طلبة الجامعة .. آفاق نحو التقدم العلمي و دور في الإصلاح والبناء
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2013/06/06
القراءات: 1342

مرحلة الشباب تُعد من المراحل الغنية في حياة الانسان، فهي العطاء والقوة والإثارة والاندفاع.. وطالما أوصتنا الروايات الشريفة عن ضرورة اغتنام هذه الفرصة وعدم هدرها.. ففي هذه الفترة يكون أوج نضوج الانسان الذهني وتكامل مشاعره وأحاسيسه، واشتداد عوده ومتانة جسمه، وذلك بعد تجاوز فترة المراهقة والطفولة.

وعندما تلتقي الفتوة اليافعة بدنياً مع الذهنية العلمية القادحة، يكون المجتمع أمام آفاق مستقبلية واسعة تعده بالتطور والتقدم والازدهار على الصُعد كافة، الامر الذي يفرض على الشباب المتعلّم استحقاقات البناء والإعمار، واستخراج الطاقات والكفاءات بما يتناسب مع مكانتهم وقدراتهم.

والحقيقة نقولها: إن الطالب الجامعي في عديد بلادنا الاسلامية يعاني الأمرّين: الأجواء السياسية المشحونة وانعكاساتها على الوضع المعيشي والامني والنفسي، والامر الآخر؛ الاجواء الأكاديمية المتأثرة بالأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة، مما يزيد من التعقيد والضبابية، مما يصعب على الشاب اليافع التطلّع الى المستقبل بنفس ايجابي و روح مطمئنة. والسبب في ذلك عدم وجود إضاءات تساعده على الاختيار الاحسن.

صحيح أن معظم الشباب يجدون في الدراسة الأكاديمية الجسر الذي يضمن لهم الوصول الى القدر الممكن من الاستقرار النفسي والاجتماعي، حيث التوظيف وفرص العمل. لكي يبقى السؤال عن طبيعة هذا العمل الذي يفترض ان يكون ركناً أساساً في البناء والتقدم في البلاد..؟ والأهم؛ السؤال عما اذا كان الشاب الجامعي المتخرج والحامل للشهادة الجامعية، مالكاً لنفسه ولكفاءته العلمية بشكل يجعله يتصرف كيفما شاء؟ أم يكون في خدمة بلده وشعبه؟

 

* لا للتعارض مع الدين

إشكالية العلاقة بين العلم والدين لا وجود لها في بلادنا إذا نظرنا الى المسألة من الزاوية الحضارية، إنما نجدها إذا أخذنا الزاوية السياسية، إذ ان فترة الاستعمار هي التي وهبت لنا هذه الإشكالة وأقحمتها في العقلية الاسلامية لشريحة واسعة من المجتمع، فبعد أن تم حصر الدين في الجوامع والمساجد وعدد من الحوزات العلمية، بات الدين غريباً عن الشخص المتعلّم أو الطالب الجامعي، وبات من الصعب جداً أن يتحدث الطالب أو الاستاذ الجامعي، الى رجل الدين حتى مع إقرار الجميع بأنه في حقيقة الأمر «عالم دين».

لذا على الطالب الجامعي أن يعي المسألة وخلفياتها، ويدرك «أن الدين والعلم طرفا سلّم المجد، وأي خلل في أحدهما يؤدي إلى سقوط السلّم في نهاية المطاف. ذلك أن العلم بلا دين ينتج حضارة بلا روح. ومدنية بلا إنسانية، وتقدماً بلا أخلاق. وهو بمثابة إنقلاب على العلم بالعلم. وقد ورد في الحديث الشريف: «كم من عالم قتله جهله ومعه علمه لا ينفعه». كما أن الدين بلا علم يؤدي إلى تطرف بلا أهداف، وقشرية بلا محتوى، وذلك بمثابة انقلاب على الدين بالدين، فقد ورد في الدعاء: «اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني».

 

* الانفتاح المنتج

على الشباب الجامعي أن «يكونوا روّاداً في الأعمال السياسية، فالمسؤولية جماعية، والمصير واحد، والمواطنون يركبون سفينة واحدة، فأما أن يصل الجميع إلى برّ الأمان، وإلا فلن يصل إليه أحد..»، وهذا ربما يكون محطة تطبيقية قبل المحطة النهائية في المستقبل حيث يتعين على الجامعيين الانخراط في الحياة  واتخاذ كل المواقف والتدابير اللازمة للمشاركة في صنع القرار ودفع البلاد والأمة الى الأمام، فهناك مقولة بأن «الطلبة هم مجرد طلاب دراسة، فلا يحق لهم التدخل في الشؤون العامة.. بينما الحقيقة  إن دور الجامعات في السياسة كدور السوق في الاقتصاد، ومن يريد إغلاق أبواب الجامعة على السياسة، فهو كمن يريد إغلاق أبواب السوق عن  الاقتصاد».

هذا ما يتعلق بالمحيط الأكاديمي، وبإمكان طلبة الجامعة الانفتاح على الساحة الفكرية والثقافية مع الالتزام والاحتفاظ بالأصول والثوابت وعدم التفريط بها، رافعين شعار «لا للإنحلال، ولا للتحجر».

