أمير المؤمنين [عليه السلام] .. درسٌ في مواجهة المتكبّرين
كتبه: مرتضى الموسوي
حرر في: 2013/06/06
القراءات: 3146

هل الطاغوت يولد، أم يُصنع؟

أحياناً يولد الطاغوت، فهو قبل أن يصبح طاغوتاً متكاملاً فإنه يكون «فرخ» طاغوت..! له كل صفاته ولكن بشكل مصغّر، وفي مجال ضيق.

فإذا ورث أجهزة حكم طاغوت سبقه، وحصل على مؤسسات قمعه، وجلاوزة ظلمه تكتمل عنده ملامح الطاغوت فيمارس دوره كاملاً غير منقوص.

فهو هنا يولد.. لأنه كان يحمل منذ البداية كل صفاته، زائداً مناخه الطبيعي وأدوات حكمه.

وأحياناً يُصنع الطاغوت، وذلك حين تتراكم في المجتمعات ظلمات ثلاث: ظلمة الجهل، وظلمة الذل، وظلمة اللاّمبالاة، فإن الطاغوت يصنع حينئذ على أيدي أولئك الذين سيكونون ضحاياه فيما بعد.

ففي ظل فقدان الثقة بالذات، قد يجتمع بعض مرضى النفوس حول من يجدونه ممثلاً لنـزعاتهم، ومحققاً لآمالهم فيصنعون منه طاغوتاً.. ومع رضى الناس، وتقبلهم يكون كل شيء جهازاً لصناعة الطاغوت.

ومن هنا كانت صناعة الطاغوت على أيدي المتزلفين، وينمو في قلوب الخانعين. ويتربى في أحضان المتقاعسين.

 

* من هم صنّاع الطاغوت؟

وهكذا؛ فإن رحم الاستبداد هو موطن تكوّن الطاغوت الذي يولد. بينما أجواء «الرضى»، واللاّمبالاة، هو موطن تكوّن الطاغوت الذي يصنع.

ولهذا فإن الطاغوت ليس مجرد «شخص»، بل هو «ظاهرة» قابلة للتكرار، بل إنها ظاهرة تتكرر حتماً في المحيط المناسب حيث نجد أن الفراعنة سلالات، كما هو الشأن في ملوك أوروبا، وخلفاء تاريخنا القديم.

وهم إذ يتكررون بفوارق زمنية بسيطة، عندما يسود النفاق بين الناس، خاصة بين من يفترض فيهم النصيحة كالعلماء والمثقفين، حينئذ تغيب التعددية وتُصادر الحريات. وهو إذ يولد، أو يصنع، فليس بين ليلة وضحاها، بل هو نتاج الزمن الأول الذي ظهرت فيه البوادر الاُولى لطغيانه فلم يؤخذ أمره بجدّ مطلوب، ولا تعاون الجميع على الوقوف في وجهه. فيصبح طاغوتاً بكامل المواصفات. فهو يولد، كما يولد غيره على الفطرة، ولكنه يتمرّد عليها فيما بعد، حينما يسلك الطريق الحرام، ولا يجد من يقف في وجهه، ويثنيه عن طغيانه.

وبداية الطغيان هو الكبر.. والاعتزاز بالنفس.. وتحقير الآخرين، فـ «الكبر أن تغمص الناس، وتسفه الحق» (1)، وهو يظهر في البوادر الاُولى على الشخص كطريقة مشيه، أو كلامه مع الناس، وتعامله مع العامة.

وقد مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله على جماعة فقال: على مَ اجتمعتم؟ قالوا: يا رسول الله هذا مجنون يُصرع، فاجتمعنا عليه. فقال صلى الله عليه وآله: ليس هذا بمجنون ولكنه المبتلى.. وأضاف: ألا أخبركم بالمجنون حق الجنون..؟ قالوا: بلى يا رسول الله.. فقال: المتبختر في مشيه، الناظر في عطفيه، المحرّك بمنكبيه، يتمنّى على الله جنّته وهو يعصيه، الذي لا يُؤمن شرّه، ولا يُرجى خيره، فذلك المجنون، وهذا المبتلى. (2)

والناظر في عطفيه؛ بمعنى الذي يدير بعينيه الى الطرف المقابل، دون أن يلتفت بوجهه اليه، وبدلاً من أن يتكلم ويجيب يحرك منكبيه.

فالطغيان هو الشرّ بعينه، والطاغوت هو منبع الفساد كلّه ومن هنا كان الكفر بالطاغوت شرطاً مسبقاً للإيمان بالله، تماماً كما أن طرد الميكروب والتلوّث شرط مسبق للصحة؛ «فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى» (سورة البقرة / 256).

وإن الطغيان يسبب غضب الله «ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي»، (سورة طه / 81).

وكما في الدنيا، كذلك في الآخرة فـ «إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآباً لابثين فيها أحقاباً» (سورة النبأ / 22 – 23).

