عندما يخلع الحكم لباس الأخلاق
كتبه: جعفر ضياء الدين
حرر في: 2013/07/14
القراءات: 1214

يتصور البعض ممن يخوضون عالم السياسة، أفراداً وجماعات، أن الحديث عن الأخلاق والتربية والسلوك، وغيرها من المسائل المعنوية، يجب أن يتم تحت قباب الجوامع والمساجد والمراكز الدينية، لأن عالم السياسة يتطلب المناورة والمساومة والمداهنة وكلما يندرج ضمن «فن الممكن» لتحقيق الهدف والغاية المنشودة. وإن جرى الحديث عن مفردات مثل «حقوق الشعب» أو «التطلعات المستقبلية»، فانها لن تعدو كلمات في لافتات عريضة ترفع هنا وهناك، كشعارات انتخابية أو سياسية للاستهلاك الاعلامي. وإذن؛ فالسياسة؛ علمٌ ومهارة وفن، في عالم خاص به، كما أن «الأخلاق»، علمٌ ايضاً وسلوك وفن، له عالمه الخاص، بل واتباعه وشريحته في المجتمع.

هذه القطيعة غير المحمودة، هي التي خفّضت نسبة الثقة بالساسة في عموم بلادنا الاسلامية، رغم بعض المنجزات الظاهرية، ونظراً للظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي يواجهونها، فهم يصفون المنتقدين لهم أحياناً، بالمناصرين للأعداء، أو «الطابور الخامس»..‍! لكن مع ذلك، يتوقع الساسة في أنظمتهم السياسية المتعددة، وأشكال حكمهم، أن تسايرهم الشعوب وتثني على أعمالهم وتصفق لهم. كما لو أنهم يريدون الناس على شاكلتهم. لذا نرى عدم الحرج في تعيين وتنسيب مدراء ورؤساء وحتى وزراء ومسؤولين إداريين، ممن اعتاد على أخذ الرشوة بمختلف أشكالها و صورها، والمحاباة والتمييز على أساس القرابة والعشيرة والمصالح الشخصية.

هنالك حقائق اجتماعية تغيب دائماً عن اذهان الساسة والخائضين في عالمهم الخاص، وهو أشبه بماكنة كبيرة تترابط أجزائها مع بعض، فكل شيء يتحرك بالاتفاق مع الآخر، في عملية آلية منتظمة، وليس لأي قطعة أو جزء حق التوقف او الاعتراض او التفكير، إنما «نفّذ ثم ناقش»، وأحياناً نرى المصداقية العملية لمبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، في مناسبات وحالات عديدة في هذا البلد أو ذاك. وهم في ذلك يقدمون صورة مشوهة ومقززة لما يدعونه تطبيقاً للديمقراطية، التي يفترض أن يكون الشعب – وفق هذا المفهوم- ذو شأن في صنع القرار وتعيين المصير. ولن نتطرق الى النموذج الماثل أمامنا في الغرب، وكيف أن القيم الأخلاقية السائدة في المجتمع، مثل الصدق والأمانة والمسؤولية، هي التي تحدد بوصلة الحركة السياسية في عموم أنظمة الحكم هناك.. ونبقى في إطار أنظمة الحكم لدينا، علّنا نجد حلاً لأزمة الاخلاق في السياسة والحكم، في بلاد يفترض أنها على تستند على إرث حضاري كبير وضخم.

يقول العلماء: إنّ: «الأخلاق هي مجموعة الكمالات المعنويّة والسّجايا الباطنيّة للإنسان»، وقيل أيضاً: «إنّ الأخلاق أحياناً تُطلق على العمل والسّلوك، الذي ينشأ من الملكات النفسانية للإنسان أيضاً»، فالأولى الأخلاق الصفاتية والثانية السلوكيّة.

ويمكن تعريف الأخلاق من آثارها الخارجيّة أيضاً، حيث يصدر أحياناً من الإنسان فعل إعتباطي ولكن عندما يتكرّر ذلك العمل منه؛ مثل البخل وعدم مساعدة الآخرين، يكون دليلاً على أنّ ذلك الفعل يمدّ جذوره في أعماق روح ذلك الإنسان، تلك الجذور تسمى بالخُلق والأخلاق.

وبذلك يتأكد لنا؛ أن «الأخلاق» تُعد المادة الأساس في ثقافة كل مجتمع، وهوية كل فرد يعيش ضمن المجموع، فمن غير المعقول أن يقبل شخص ما بأن يقال عليه: «خائن» أو «كاذب» أو «مرائي» وغير ذلك من الصفات الأخلاقية الذميمة. بل العكس، يسعى للظهور بما هو حسن ومحبب للنفوس والفطرة، من قبيل الصدق والأمانة والكرم والشجاعة وغيرها من الصفات الحميدة، حتى وإن لم يكن أهلاً لها، أو كان يناقضها في سلوكه وأعماله.

أما في عالم السياسة والحكم، وفي الدوائر الرسمية ومراكز الدولة بشكل عام، لا مجال للإدعاء وتحسين الوجه، فإما السلوك الحسن أو السلوك السيئ. وهنا تحديداً يكون الاستحقاق الأكيد باعتماد منهجية متكاملة لتربية جيل جديد يتبنى الأخلاق الحميدة بكل صدق وإيمان عميق. وهذا ليس من باب الوعظ والإرشاد، إنما هو استحقاق للحكم الصالح ذو الديمومة والاستمرار، لذا نقرأ في وصايا أمير المؤمنين عليه السلام، «يستدل على إدبار الدول بأربع تضييع الأصول و التمسك بالغرور و تقديم الأراذل و تأخير الأفاضل» وقال عليه السلام، ايضاً: «من جعل ملكه خادماً لدينه انقاد له كل سلطان، ومن جعل دينه خادماً لملكه طمع فيه كل إنسان».

وبما إن لكل بناء ثمن وجهد، فان التأسيس للأخلاق الفاضلة والحميدة، ضمن مؤسسة الحكم، يتطلب بذل المزيد من الضغوط والجهود النفسية، إذ إن حسن الخلق يكلّف صاحبه الكثير من التضحيات بالمصالح الشخصية، وكما المثل المعروف «أن الخير يخصّ والشر يعمّ»، فان من السهل تجاهل أداء السلام، أو عدم الإحسان الى الآخرين، أو الكذب وغيرها، فضلاً عما نشهده في الوقت الحاض من تبرير وتسويغ كبيرين للصفات الرذيلة. بينما الالتزام بالصفات الحسنة والاخلاق الحميدة يتطلب تحمل المسؤولية بالدرجة الاولى، ونكران الذات، وهذا إن كانت صعوبته بدرجة قليلة في الاوساط الاجتماعية، فانه على درجة كبيرة من الصعوبة – إن لم نقل الاستحالة- في الاوساط السياسية. لكن ربما تهون المسألة إذا كان ثمة حرص على مستقبل البلد والشعب، كما يسهل الأمر اذا كانت ثمة نية جادة لتطبيق الشعارات الوطنية في بلدان، والشعارات الاسلامية في بلدان أخرى. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وآله، خير معلم وهادٍ، حيث يقول: «إن الله استخلص هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما»، وقال ايضاً: «ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن فلا يعتد بشيء من علمه؛ تقوى تحجزه عن معاصي الله، وحلم يكفّ به السيئة، وخلق يعيش به في الناس».


ارسل لصديق