الشيخ علي هلال الصيّود يتحدث عن المعارف القرآنية، وتكثيف العلاقة بين المجتمع والقرآن الكريم..
القرآن الكريم يقدم رؤية حضارية للإنسان والباحثون ما يزالون بعيدين
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2013/07/11
القراءات: 1435

* الشيخ علي هلال الصيّود .. أحد أبرز الخطباء والباحثين وعلماء الدين في المنطقة الشرقية.

* من مواليد مدينة «سيهات» شرق السعودية عام 1381هـ .

* بدأ مشواره في طلب العلم، في المهجر، حيث بدأ مسيرته في طلب العلم عام 1400هـ من حوزة الإمام القائم – عجل الله فرجه- التي أسسها المرجع المدرسي في طهران، وهناك تتلمذ على أبرز أساتذتها.

* تنقل بين مختلف الدول العربية للعمل التبليغي والدعوي، استقر به المقام لسنوات عديدة في سوريا، للدراسة والتدريس. فشارك في إدارة حوزة الإمام القائم العلمية -عجل الله فرجه- و ترأس إدارتها لمدة عام، ويشرف حالياً على مركز "دوحة القرآن الكريم".

* حضر أبحاث ودروس كبار العلماء في منطقة السيدة زينب عليها السلام منهم: سماحة آية الله الشيخ المحمدي البامياني  دام ظله، سماحة آية الله الشيخ الناصري الأفغاني دام ظله، سماحة آية الله الشيخ المقدس الأفغاني دام ظله،كما حضر أبحاث الخارج على يد أساتذة الفقه:

- سماحة آية الله السيد عباس المدرسي دام ظله.

- سماحة آية الله الشيخ محمد طاهر الخاقاني دام ظله.

* مارس الخطابة، ويعد من أبرز خطباء المنبر الحسيني في المنطقة الشرقية ، حيث تتميز محاضراته بالاهتمام بثقافة القرآن ومعالجة المشاكل الاجتماعية.

-----------------

• رمضان ربيع القرآن انه الواقع والحقيقة.. كيف تجلّت هذه العلاقة، أي بين القرآن وبين شهر رمضان المبارك؟ وما هي أبرز معالمها ؟

 

•  في الواقع قد أثبت النصّ القرآني نزول القرآن الكريم في شهر رمضان، بل في أشرف لياليه كما في (سورة القدر): «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»، وكما في (سورة الدخان). وهذه العلاقة بين القرآن الكريم وبين شهر رمضان، تختصر لنا رؤية الإسلام في بناء الإنسان، ذلك انها تمثل العلاقة بين المعرفة والتربية، و بين التعليم والتزكية، فشهر رمضان المبارك، بما يوفره من تطهير للنفس البشرية، يكوّن الوعي والنفس الطاهرة لاحتضان معارف القرآن الكريم، وبصائره، وبمقدار زكاة النفس يلتقط الانسان من معارف وهدى القرآن وبصائره.

 

• هل نفهم من كلامكم هذا، ان الواقع النفسي للانسان المسلم له دخل كبير في فهم النصّ القرآني ؟

 

• هناك عدة مستويات في علاقة تنمية النفس وتزكيتها، بالتعاطي مع النص القرآني:

المستوى الاول: التسليم و الإنقياد، بمعنى السير خلف الآيات المُحكمة، والتوقف عند الآيات المتشابهة، كما اشارت الى ذلك الآية السابعة من (سورة آل عمران):

«هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ». فكلما كان الانسان مزكياً لنفسه و لذاته، أصبحت عنده حالة الرسوخ في العلم، وهذه الحالة تعني التوقف عند المتشابهات والسير خلف المحكمات من الآيات القرآنية.

المستوى الثاني: الالتزام بحروف القرآن وحقائقه. فالنفس اذا تمردت وطغت، فانها تعبث بأهم المقدسات وهي الكتب السماوية. من هنا فان القرآن الكريم، في الآية المذكورة، وبعد حديثه عن المحكم والمتشابه، يشير الى جذر مشكلة اتباع المتشابهات، وهو «زيغ القلب»، لذا جاء في الآية التالية الدعاء: «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ». إذن؛ هنالك علاقة وطيدة بين زيغ القلب و اتباع المتشابهات وتحريف القرآن الكريم.

وفي مورد آخر، يبين القرآن ان عدم صلاح القلب والنفس يؤدي بالانسان الى تحريف الكتاب، وتأويل معانيه، وفق أهواء الانسان وشهواته كما يقول تعالى: «فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ». وهذا يبين العلاقة بين قساوة القلب وتحريف الكتاب.

