بدعة هدم المراقد .. الأضرحة المقدسة رموزٌ رسالية
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2013/06/05
القراءات: 1350

قبل الخوض في البحث أحببنا ان نستعرض بعض الاخبار المتناثرة في هذا الصدد:

 

* أعلن الناطق باسم جماعة «انصار الدين» التي تسيطر على شمال مالي، انها ستدمر كل الأضرحة المتواجدة في مدينة تمبكتو.

وقال سانوا ولد بوماما المتحدث باسم هذه الجماعة في اتصال مع وكالة «فرانس برس» إن «أنصار الدين ستدمر كل الأضرحة في المدينة ومن دون استثناء»، وكان قد اشار في وقت سابق بان هذا الامر يتعلق برد على قرار «يونيسكو» بشأن لائحة التراث المعرض للخطر، مضيفاً: أن الجماعة تردّ «باسم الله»!

وقد دمرت هذه الجماعة وتحت هذا الشعار مؤخراً ضريح «ولي سيدي محمود» الذي أدرجته منظمة «يونيسكو» في لائحة التراث العالمي المعرض للخطر.

 

* جاء في أحد مواقع الانترنت، خبر غريب عن قيام شركة سياحية تابعة للمواطن المصري (رامي كلح) بنقل سائحين ايرانيين الى مدينة أسوان، ويقول صاحب الموقع معلقاً: هذا كنت استغربه ولكني لا أعيب على رامي كلح، فهو مسيحي ولا يعرف خطر الشيعة على الدين الاسلامي، أما ما استغربه هو هذا الخبر: «قال الدكتور محمد البرادعي في تغريدة اطلقها على حسابه في تويتر: «كيف ننجح معاً سنة وشيعة، ونتحدث هنا عن منع الايرانيين من زيارة بعض بيوت الله .. ان مصر لن تقوم لها قائمة في غياب العقل وعدم قبول الاخر».

وقد هاجم صاحب الموقع البرادعي بالقول: ان الشيعة يذهبون للحج لاجل زيارة أئمة لهم هناك..! داعياً البرادعي الى عدم التحدّث فيما لا يتخصص فيه من أمور الدين والاكتفاء بالانشغال بالسياسة!

 

* في خضم الصراح بين التيار السلفي والصوفي في مصر، وصف شيخ الازهر، الشيخ احمد الطيب، السلفيين في لقاء جماهيري بانهم «خارجون عن الاسلام»، و أوضح ان «من يحرمون الصلاة في المساجد التي يوجد فيها أضرحة هم اصحاب فكر فاسد، والصلاة ليست باطلة، والا كانت الصلاة في المسجد النبوي باطلة ولبطلت صلواتهم ايضا والمسلمين منذ 1400 عام»، وقال الشيخ الطيب: «ان هؤلاء على استعداد ان يتصالحوا مع نتنياهو ولا يتصالحوا مع السيد البدوي - رضي الله عنه- . فهؤلاء خارجون عن اجماع المسلمين»(1)

 

* قال الشيخ عبد الرزاق المؤنس مساعد وزير الاوقاف السوري السابق: «الفعل الشنيع الذي ارتكبه التكفيريون بحق الصحابي الجليل حجر بن عدي، عملية مذهلة لا يفعلها الا المجانين، وان التاريخ يملك وثائق محققة ومثبتة تؤكد ان الفكر الوهابي نهضت به أولاً المنابع والمولدات اليهودية الصهيونية في الماضي، ثم تبناه الطرف البريطاني.(2)

 

* الأضرحة والفهم الخاطئ

ظاهرة اقامة الأضرحة وزيارة مقامات الاولياء موجودة على امتداد العالم الاسلامي منذ القدم. انطلاقا من الغرب مروراً بمصر وانتهاء بماليزيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.

وكان تعاطي الحوزات العلمية تاريخياً مع هذه الظاهرة -الرمز- وما يزال، تعاطياً مترابطاً ومتشابكاً مع أولويات الدعوة والارشاد والتبليغ الديني، كون هذه المراقد والأضرحة تلتقي و مسلمات النصوص الشرعية التي يؤمن بها المسلمون، لذا كان من المشروع الحديث عن السند القرآني لهذه الظاهرة، لاسيما وان هذه الأضرحة – الرموز أخذت توصم بالشرك عند المذهب حديث النشأة المعروف بالوهابية (السلفية) الذي مثل ظاهرة التدين القشري والاسلام البدوي، ومع وجود الدعم والتمويل الكبير، في ظل الطفرة النفطية، وجد هذا المذهب موطئ قدم له خارج ارضه التي نشأ فيها، ومع بدء الفضائيات، افتتح العديد من المحطات الناطقة باسمه والمبشرة بمعتقداته، ومع بدء عصر شبكة المعلوماتية «الانترنيت»، أنشأ هؤلاء القشريون عشرات المواقع والصفحات التي تبشر بأفكارهم وتطعن بالمذاهب الاسلامية الاخرى.

