الولاء لأهل البيت [عليهم السلام..] المواصفات والشروط
كتبه: علي ضميري
حرر في: 2013/06/06
القراءات: 2299

لما كان أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، هم ينبوع النور والخير والهدى والحبل الممدود بين السماء والارض، وهم المرآة الصافية لارادة الله سبحانه وتعالى، فانهم أرادوا للموالين لهم والقائلين بإمامتهم و ولايتهم، أن يُحصنوا دينهم وموالاتهم بأفضل ما يكون، يسبق ذلك إرادتهم في طرد ما هو دخيل وغير نافع عن كيان الموالين؛ العقائدي والسلوكي فيصبحوا سليمي القلب والمعتقد ونزيهي السلوك والخلق.

وقبل الإشارة الى مواصفات وطبيعة هذا التحصّن، ينبغي القول أن أهم ما قد يهدد كيان وعقيدة شيعة أهل البيت عليهم السلام، ان يتجرأ البعض من القائلين بإمامتهم، على الأخذ من مخالفيهم فيما يرتبط بالعقيدة والفكر والسلوك، بل عموم مفردات الثقافة، مهما قل هذا الأخذ أوكثر. ذلك أن قاعدة نبذ الأخذ عن مخالفي أهل البيت عليهم السلام، والامتناع عن تقليدهم، تُعد المفصل الرئيس والعمود الفقري في العقيدة بمذهب الحق؛ وهو مذهب الإمامة الأثني عشرية، شأنها في ذلك شأن مقولة (لا إله) التي تسبق قول (إلا الله) حيث يعني ذلك طرد كل ما هو مخالف للقول بربوبية الله، ثم إثبات وحدانيته جل وعلا.

هذه القاعدة والحقيقة، تسمى «قاعدة البراءة»؛ والبراءة، هي من عقائد المخالفين، ومن أقوالهم و أفعالهم..

وما لم تتحقق هذه البراءة، لن يصدق القول على أحد أنه ينتمي الى التشيع، بشكل خالص لا شائبة فيها.

ولكن، حيث الحديث عن ان المذهب الحق، وان اعتناق هذا المذهب الحق، وان اتباع قادة وأئمة هذا المذهب الحق، كفيل بأن يضمن للانسان سلامة القلب والدخول الى الجنة والخلاص من النار..

فانه يستدعي التخلص من كل ما قد يتسلل الى عقائد وممارسات القائلين بالانتماء لهذا المذهب الحق.

والأدهى من كل هذا وأمر وأخطر، أن يتسلل نوع من النفاق الى قلوب بعض القائلين والمدعين الإنتماء للمذهب الحق مذهب ومدرسة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، فيتصورون ثم يصورون للآخرين على أن ما يأخذونه من مخالفي أهل البيت عليهم السلام صادر عن أهل البيت عليهم السلام.

مثال ذلك إن البعض ممن يدّعون التشيع ينادون بالوحدة مع غير الشيعة تحت طائلة طرد الاستعمار ومحاربة الكفر، مستدلّين في ذلك بقوله تعالى:

«واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا». متجاهلين أو جاهلين بمن وُجه لهم هذا الخطاب الإلهي أولاً، وثانياً يتغافلون عن المعنى المقصود بحبل الله الذي ورد الأمر بالتمسك به..

فهل يعني الاعتصام بحبل الله، الاتحاد والوحدة مع مخالفي أهل البيت عليهم السلام، ولولا أن أعداء القرآن والعترة، يخالفون عقيدة أهل البيت عليهم السلام، في حقيقة التوحيد والعدل والنبوة والامامة وحتى المعاد، ناهيك عن أحكام الدين وفروعه وتفاصيله الفقهية الشرعية، ما كانوا ليُسموا «مخالفين»، ولما سمّاهم الأئمة المعصومين - الذين لا ينطقون عن الهوى والجهل والمصلحة الدنيوية - بالمخالفين لهم .. فعلى مَ تتم الوحدة معهم. وهم الذين لن يرضوا على الشيعة حتى يدخلوا في ملتهم ولعلهم حتى لو دخلوا في ملتهم لم يرضوا عنهم.

ولو عاد المدّعي التشيع الى قول أهل البيت عليهم السلام، في معنى الاعتصام بحبل الله تعالى، لعرف انهم قالوا عن الله تعالى بوجوب التمسك الخالص بأمير المؤمنين علي عليه السلام، والتسليم بولايته الربانية.. وعدم تولّي مخالفي الحق.. ولعل الرافع عقيرته بهذه الوحدة المزعومة، إما أن يكون كاذباً في ادعائه التشيع، أو غير واع لحقيقة التشيع ورؤية المعصومين الى الحياة والدين والمجتمع، أو كونه رجلاً سياسياً انتهازياً يبغي من وراء مدعاه هذا تحقيق مصالح مادية خاصة به وبكيانه، أو لعله قد تلبس عليه مفهوم التقية، حتى راح يتنازل عن دينه وأركان عقيدته على حساب رضا المخالفين عنه.. فكأنه أشد حرصاً من المعصومين على مذهبهم ودينهم..