ولهذا فقد أمرنا الله بالكفر بالطاغوت كما أمرنا بعبادته، يقول تعالى: «اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت» (سورة النحل / 36). ويقول تعالى: «ألم تر إلى الّذين يزعمون أنهم آمنوا بما اُنزل إليك وما اُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطّاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً».  (سورة النساء / 60).

 

* محاربة الطغيان مهما كلف الأمر

لقد كان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، يرفض مهادنة الطغاة، والتغاضي عن المتكبرين، مهما كلّفه من أمر، فكم كان في غنى عن المشاكل، والحروب التي خاضها لو قبل السكوت عن المتكبرين، والتغاضي عنهم..!

قال له عبد الله بن العباس: يا أمير المؤمنين أنا أشير عليك أن تثبت معاوية وحده فإن فيه جرأة، فإن بايع لك فعليَّ أن أقلعه من منـزله.

فقال عليّ: والله لا أعطيه إلاّ السيف.. ثم تمثل بقول الأعشى:

وما ميتة إن متها غير عاجز

بعار إذا ما غالت النفس غولها

فقال عبدالله بن عباس: يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع.. أما والله لئن أطعتني لأصدرنهم بعد وِرْدٍ، ولأتركنهم ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها، في غير نقصان عليك ولا إثم لك..

ولكن الإمام رفض أن يكيد كما يكيد معاوية.

فلما رأى ابن عباس أن الإمام سلام الله عليه، سيعالج المكر بشجاعة الصراحة ونبالتها، ولن يرد على الكيد بالكيد قال له: اطعني، وألحق بمالك بينبع، وأغلق بابك عليك، فإن العرب تجول جولة تضطرب ولا تجد غيرك. فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنّك الناس دم عثمان غداً.

قال الإمام: تشير عليَّ وأرى. فإذا عصيتك فأطعني.

قال: أفعل، إن أيسر ما لك عندي الطاعة.

فقال الإمام: تسير إلى الشام فقد وُلِّيتَها.

فقال ابن عباس: ما هذا برأي، معاوية رجل من بني أمية، وهو ابن عم عثمان وعامله، ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان. وإن أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكم عليَّ لقرابتي منك. إن كل ما حُمل عليك حُمل عليَّ، ولكن اكتب إلى معاوية فمنِّه وعِدْهُ.

فقال الإمام: لا والله لا كان هذا أبداً.

وعزل أميرالمؤمنين عمّال عثمان من الأمصار الاسلامية .. لم يثبِّت منهم سوى أبي موسى الأشعري على الكوفة. فولّى على البصرة عثمان بن حُنَيف الأنصاري، وأخاه سهل بن حنيف الأنصاري على الشام. وقيس ابن سعد بن عبادة الأنصاري على مصر.. ففرح الأنصار بهذا الاختيار.

أما سهل بن حنيف الذي ولاه الإمام على الشام فقد لقيه جماعة من فرسان الشام بتبوك بين وادي القرى والشام، فهددوه بالقتل إن هو دخل الشام، وردّوه إلى المدينة.

فلما عاد إلى المدينة دعا عليّ كبار الصحابة وفيهم طلحة والزبير فقال: إن الأمر الذي كنت أحذركم منه قد وقع.. وإنها فتنة. كالنار، كلما سُعِّرت ازدادت اضطراماً واستثارت.. فقال طلحة والزبير: ائذن لنا نخرج من المدينة، فأما أن نكاثر وإما أن تدعنا. فقال: سأمسك الأمر ما استمسك، فإذا لم أجد بُدّاً فآخر الدواء الكي. (3)

إن مواجهة المتكبرين، واجب شرعي مهما كلّف الأمر، لأن المواجهة وحدها هي التي تنفع معهم، وهي وحدها تمنع المجتمع من نموّ الطغيان فيه.

  وفي ذلك يجب أن لا نهادن، ولا تأخذنا لومة لائم. يقول إمامنا أمير المؤمنين، عليه السلام: «ولعمري، ما عليَّ من قتال من خالف الحق، وخابط الغي من إدهان، ولا إيهان، فاتقوا الله عباد الله، وفرّوا إلى الله من الله، وامضوا في الذي نهجه لكم، وقوموا بما عصبه لكم، فعليّ ضامن لفلجكم آجلاً، إن لم تمنحوه عاجلاً». (4)

نعم إذا كانت «الحياة حق وباطل، ولكل منهما أهل» (5)، كما يقول عليه السلام، فلابدّ أن نعرف رأس الحق، وهو الإيمان بالله. ورأس الباطل وهو الطاغوت.

 

* اعتمد على مؤلفات سماحة

آية الله السيد هادي المدرسي وهي:

1- "أخلاقيات الإمام علي عليه السلام" – ج 1 ، 3.

2- "لكي لا يعود طاغوت جديد".

3- "أخلاقيات الطاغوت".

-----------------

1- بحار الأنوار: ج73 / ص 217.

2- نفس المصدر: ج73 / ص 233.

3- علي إمام المتقين: ج1 / ص 240 – 243

4- النهاية: ج3 / ص 244.

5- غرر الحكم ودرر الكلم: ج3 / 407.


ارسل لصديق