واذا عرفنا ان ميثاق الدين - الذي هو عقد العبودية بين الله والمؤمنين- هو عقد بيع، فيه باع المؤمن نفسه وما يملك الى الله ، مقابل ثمن هو الجنة، كما يقول تعالى: «ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن اوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم» (سورة التوبة /111)، فان عقد البيعة لله على العبودية، لا تتحقق بصورة مباشرة، فأين الله الذي تتم البيعة معه؟! انما البيع او البيعة تتم عبر وسيط هو الرسول، كما قال تعالى: «إن الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجراً عظيما» (سورة الفتح/10)، فمبايعة الرسول انما هي بيعة لله، فيها تكون يد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، بمنزلة يد الله، وبيعة الرسول هي بيعة لله تعالى، ومن بيعة الرسول تكون البيعة للإمام من أهل بيته عليهم السلام، و أولهم علي بن ابي طالب عليه السلام، لقوله تعالى: «انما وليكم الله ورسوله والذين امنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين امنوا فإن حزب الله هم الغالبون» (سورة المائدة /56)، حيث قاعدة الترتيب تقتضي ان تنتقل الولاية بعد الرسول، للذي آتى الزكاة وهو راكع، التي نزلت باجماع روايات المذاهب، وبلا منازع في الامام امير المؤمنين عليه السلام.

من هنا، فان المؤمن عندما يطوف ببيت الله مؤكداً العبودية وخضوع المحيط الى سلطة المركز، إنما يترجم خضوعه وعبوديته لله تعالى من خلال الطواف بالبيت او الكعبة المشرفة، ومن ثم بالسلطة التي يرأسها الرسول، ثم بقبر الرسول زيارةً، ليقال ان الطواف بقبر الرسول زيارة، إنما هو طاعة وخضوع للرسول، مما يعني ان علاقة العبودية الرابطة بين المؤمن والله، تعني ألوهية الله وربوبيته، لكن علاقة العبودية تلك، تترجم بمعنى آخر في العلاقة بالرسول، عندما تغير العبودية المعنى الذي تفيده في نظام الرق، الذي فيه تقدم العلاقة بين سيد وعبد - مالك ومملوك، فيكون الرسول هنا هو السيد، والمؤمن هو العبد، كما في علاقة «العبد عنترة بسيده شداد، فيقال (عنترة عبد شداد).

هذه العلاقة بين المؤمنين والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، هي التي يؤكدها قوله تعالى: «النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم» (سورة الاحزاب/ 26)، فلا يبلغ المؤمن كمال الايمان حتى يكون الرسول الأكرم والامام من اهل البيت عليهم السلام، أعز عليه من ابيه وامه ونفسه وعياله، ولذلك شاعت عبارة: «بابي وامي ونفسي يا رسول الله..» أي فديتك بابي وامي ونفسي، ومن هذا المنطلق شاعت اسماء مثل: عبد النبي، وعبد الرسول، وبعد علي، وعبد الحسن، وعبد الحسين.. فهي لا تعني عبودية الخالق وانما عبودية الرق، التي تعبر عن مالكية الرسول والائمة من آل البيت لأفراد الامة، فهم اولى بهم من انفسهم، كما يؤكد ذلك الخبر عن الامام الحسين بن علي عليهما السلام: «قال رسول الله لعلي: أنا أولى بالمؤمنين منهم بانفسهم، ثم انت يا علي أولى بالمؤمنين من انفسهم، ثم بعدك الحسن...» الى آخر أئمة الهدى، الامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه، فتقول الرواية: «أئمة ابرار هم مع الحق والحق معهم)، وان هذا التفريق بين عبودية (الخالق) وعبودية (الرق) لم يفهم العقل البدوي، لذلك عدّت هذه الاسماء ضرباً من الشرك!!

 

* «واتخذوا من مقام ابراهيم مصلّى»

وفي هذا السياق، عندما اختزل الحج بمناسكه واقع الارض، فكل الارض حول البيت تطوف به كل عام، وفق نظام يقول على إتباع المحيط البشري لسلطة المركز والاذعان والعبودية لها، فان في ظل هذا التلخيص نلاحظ مقام ابراهيم: (واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) البقرى/ 125، فالمقام الذي قام فيه ابراهيم وهو يقيم القواعد من البيت ويرفع الجدر، اتخذ تكريماً مقاماً يصلي فيه الحاج صلاة الطواف ويتعبد الله عنده، اي انه بعد ان يطوف بالبيت يقف متخذا ابراهيم إماماً بوقوف الحج وراء مقام ابراهيم، فيجعل المصلي مقام ابراهيم أمامه تعبيراً عن الإئتمام بابراهيم الخليل، مما يعني ان خارطة الارض التي أوجزتها رمزية نسك الحج،على تلك الخارطة يقع مقام ابراهيم (مسجداً) تقام عنده الصلاة خالصةً الى الله، وهو ما يؤكد ان التوحيد المتمثل بالتطواف بالبيت، يتم ترجمته مباشرة بعد الطواف من خلال الإئتمام بابراهيم إماماً.