ألا ترى الى مولانا الامام الرضا عليه السلام يقول:

«شيعتنا: المسلّمون لأمرنا، الآخذون بقولنا، المخالفون لأعدائنا، فمن لم يكن كذلك؛ فليس منا». (وسائل الشيعة - ج27/ ص117)

ويقول مولانا الامام الصادق عليه السلام:

«ان من وافقنا خالف عدونا، ومن وافق عدونا في قول أو عمل؛ فليس منا ولا نحن منه». (فرائد الاصول ج4 - ص122 و (وسائل الشيعة) ج 27، ص119).

ومثل هذين الحديثين الشريفين، الكثير من النصوص الشريفة.. وللقارئ أن يحاكم المدعي للتشيع عن مدى معرفته بأصل التسليم للأئمة المعصومين عليهم السلام ودرجاته، وحقيقة إيحائه بعقيدة الأخذ بقول المعصومين دون مخالفيهم، ليتحقق من مصداقية مدعاه في الانتماء للمذهب الحق.

ان ما يدعو للقلق من اعتماد بعض الشيعة لهكذا نهج، والذي من شأنه أن يهدد الكيان الشيعي بأفراده وجماعاته، هو أنهم لم يقبلوا بقلوبهم على أهل البيت عليهم السلام منذ البداية، أي إنهم لم يحققوا الشرط الأول للانتماء للمعصومين الذين يمثلون بدورهم ارادة الله وتجلّيه، وهو تطهير القلب من أية علائق بأعداء الدين، وهم المنافقون بالدرجة الاولى.. والتعامل مع المعصومين ضمن قاعدة التسليم والذوبان فيهم.

وفي تفسير قوله تعالى: «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه»؛ قال الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام: «لا يجتمع حبنا وحب عدونا في جوف انسان، ان الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه فيحب هذا ويبغض هذا، فاما محبنا فيخلص الحب لنا كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه، فمن أراد أن يعلم حبنا، فليمتحن قلبه، فإن شاركه في حبنا حب عدونا؛ فليس منا ولسنا منه، والله عدوهم وجبرئيل وميكائيل، والله عدو للكافرين» (تأويل الآيات) ج2 ، ص446 و (بحار الأنوار) ج24، ص318.

ويمكن القول؛ إن مشكلة بعض المنتمين الى التشيّع، أنهم اتبعوا طريق العقل والاستنتاج والقياس والتحليل، في حين هنالك فقرة مهمة في الولاء والإيمان، وهو «الغيب»، وهو ما أكده القرآن الكريم في ثالث آية من (سورة البقرة)؛ «الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون»، وقد جعل الإيمان بالغيب من صفات المتقين.

وعلى هذا، ينبغي ان نتخذ جانب الحيطة والحذر من أن يختلط ولاؤنا بالأئمة المعصومين عليهم السلام، مع سلوكيات ومتبنيات تبتعد عن نهجهم وطريقهم. من قبيل ممالاة المخالفين لأهل البيت عليهم السلام، والاجتهاد مقابل النصّ، و إعطاء الذات صلاحية الحكم والتفسير والاستنتاج وفق ظروف ومصالح معينة، دون الرجوع الكلي لثقافة المعصومين، لأن هذا الطريق يحرم الانسان نور أهل البيت عليهم السلام في قلبه، فيبقى الإدعاء بالتشيع اسماً على غير مسماه، وهي بالحقيقة تكون خسارة كبيرة على الانسان، وربما يلحق الضرر بالآخرين.

وقد أثبتت التجارب التاريخية، أن المتنصّل عن فكر وثقافة أهل البيت عليهم السلام، أو المتجاوز على الثوابت والأصول. لن يكسب أي فائدة من الجانب الآخر المخالف، لأنه يبقى عند الآخر، صاحب جذور شيعية، لكن وقعت المشكلة في قدرة الاستيعاب والاستفادة للاغصان والفروع. فيما يشعر هو أنه عاجز أن يكون مثلهم، إلا ان يعلن التخلّي الكامل والانسلاخ، وهو أمر صعب وعسير، وربما يفقد صاحبه الطريقين فلا الى هذا ولا الى ذاك.


ارسل لصديق