المستوى الثالث: فهم النص و وعيه، فتزكية النفس لها الدور الاكبر في فهم النصّ و وعيه، وما لم يتخطّ الانسان المسلم نوازع الذات، سوف يكون دون مستوى فهم الخطاب القرآني، ألم يقل الله عز وجل: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»؟ من هنا وصف القرآن الحكيم المنافقين بانهم «لا يفقهون»، ومن هنا ربطت الآيات القرآنية بين الوصول الى الحقائق (الهدى)، وبين التقوى و الورع، كما قوله تعالى: «هدىً للمتقين»، مع أن القرآن الكريم، هو لجميع الناس، فلماذا قيّد بانه هداية للمتقين؟ ما ذلك إلا لان لتزكية النفس وتربيتها، الدور الكبير للوصول الى الحقائق و إدراكها.

 

• بما ان شهر رمضان يمثل أرضية مناسبة لفهم القرآن الكريم، وذلك من خلال اقتراب الانسان من الله عزّ وجل، ومن الآخرة، والجوانب المعنوية. فشهر رمضان يوفر الأجواء الروحية و المعنوية، وايضاً أرضية لفهم القرآن الكريم، فما هي الخطوات المعرفية و العلمية التي نحن بحاجة اليها في شهر رمضان المبارك، حتى نقترب من فهم القرآن و وعي القرآن الحكيم ؟

 

• كما اشرنا؛ أن شهر رمضان يوفر أرضية لفهم القرآن الحكيم، وذلك انه يساهم في تزكية النفس وتربيتها، ولكن هذا لا يكفي، فنحن في حاجة لخطوات اخرى للاقتراب من القرآن الكريم وفهمه و وعيه، ومن أهم هذه الخطوات التي يحتاجها الانسان المسلم في شهر رمضان، نشير الى خطوتين:

الخطوة الاولى: ضرورة تعلّم لغة القرآن الكريم. وبما إن لكل ثقافة وفكر وعقيدة، لغة خاصة به، فان لغة القرآن التي تعكس وتعبر عن ثقافة الاسلام، وما أنزله الله عز وجل، هي اللغة العربية، من هنا نحن بحاجة، اضافة الى ما يقوم به الناس في شهر رمضان، من تلاوة القرآن وحفظه، الى خطوات جادة من قبل القائمين على المشاريع القرآنية، لتشويق الناس لتعلّم لغة القرآن، ذلك انهم كلما اقتربوا الى لغة القرآن، وهي اللغة العربية، اقتربوا من فهم النص القرآني الكريم، و وعيه.

الخطوة الثانية: نحن بحاجة لأن نبدأ مشروع التدبر في القرآن الحكيم، ونعلم الناس بعض الخطوات الكفيلة للتدبّر، هذا المشروع الذي بدأه منذ عدة عقود، أستاذنا سماحة السيد المرجع المدرسي -حفظه الله- و درسه لمجموعة من طلبة العلوم الدينية، في كربلاء المقدسة، قبل عدة عقود، ثم اصبح منهجاً يُدرس في بعض الحوزات العلمية في مختلف مناطق العالم الاسلامي، وهذا المنهج الذي عُرف بـ (منهج التدبر في القرآن الحكيم)، فيه خطوات عديدة، من الجدير بالناس التعرّف عليها وتعلّم بعض مفردات هذا المنهج، حتى نقترب من فهم القرآن الكريم و وعيه.

 

• حول البحث والعطاء القرآني العام والمتخصص.. ما هي الآفاق التي ترونها ضرورية للعمل باتجاهها ليحقق القرآن الكريم اهدافه، ويعود الاعتقاد الراسخ بشمولية وعمق القرآن وحيويته ؟

 

• المكتبة القرآنية بحاجة الى الكثير من الابحاث والتحقيقات التي تتناسب مع عظمة القرآن الكريم ومنزلته، ابتداءً من منهج المعرفة القرآنية، ومروراً بذات المعارف القرآنية، فعلى صعيد المنهج ما زلنا نكرر ما قدمه العلماء المتقدمون في منهجية تفسير القرآن، إلا الشيء القليل والنزر اليسير من الابحاث والدراسات الجادة. وكذلك الحال، في حقل معارف القرآن وبصائره وهداه، فالطرح القرآني غائب عن المكتبة القرآنية، خُذ مثلاً؛ علم المعرفة والعقائد والثقافة والاجتماع.. كل هذه الموضوعات طرقها القرآن الحكيم، وقدمها ضمن رؤية حضارية يتابع فيها كينونة الانسان وحركته، فيعالج إخفاقات الانسان وينمي فيه الإرادة و يرفع من طموحه. فالقرآن الحكيم لا يعالج موضوع العقيدة بعيداً عن حركة المجتمع، إلا إنا نشهد ما يكتب عن العقيدة، بنفس تجريدي عن الواقع، وحركته، فعندما يبحث عن التوحيد، يقسم التوحيد الى؛ توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الافعال، و يصنف الآيات القرآنية ضمن هذا التقسيم، وهنا تكمن المشكلة في عدم ادراك غايات الطرح القرآني.