فصار المؤمن بعد التعبير بالطواف عن خضوعه لله، يعبر بالوقوف مصلياً صلاة الطواف مؤتمّاً بمقام ابراهيم تعبيراً عن إئتمامه بهذا النبي العظيم، أو بمن يقوم مقامه من الائمة من آل ابراهيم، فكان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وهو الامام من آل ابراهيم، وكل الائمة من آل محمد هم الائمة من آل ابراهيم، الذين يختمون الحجاج مناسكهم ليترجموها بالالتفاف حول إمام عصرهم من آل ابراهيم، محمد ثم علي بن ابي طالب ثم الحسن ثم الحسين.. الى آخر إمام معصوم، وهذا مصداق قوله تعالى: (ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا اليهم فعل الخيرات واقامة الصلاة وايتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) الانبياء/ 73.

لاحظنا من خلال نسك الحج ان مقام ابراهيم عدّه القرآن الكريم (مصلّى) مما يعني ان ابراهيم وآل ابراهيم، أينما وجدت آثارهم على خارطة العالم يحتاج لان تتحول الى (مقامات).

ولتوضيح هذه الفكرة نقول: ان قوله تعالى: (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى)، (سورة البقرة /125)، مؤول بالنظير: (لنتخذن عليهم مسجداً) الكهف/ 21، يصرف النظير وجه (مقام) الى وجه آخر، هو (مسجد)، وايضاً قوله تعالى: «واتخذوا من مقام ابراهيم مصلّى»، فهذا النظير الاخير مؤول بالنظير المحكم: (ولا تقم على قبره) التوبة/ 84، يصرف النظير وجه (مقام) الى وجه آخر هو (قبر).

واذا ما راجعنا بعض النظائر مثل: (إنها ساءت مستقرا ومقاماً) الفرقان/ 66، (خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً) الفرقان/ 76، يتضح ان القبر يمكن ان يكون حفرة من حفر النار او روضة من رياض الجنة، وهذا هو السند القرآني لحديث الرسول (ص) بهذا الشأن.

فاذا ما جمعنا بين الوجهين، يصبح المعنى، ان قبور المؤمنين هي مساجد، وان هناك امراً باتخاذ مقام ابراهيم مسجداً ومصلى، واذا ما ارجعنا قوله تعالى: (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) البقرة/ 125، الى النظير: (ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليهم) آل عمران/34، او الى النظير: (فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيما)النساء/54، فان بالامكان قراءة الآية قيد البحث بالنسخ إكمالاً، «واتخذوا من مقام ابرهيم وآل ابراهيم مصلى، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم»، واذا ما اخذنا بعين الاعتبار: (لنتخذن عليهم مسجداً) الكهف/21، يمكن القراءة : «واتخذوا من مقام ابراهيم وآل ابراهيم وآل ابراهيم مسجداً ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم»، مما يعني ان الامامة المتوارثة في آل ابرهيم تخولنا اتخاذ تلك القبور مقامات واضرحة، فتقام للانبياء، امثال اسحاق ويعقوب وزكريا ويحيى ومحمد، صلى الله عليه وآله، الذين هم الائمة - الانبياء من آل ابراهيم، كما تقام المقامات لأوصياء النبي الخاتم، كعلي بن ابي طالب والحسن والحسين.. الى آخرهم عليهم السلام الذين هم يعدون نقباء النبي الخاتم، ومن آل ابراهيم – الذين عدتهم، هي عدة نقباء موسى في بني اسرائيل.(4)

في الوقت ذاته، هناك نهي تصرح به الآيات الآنفة، يحظر اقامة الأضرحة للفاسقين والمنافقين، ويدل على ذلك قوله تعالى: (ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا  وهم فاسقون) التوبة/ 84.

من جانب آخر، فان المؤمن سواء عاش على ظهر الارض او انتقل الى باطنها فحكمه حسب تشريعات الاسلام متساوية، فاذا ارتكب احد بحق المؤمن الميت المسجى في قبره جرماً فان عقاب الفاعل كعقاب من ارتكب في حق المؤمن الحي ذلك الجرم سواء بسواء. وتشير الى ذلك الرواية عن الامام الباقر عليه السلام، في حد المرتكب للفاحشة بالمرأة الميتة في قبرها.

بناء على ما تقدم ان الحوزات العلمية وخريجيها اليوم لهم المسؤولية الجسيمة في تبيين حقائق الرمزية الرسالية التي تجسدها الاضرحة والمراقد المقدسة من خلال كتاب الله العزيز وسنة اهل البيت عليهم السلام، ومواجهة الفكر التكفيري وبدعه المتعددة والتي اخذت تسيء الى حقائق الدين وتشوه صورته امام العالم، ومحاولة الابتعاد عن الانجرار وراء الطرح المتشبع  الذي وقع فيه الفكر المتشدد، بل وعرض روح السماحة في معالم الدين وقيمه وركائزه.

------------

1- موقع ايلاف الالكتروني.

2- صفحة رصد للانباء.

3- بحار الانوار: 345/ 31.

4- موقع تأويل الالكتروني.


ارسل لصديق