 

* العفّة والخلق الرفيع

الطالب الجامعي والمتعلّم تكون أمامه فرصة الانفتاح على دوائر اجتماعية أوسع من البيت والأسرة، فيصاحب الأصدقاء من جنسه، ويصادف الجنس الآخر خلال فترة الدراسة لسبب أو لآخر، مما يجعله أمام امتحان صعب في تغليب عقله واهتماماته العلمية ومستقبله على ميوله العاطفية، أو ربما الاستسلام للشهوة الجنسية –لا سمح الله-.

أما اذا أقدم الطالب، على مشروع الزواج، فذاك خيرٌ على خير، فانه يضمن التحصيل العلمي والمهنة التي تنتظره في المستقبل، وبموازاتها يكون ضامناً للحياة الأسرية السعيدة والاستقرار النفسي. والحقيقة التي لا تغيب عن الجامعيين؛ أن الطالب أو الطالبة المقدمين على الزواج يحظون بشخصية متميزة بين الآخرين، مع الاخذ بعين الاعتبار اعطاء الأولوية للدراسة والاجتهاد والنتائج الجيدة، قبل التفكير بالمسائل العاطفية.

 

* التربية الدينية

لن يكون الطالب بحاجة الى التربية الدينية أو الإسلامية، كما يعدونه في مناهجنا الدراسية، فهو البالغ العاقل المتوفر على جميع الصفات التي تؤهله لاختيار طريق الصواب بإرادته. فاذا ندعو الى الالتزام بالفرائض العبادية والقيم الدينية والاخلاقية في المراكز الأكاديمية، إنما من أجل ان يعرف الطالب أن العلم والمعرفة من صميم الدين، وأنه أول من دعا الى التعلّم ونبذ الجهل والتخلف، ثم إن تخصيص مكان للصلاة من شأنه أن يوفر فرصة لتنقية النفس وتعزيز الروح المعنوية لدى الشاب، والتثبّت على الإيمان بالله تعالى والتوكل عليه لا على غيره.

والأمر الأهم؛ مطالعة الفكر الديني، الى جانب المطالعات العلمية والأكاديمية، لأن الفكر والثقافة، تمثل هوية الانسان وبوصلة تحركه الحياة، واذا أراد الوصول الى بر النجاة، ما عليه سوى مطالعة سيرة المعصومين عليهم السلام، للتعرف على كيفية التعامل مع التيارات الفكرية والعقائدية، والوقوف على نقاط مضيئة وهامة مثل «الجبر والتفويض» و «القضاء والقدر»، و»التقية»، مما يجعله في مأمن من مهاوي التطرف والتعصّب الديني الذي طالما يُبتلى به البعض في بلادنا، لأن أهل البيت عليهم السلام، لم ينطلقوا في منهجهم السماوي من ردود الافعال بتاتاً، إنما يعكسون الرسالة المحمدية التي جاءت للبناء والإصلاح وتقدم الانسان وسعادته.

 

* القدوة الحسنة

لا يختلف اثنان على أن التدرج في مراقي العلم والمعرفة، لابد من قدوة ورمز يحتذى به، وربما يكون الاستاذ خير قدوة للطالب الجامعي والشاب الذي يشق طريقه في الحياة، وربما يكون شخص آخر يقوم بهذا الدور ويتخذه الشاب نموذجاً للنجاح في الحياة، مثل عالم الدين أو خطيب أو مؤلف بارع أو مصلح اجتماعي وهكذا.

لكن مع صحة كل هذه الخيارات فان الأصح والأكمل القدوة المتكاملة، وهي غير متوفرة إلا في المعصومين الأربعة عشر. لذا دعانا القرآن الكريم لأن نتخذ النبي قدوة لنا: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» (سورة الأحزاب /21). والمعروف أنه كلما ارتفع الانسان في مستوى قدوته، ضمن قدراً كبيراً  من النجاح، فهو لن يكون نظيراً لقدوته وشبيهاً لها تماماً مهما حصل، لذا سيكون أقل منه الى حدٍ ما، من هنا يتوجب على الشاب، بل كل انسان أن يتطلع الى القدوات العظيمة والكبيرة مثل رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين عليهما السلام، والصديقة الزهراء عليه السلام، وهكذا سائر الأئمة الاطهار عليهم السلام، وكذلك الاقتداء بالأصحاب والتابعين الذي مثلوا الإيمان والاخلاص والولاء المحض في حياتهم. ولا بأس أن تكون القدوات لصفات معينة، مثل أن يكون الإمام علي عليه السلام، قدوةً في العدل والتفاني من أجل الإسلام، والإمام الحسن عليه السلام، قدوةً في الصبر والحكمة والكرم، والامام الحسين عليه السلام، قدوةً في الإباء والتضحية والنهضة بوجه الباطل والانحراف، وهكذا سائر الأئمة الاطهار.

-------------

* مقتبس من كتاب «رسالة الى طلبة الجامعات» لسماحة آية الله السيد هادي المدرسي – دام ظله-.


ارسل لصديق