ذكريات رجب الأصب .. التعامل مع الآخر و تحقيق التقدم
كتبه: د. نضير الخزرجي
حرر في: 2013/06/06
القراءات: 1017

إنّ قراءة التاريخ بصورة سليمة ومتأنية تفتح لنا آفاقاً كبيرة لقراءة منهج الآخر في التعامل مع مفردات الحياة إن كان الآخر من المذهب نفسه أو الدين نفسه أو من خارجهما، وذلك في ضوء سيرة الأئمة المعصومين عليهم السلام.

وشهر رجب الأصبّ فرصة طيبة ومباركة لتكون هذه القراءة أكثر نضجاً، خاصة وأنه يضم ذكريات عدة بين الفرح والحزن، منها ذكرى ولادة الإمام محمد بن علي الباقر عليهما السلام، والامام محمد بن علي الجواد عليهما السلام، والإمام أمير المؤمنين عليه السلام، والمبعث النبوي الشريف، وذكرى شهادة الإمام علي ابن محمد الهادي عليه السلام.

إن الأصل في حياة الإنسان هو الفرح والسعادة والحبور وأن يعيش سعيداً في هذه الدنيا، وفي الوقت نفسه يحزن، فإذا تذكر مصيبة أو تذاكرها فهي من باب العبرة والإعتبار لقادم الأيام، وقد جاء النص الشريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: «شيعتنا منّا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا»، فقدّم الفرح على الحزن، ولذا علينا ان نفرح لفرح أهل البيت عليهم السلام، ونحزن لحزنهم، ولا ننسى وظيفتنا في الحياة في البناء والإعمار، فاذا  قامت حياتنا كلها على البكاء لن تبقى فرصة للإعمار والتقدم العلمي. وبالرغم من أن ثورة الامام الحسين عليه السلام، لها طابعها التراجيدي والمأساوي، لكننا نفرح ونسعد بانتصار المظلوم على الظالم، فالامام الحسين عليه السلام، أراد الإصلاح للأمة كما عبر ذلك في خطبته: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد ان آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»، إذن؛ تذكّر واقعة كربلاء والحزن عليها، هو من أجل الإعتبار وتحسين واقع الأمة نحو الأفضل وتخليصها من براثن الجبت والطاغوت، وهذا الأمر بعينه، هو السعادة المبتغاة، وذلك عندما تأخذ الأمة من السيرة الحسينية العَبرَة والعِبرة.

من هنا نعرف أن كل مفصل من مفاصل حياة أهل البيت عليهم السلام، هو درس للمسلمين جميعاً،  وخاصة للذين تتوجه إليهم رسالة الإسلام للتعامل الحسن مع الآخر، وهنالك نماذج مضيئة من سيرتهم العطرة، منها ما خطّه لنا الإمام محمد الباقر عليه السلام، الذي بقر أرض العلم بقراً وأخرج كنوزها، فاستطاع بحسن خلقه وتعامله أن يكسب إليه في قصة طويلة رجلاً من أهل الشام، قد اعترف للإمام الباقر مرة، أنه أبغض أهل الأرض له، وأنه كان يرى طاعة الله و رسوله و أمير المؤمنين (الحاكم) في بغض أهل البيت عليه السلام، كما كسب نصرانياً شتم والدة الإمام بالاستغفار له، ومن ذلك تعامل الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام، مع الحاكم المرواني الأموي في المدينة المنورة عندما انتفض أهل المدينة على يزيد بن معاوية وهو قاتل أبيه الإمام الحسين في كربلاء عام 61هـ، فإنه آوى الأسرة المروانية ومنع أهل المدينة من قتلهم، في حين يُفترض في مثل هذه الحالة أن يثأر الإمام السجاد من قتلة أبيه الحسين عليه السلام، ولكنه يقدم لنا درساً في الأخلاق الإسلامية وأن يعمل كل إنسان بأصله وخلقه، وخلق أهل البيت عليهم السلام، هو خُلق النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، وهو خلق رب العالمين.

وبما أن الإختلاف حقيقة فطرية، علينا أن نتقبل المعارضة السياسية من داخل المذهب الواحد ومن خارجه أيضاً، وعدم الإنجرار وراء الدوائر الظاهرة والخفية التي تعمل على تفكيك لحمة الامة بمعاول الهدم المذهبي والجهل الطائفي، وهذا لا يكون إلا باتباع منهج النبي الأكرم وأهل بيته عليهم السلام في التعامل مع الآخر القائم على القبول والرضا ما لم يرفع الآخر السيف.

* باحث إسلامي - لندن

----------------------

* من ندوة فكرية عقدتها مؤسسة الأبرار الإسلامية بلندن يوم الخميس (16/5/2013م) تحت عنوان: «منهج الأئمة الأطهار عليهم السلام في التعامل مع الآخر»


ارسل لصديق