 

• بناءً على ما تفضلتم به من الحاجة الى تطوير مناهج معرفة القرآن الكريم، هلّا قدمتم لنا نماذج باتجاه هذا التطوير على أرض الواقع؟

 

• ما قدمته النصوص الروائية الواردة عن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله، و أهل البيت، عليهم السلام، يمكن ان ينطلق منها الانسان لتأسيس منهجية قرآنية رائدة، اذا أحسنّا استثمار هذه الروايات والاحاديث. فقسم يُعتد به من الروايات، تتناول مسائل منهجية في فهم القرآن الحكيم، لكن حتى هذا الوقت، لا توجد دراسات علمية جادة حول ما طرحته النصوص الروائية من مفردات منهجية، مع انها - أي هذه الروايات- بينت أن عملية تفسير القرآن وتأويله والتدبر فيه مرتبط بوعي هذه المفردات المنهجية. وهناك نصوص عديدة وكثيرة جداً في هذا الحقل يمكن مراجعتها، وهي تتحدث وتربط بين فهم القرآن، من محكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه والوصل والفصل، نربط كل ذلك بعملية وعي القرآن ومعارفه.

 

• على صعيد معارف القرآن الكريم.. ما هي المعارف التي ترون ضرورة البحث عنها في هذا الحقل؟

 

• إنه سؤال في غاية الاهمية.. ما يرتبط بمعارف القرآن الكريم، هنالك الكثير من الابحاث التي تحتاج الى المعالجة منها ما يرتبط في فهم العدو، في مختلف شرائحه، كأن يكون من الكفار، أو المشركين، أو المنافقين، و مرتكزاتهم، وافكارهم، واساليبهم، ومخططاتهم، و الآيات التي تناولت العدو، ثم إن الحديث عن الأعداء يشكل ثلث القرآن الكريم، كما عبرت على ذلك النصوص والروايات: «ان ثلث القرآن في عدونا..»، إلا ان هذه الابحاث، رغم اهميتها، وأنها تشكل ثلث القرآن الكريم، إلا انها مهملة، وهنا نتساءل بالحقيقة. هل ان هذه المساحة الكبيرة من الآيات الكريمة في القرآن – وهي الثلث- نزلت حتى تتلى وتُقرأ ؟ أم نزلت لتشكل الوعي والبصيرة عند الانسان المسلم، وليعرف الطرف الآخر، ويعيه، وهو العدو، بل ان المشكلة الاساسية في معاهدنا العلمية، انها تعتقد ان الانشغال في هذه الابحاث وتشخيص العدو، وكل ما يرتبط به من افكار ومرتكزات وخطط وبرامج وما الى ذلك، يقلل من الشأن العلمي للباحث. فهل من المعقول أن ينزل القرآن الحكيم، وفيه مقدار الثلث عن مسألة مهمة، على سبيل الترف..؟!

وهنالك مسألة اخرى بحاجة إلى ان تطرح في معارف القرآن الكريم، و هي قضية (الاتباع)، وما يعرف اليوم بالقيادة، فالدراسات القرآنية في هذا الحقل قليلة، بينما تناول القرآن الكريم هذا الموضوع بشكل مفصل، و أوضح معايير الاتباع، إلا ان ما كُتب حول هذا الموضوع وفق البصائر والرؤى القرآنية، كان قليلاً جداً، مع اعتراف الجميع بان المشكلة الأم في هذه الامة، هي مشكلة القيادة.

 

• وماذا عن النشاطات القرآنية في المنطقة الشرقية من السعودية، وأبرزها «دوحة القرآن الكريم»؟

 

• في الواقع، كان الدافع والأساس لتأسيس المشروع «دوحة القرآن الكريم»، هو التحول الإيجابي الذي شهدته مجتمعاتنا خلال عشر سنوات أو اكثر، على صعيد الثقافة القرآنية، واصبح هنالك تحول في العلاقة مع القرآن الحكيم. في البداية كان التحول الايجابي والمهم جزئياً، وهو في تلاوة القرآن الكريم، وحفظه وتجويده، وهي خطوة مهمة، بل في غاية الاهمية، وبعد النجاح في هذه المرحلة، فكرنا بان يكون هنالك تحوّل أوسع وأشمل، وان لا نكتفي بهذا القدر، فقمنا بإنشاء مركز «دوحة القرآن الحكيم» الذي يهدف في الواقع الى تنمية الوعي القرآني وفهمه، والتدبر فيه، وبحمد الله ومنّه، حتى الآن صدرت مجموعة من الابحاث والدراسات، تمثلت في مجلة «مزن» القرآنية وكذلك عُقدت عدة ندوات وعدة مؤتمرات قرآنية وبدأنا من العام الماضي في حملة التدبر في عموم المنطقة الشرقية، بحيث نقوم بتعليم كافة شرائح المجتمع؛ الصغار والكبار والشباب، ثقافة التدبر وخطوات التدبر في القرآن الحكيم .


ارسل لصديق