغة والفصاحة، كما هو متفقٌ عليه، فان هؤلاء مالوا الى النظرية القائلة بعدم جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وآله، وعدم وجود ترتيب حقيقي بين الآيات القرآنية في السور، وذلك للتخلّص من إشكالية عدم الترابط «الظاهري» في القرآن الكريم.

إلا اننا في مذهب الإمامية، نعتقد أن القرآن الكريم، قد اكتمل جمعه وترتيبه في حياة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله، عند كتّاب الوحي، كأمير المؤمنين عليه السلام، وكان النبي يهتم شخصياً بوضع الآيات في أماكنها المحددة، حتى أن الآية او السورة كانت تنزل عليه، فكان يقول: «ضعوها في الموضع الذي يذكر كذا وكذا..؟ (1) 

وبناءً على ما سبق نكتشف ضرورة وجود روابط معينة بين آيات القرآن الكريم، او الجُمل في الآية الطويلة، بل وخيط خفي يربط بين آيات السورة الواحدة، وهذا الرأي ما يراه بعض العلماء.

ومن خلال اكتشاف الروابط بين الآيات القرآنية، يمكن لقارئ القرآن الكريم أن يصل الى فهم المعنى الحقيقي لكثير من الآيات التي يتوقف فهمها على إدراك الارتباط بينها وبين آيات اخرى، ومن هنا نجد ان الذين حاولوا فهم القرآن بشكل تجزيئي أخطأوا في فهم الكثير من الآيات.

والفائدة الثانية من معرفة الروابط فهي اكتشاف مفاهيم هامة من مجاميع الآيات القرآنية.

 

* أنواع العلاقات

ان العلاقة بين الآيات على انواع: فقد تكون علاقة السبب بالمسبب.. فبداية الآية يكون سبباً لنهايتها او العكس، او علاقة التكامل بين الجمل الواردة فيها، او علاقة التشابه بين الحقائق المذكورة، او حتى علاقة التفريع، بأن تكون الحقيقة المذكورة متفرعة على الحقيقة السابقة ، الى غير ذلك من انواع العلاقات التي تهدف جميعاً الى ايجاد معنىً متكامل للحقائق.

ويمكن البحث عن العلاقات في :

اولاً: العلاقة بين أجزاء الآية الواحدة، وهذا ما يسمى بـ (فهم الارتباط).

ثانياً: العلاقة بين الآيات وهذا ما يطلق عليه (فهم التسلسل) .

ولابد ان نسجل بعض الملاحظات المنهجية التي ذكرها العلماء في موضوع العلاقات والارتباطات:

1- إن العلاقات في القرآن الكريم تهدف عادةً الى أمرين: أولاهما؛ البناء الفكري والعلمي، بمعنى استهداف بيان حقيقة علمية، وثانيهما، العلاقة التربوية، بمعنى إيجاد حلول لمشاكل تربوية على المستويين الفردي او الاجتماعي.

2- بناءً على النقطة الاولى، فان جوهر عملية البحث في العلاقة هو في استكشاف المشكلة التي تعالجها الآيات، اذ ان القرآن الكريم، كتاب هداية يهدف تقويم السلوك البشري، فقد تعرض الآية لمشكلة حين تصف واقعاً سيئاً، فالمطلوب هو البحث عن المعالجة لها في الآيات، ومثيل هذا حين تعرض لأمر حسن فيبحث عن كيفية توفيره، أما تذكر حلاً ومعالجة ما بالاوامر والنواهي والترغيب والترهيب والسنن العلمية، فيبحث عن موضوع المعالجة، أي ان سر العلاقة هو الهداية في موضوع محدد تتناوله الآيات. ومن هنا فان فهم موضوع المعالجة يسمح بفهم اكثر دقة للعلاج (الوصايا) . ولتوضيح الفكرة نضرب المثال التالي:

حينما تتعرض الآيات القرآنية لبعض السلوكيات الخاطئة بين ابناء المجتمع المؤمن، كالسخرية والتنابز بالالقاب والتجسس والغيبة.. فانها تطرح الحل الشمولي في إدراك سنة الله في الخلق من الاختلاف والتنوع والمعرفة السليمة المتبادلة، قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى‏ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى‏ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَ لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإيمانِ وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُون»‏ (سورة الحجرات /11)، وبيان أن معيار المفاضلة هو التقوى لا شيء آخر.

3- ينطلق البحث مبتدئاً من تحديد (المشكلة) كما سلف، وثانياً تحديد المعطيات المتوفرة بالآية او الآيات، فمثلا نجد ان المشكلة التي تحدثنا عنها «سورة الناس» هي مشكلة «الوسواس» ولذلك فان الاستعاذة من شره يكون بـ (الرب، الملك، الاله). ويمكن للمتدبّر ان يستعين بعاملين في عملية البحث عن الحلول المبثوثة في الكتاب:

أ‌- مراجعة القرآن في العناصر المحددة كمعطيات اساسية.

ب‌- التأمل المقارن للظاهرة في أمثلة مشابهة في الواقع الخارجي، اذ ان لآيات القرآن الكريم اهلاً تطبق عليهم في كل عصر، فآية المتقين لها تطبيق حـيّ، كما لآية الفاسقين. فلابد من البحث عن هؤلاء كلما تدبرنا في القرآن الكريم، وحينها يتحول الكتاب الحكيم الى منهاج عمل. وهذا الامر هو السبب في ان المعاصرين لنزول الوحي كانوا يفقهونه حتى كادوا ان يكونوا أنبياء، من سعة العلم ونضوج الفقه، ذلك أنهم كانوا يتلقون الوحي في حُمّى الاحداث اليومية، ولأن القرآن نزل مع الاحداث يوماً بيوم، وقد علل القرآن الكريم ذاته هذا التقسيط بتثبيت آياته، حيث قال: «وَ قالَ الَّذينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتيلا» (سورة الفرقان /36).

فاذا شئنا ان نفهم الكتاب، فلابد ان نعرض عليه الاحداث اليومية ليكشف عن حقائقها الكامنة.

4- من البحوث الهامة والدقيقة في موضوع العلاقات، هو البحث عن العلاقة بين (المقسم به والمقسم له)، وهذا الامر يستدعي بحثاً عن مفردات القسم والترتيب بينها و محاولة اكتشاف العلاقة بين المقسم به والمقسم له تالياً.

واليك مثالاً تطبيقياً عن العلاقة والارتباط في الآيات القرآنية الكريمة..

قال تعالى : «إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفيها لِتُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى‏ * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى» (سورة طه /15 -16).

فما هي العلاقة بين قوله تعالى «مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها»  وقوله: «اتَّبَعَ هَواهُ»؟

الجواب: انها علاقة سببية، بمعنى : ان اتباع الهوى هو السبب وراء الكفر بيوم القيامة. ان اغلب الذين لا يؤمنون بالآخرة لا ينطلقون في موقفهم هذا من شبهات عقلية، إنما من ميول وشهوات نفسية، فهم يجدون أن الايمان بالآخرة بمعنى الحِجر على أهوائهم الطائشة ولذلك يريحون انفسهم برفض الآخرة من الاساس.

وربما كان في اتيان لفظة (اتبع) بصيغة الماضي، مع ان المعطوف عليه وهو (من لا يؤمن بها) قد أتى بصيغة المضارع، ربما كان في ذلك إشارة الى تقدم مرحلة اتباع الهوى على انكار الآخرة. (2)

---------------------

1- لسان العرب – ج 6 / 242

2- منهج التدبر في القرآن الكريم؛ إعداد هيئة المناهج في دوحة القرآن الكريم ص 120


ارسل لصديق