خطاب الفكر المعاصر من منطلق أخلاقي وحضاري
كتبه: الشيخ عبد المجيد فرج الله
حرر في: 2013/06/06
القراءات: 325

أين نلتقي مع الفكر الآخر..؟

سؤالٌ في كلمات معدودة.. إلاّ أنّ جوابه يملأ صفحات عشرات المجلدات، لكن باختصار شديد يمكننا أن نقول: إننا نلتقي مع الآخر - أيّ آخر- في موضوعة «الأخلاق»، إن بمنظور ديني، أو بمنظور فلسفي. و نقول: إنّ في فكر الإسلام أنجح الحلول وأنجع المعالجات وأفضل الرؤى وأنضج الثمرات دينياً وفلسفياً لموضوعة الأخلاق. وكذلك نلتقي مع الفكر الآخر في أن الكون حولنا ليس علبة صغيرة ونحن أعواد الثقاب فيها، بل نتفق جميعاً أننا أصغر من حبة رمل في صحراء تملأ كل الأرجاء.. حبة الرمل الصغيرة هذه هي قاراتنا السبع، والصحراء الواسعة هي بعض الكون..! فقد أجبرت العلوم التخصصية في الكون والفلك، خصوم الإسلام على الإذعان للحقائق العلمية، التي أثبتها دين الإسلام من أن الكون هائل السعة، وأنه في حالة اتساع مستمر، وأصبح الحديث يدور عن السنين الضوئية كوحدة قياس، تقاس بها بعض أبعاد الكون، مما جعل الفكر الإلحادي الذي كان يتعالى بعدم اعترافه بوجود الله، جعله يُذعن الآن أمام حقيقة أن لهذا الكون خالقاً قادراً حكيماً مدبّراً، لأنهم أصبحوا أمام مفترق طرق؛ إما التمسك بوهم جحود الله مع إلغاء العقل، والتقاطع مع العلم.. أو بالإيمان بالله، أو على الأقل احترام فكرة الإيمان بالله تعالى.

أما نحن؛ فنختلف مع الأفكار الأُخرى غير الإسلامية في إشكالية صفات الله «ميتافزيقياً»، لامتلاكنا فكراً وهّاجاً يعطي فهماً راقياً لصفات الله تبارك وتقدّس، من منظور «ميتافزيقي» - ما رواء الطبيعة- ومن منظور أخلاقي، ومن منظور حضاري، وبعلمية جبّارة، لأنّ منشأها إلهي، ووصلتنا عبر عقول جبارة هي تحديداً عقل حبيب الله ومصطفاه الأمجد صلى الله عليه وآله، وعقول سادتنا المعصومين من آل محمد صلى الله وعليه وآله وسلم، التي برهنت لنا أن صفات الله في ذروة الكمال أو مطلقة الكمال، ويبقى الانسان يسعى للتخلّق بها، والتأدب بآداب الله ضمن ما هو متاح له في حركته الإنسانية وكدحه المستمر في مرضاة الله وعمارة الحياة.

وبهذا يتحقق أرقى الأخذ للحياة، وأسعد التعاطي مع الوجود من خلال علاقة الإنسان المستمرة بالحبّ لله وفي الله ومن أجل الله، المثمرة نيةً وعملاً، من خلال ارتباطها بالمثل الإلهي الأعلى، فتتحقق أوضح رؤية، ويتألق أسمى مسار عقائدي وميتافزيقي وأخلاقي وحضاري، وبما يحقق تكريم الإنسان وسموه وسعادته في حياته الدنيا، ومراحل حياته المتعاقبة في البرزخ والمعاد والحساب والخلود الأبدي.

 وهذا كله في متوالية راقية باقية من البهجة التوحيدية الراشحة من العبودية الـمُسعِدة التي يستشعرها الإنسان المؤمن بالله رباً واحداً أحداً فرداً صمداً لم يلد ولم يولد ولم يكن أحد له كفؤاً أو شريكاً. وبذا يكون هذا الإنسان في أمداء تعبدية مع الله الخالق والرازق والحبيب، يخرج بها من نسبيته الـمُحجّمة المقزّمة إلى عوالم القيم المطلقة الناصعة في فهم الإيجاد، ونيل الإسعاد .

من هنا يكون هذا الإنسان المسلم المؤمن المتبع لمدرسة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، والمتنعم بعطاء فكرهم العظيم، واعياً لعلاقة القيم الأخلاقية بالتاريخ. وفي المقابل فإن المذاهب الفلسفية الأُخرى تبقى في حدود دنيا من الفهم، وفي مستوى بسيط من الفكر، حتى تلك التي أكدت على إطلاقية القيم الأخلاقية، لكن مشكلتها أنها تنفي البعد التاريخي للأخلاق، وكذا أيضاً المذاهب الفلسفية التي إنْ أكدت على علاقة القيم بالتاريخ لكنها تنفي إطلاقية القيم الأخلاقية، وإذا اعطتها اعتباراً فلا أكثر من أن تعتبرها مجرد ظواهر اجتماعية وتاريخية.

إننا وبكل فخر نمتلك رؤية سليمة وجميلة؛ مفادها أن سعي الإنسان الدائب والدائم للتقرب من الله أكثر فأكثر، يعني من منظور فلسفي - إسلامي، أنّ القيم الأخلاقية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً وممنهجاً ومثمراً بحركة التاريخ، على المستويين الإنساني والكوني، وبمنظومة دقيقة من العلاقات ذات التأثير المتبادل، تكون فيه هذه القيم النبيلة الـمُسعِدة المطهّرة المقرّبة من الله تبارك وتقدّس هي المحرّكة والدافعة بإسعاد ورفق وحب لهذا الإنسان الواعي الساعي إلى الله بلهفة الحبيب للحبيب: «يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه»، وهو ملاقيه أي ملاقي جزاء الكدح، وهذا فيه أعظم الثواب والجزاء، لكنه أقل شأناً من «ملاقيه»، التي تعني أنه مُلاقٍ ربَّه، برضوان من الله أكبر، كما في الآيتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة من سورة آل عمران: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآب (*) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد»، وأيضاً نجد هذا في «سورة التوبة»، وبما يعطي تساوياً في السعي والجزاء، بين الرجل والمرأة ؛ إذ لا فرق في ذلك بين الرجل المؤمن والمرأة المؤمنة.

تقول الآية الكريمة: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم». إذن؛ فالقيم الأخلاقية لا يكون لها معنى وحقيقة إلاّ بارتباطها بالله تبارك وتقدس، وبما يشكل عطاء ثرّاً في التاريخ، مع ملاحظة أن تاريخنا البشري هو جزء محدود وضيّق جداً من تاريخ الكون، وتواريخ مخلوقات الله في الكون، وأقصد بالتاريخ هذه الثلاثة معاً: تاريخنا البشري، وتواريخ مخلوقات الله في الكون، وتاريخ الكون برمّته.

هذه الرؤية الإسلامية الفريدة للقيم الأخلاقية المرتبطة بالله والمؤثرة في التاريخ، هي رؤية واقعية من جهة، وكونية من جهة، وروحانية من جهة ثالثة. وهذا ما يجعل المُنصف يجزم بمحدودية الرؤية وضبابيتها في فلسفة هيجل التي تذوّب الله في التاريخ، فهيجل يعبر عن الله بالعقل الكوني، هذه الفلسفة فقيرة أمام ثراء العقل والفكر الإسلامي الأصيل، وأقول فلسفة فقيرة، لأنها ترى العقل الكوني واقعاً، ونحن نعلم، أن الواقع ضحل وبسيط وفقير أمام الكون، وأمام عظمة صانع الكون، وهو تبارك وتقدس، صانع الأكوان السعيدة الآتية وخالق كل ما فيها.

فكيف يصير العقل الكوني واقعاً محدوداً جداً وضاجاً بالآلام ؟

لذلك فمحاولات المفكرين والمنظرين الغربيين في إبعاد الأخلاق عن الدين، وتجريد الأخلاق من البعد الغيبي والروحي، إنما هي محض توهمات لا تصمد أمام علم أو عقل أو تاريخ ؛ إذ يعترف كلٌ من العقل والعلم والتاريخ لجهود الأنبياء والأوصياء والأولياء الصالحين ويعترف للديانات الإلهية بأنها هي التي أرست الأخلاق في الوجود الإنساني على هذه الأرض. كما يرى مفكرون كُثر أن أزمة الحضارة المعاصرة هي أزمة قيم بالدرجة الأُولى.

من هنا؛ جديرٌ بخطاب الفكر المعاصر، أن يخرج إلى العالم بخطاب حضاري، ولغة عصرية جميلة ومؤثرة، وأن يبتعد عن الطابع الوعظي غير المؤثر، والتوجيه الإرشادي المباشر، والنَفَس التمجيدي الذي يجهل طريق الوصول الى النفوس والقلوب، فيخاطب العقل والقلب، ويضع التصورات الصحيحة والدقيقة والناجحة لمشاكله وجفافه الروحي العسير.

ويجدر بالمفكرين والمثقفين التوجه في معالجاتهم الفكرية، إلى قلب المعاناة العالمية المشتركة، والتي في طليعتها موضوعة «الانحطاط»، وموضوعة «النهضة السلمية»، وموضوعة «التنمية البشرية»، و «التنمية المستدامة»، وملامسة الهم الإنساني العام، على صعيد الفرد، أو المجتمع، أو الدولة، أو النظام العالمي المنشود. ولابد من تقديم البديل النظري والعملي أولاً؛ قبل الانتقاد.. وهذا يتطلب نهضة مجتمعية تضارع النهضة الفكرية التي نتشرف بالانتماء إليها عبر مدرسة أهل بيت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين .


ارسل لصديق