غيبة الموعود.. ومسؤولية الأمة
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2013/07/14
القراءات: 1211

تعج مسيرة البشرية بمنعطفات كثيرة وخطيرة حتى تكاد النفوس تتلبد بسحب اليأس، وغيوم التشاؤم. هذا التشاؤم وذلك اليأس اللذان بدءا يهيمنان عليها؛ فبات الكمد يقتلها، والضغينة والبغضاء يحيطان بها من كل جانب. كما ان الانسانية قد عميت عن حقيقة وجودها، وسر قدومها الى الحياة الدنيا واستقرارها على هذه الارض. فالهدف الحقيقي والغاية النهائية ليس الإعمار او البحث عن اسباب السعادة والراحة فحسب، بل لابد ان تجتاز هذه الاهداف الثانوية المحدودة الى الهدف الاسمى والاعلى، الى تلك المحطة الابدية والرحيبة حيث رضوان الله تعالى، وفسيح جناته ونعيمه الابدي.

 

* شحنة التفاؤل والأمل

ولكي لا يلين عزم الانسان، ولا تتوقف حركته التكاملية في هذه الحياة؛ بفعل اليأس والتشاؤم، وبسبب المنعطفات الخطيرة، ومن اجل ان يمضي الى الامام باستمرار؛ لابد ان يحدوه الامل، وتغمره الثقة بحلول المستقبل الزاهر الذي تنعدم فيه الويلات والمآسي، وترفرف فيه راية العدل على ربوع العالم. والسبب في ذلك ان الانسان الذي يتغلب عليه اليأس، يصبح عاجزا تماما عن انجاز أي عمل، وعن تحقيق أي هدف؛ بل لا يستطيع ان يقدم شيئا. فاليأس هو قرين الانتحار. والإنسان اليائس هو الذي يُميت نفسه بيديه قبل ان يموت على يد الآخرين، او يموت موتته الطبيعية.

وهنا يُطرح السؤال المهم: ترى ما هو الأمل الذي يجعل البشرية تتحرك، وتنساب الى الامام نابذة وراءها حجب اليأس وسحابات القنوط؟

هنا يجيبنا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، في حديثه المعروف: «لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لطول الله تلك الليلة حتى يملك رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا...» (بحار الانوار، ج51ص84). وهكذا فان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، يريد من خلال بياناته الشريفة في هذا الحديث أن يؤكد لنا ان سنّة ظهور الامام، وتحقق العدالة الالهية، وامتلاء الارض قسطاً وعدلاً، كل ذلك انما يمثل سنّة ثابتة لايمكن ان تتغير، ولابد لها ان تتحقق وتقع. ونحن وحتى يوم الظهور، في حال انتظار لامامنا عجل الله فرجه، حتى يأتي الله بامره.

 

* كيف ننتظر الفرج؟

كثيرة هي الاحاديث التي تطرقت الى موضوع الانتظار، فعن أمير المؤمنين عليه السلام، عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «افضل اعمال امتي انتظار الفرج». (عيون اخبار الرضا، ج2- ص35). وعن أمير المؤمنين عليه السلام: «انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله فان احب الاعمال الى الله عز وجل انتظار الفرج». (البحار، ج52 - ص123). وعن الرسول الأكرم : «سلوا الله من فضله فان الله عز وجل يحب ان يسال وأفضل العبادة انتظار الفرج». (البحار، ج52 -ص122). وعلى ضــــــوء هذه الاحـاديث نتساءل: كيف يكون انتظار الفرج من افضل الاعمال؟ وكيف يكون من أحب الاعمال الى الله تعالى؟ وكيف يكون من افضل العبادة؟

قبل الاجابة على هذه الاسئلة لابد لنا من معرفة معنى انتظار الفرج وحقيقة الانتظار، فهل انتظار الفرج هو الوقوف امام المشاكل والمآسي والمظالم مكتوفي الايدي حتى يتحقق الفرج من قبل الله عز وجل؟ أم ان له معنى آخر، خلاف ما يتصوره البعض خطأ؟

في الحقيقة؛ نستطيع فهم الانتظار من خلال التعامل والفهم العرفي لهذه الكلمة. فالناس حينما ينتظرون قدوم ضيف عزيز عليهم، يبادرون الى تهيئة المكان، وشراء أفضل المأكولات والمشروبات؛ استعداداً لقدومه وتلبية لحاجاته، وليس مجرد وضع  اليد على الاخرى من دون تحريك ساكن، فهذا يكون تجاهلاً للضيف وعدم الاهتمام به، ومن هنا اذا رأينا الاحاديث تتحدث عن فضل الانتظار بانه أحب الاعمال الى الله، وافضلها فهي تعني الانتظار من باب الاستعداد،وتهيئة الارضية لاستقبال الامام، وليس بمعنى السكوت والجمود والخمول؛ وذلك لان الانتظار اذا كان بمعنى السكوت، والوقوف امام المفاسد والمظالم في حالة التفرج الى ان تعمّ العالم كله فهذا لا يعد عملاً وحركة مباركة، بل هو استسلام للواقع المتردي، وتفرج على الوضع المأساوي، وهذا امر مرفوض جملة وتفصيلا؛ لانه كيف يكون مقبولا والاسلام يحرض على الجهاد، ويأمر المسلمين بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة القيام بالعمل الصالح؟ يقول تعالى: «وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ». (سورة التوبة ،105). بل وكيف يرتضي الاسلام السكوت عن ظلم الظالمين، وجولات الفاسقين، وطغيان الطواغيت، في حين ان القرآن يجعل رفض الطاغوت مقدمة لحقيقة الايمان بالله..؟ يقول تعالى: «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لاَ انْفِصامَ لَها وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.» (سورة البقرة ،256)، وهو الآمر في كتابه بوجوب القتال في سبيله، والدفاع عن المستضعفين بقوله: «وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها» (سورة النساء ،75). ومن خلال هذه الآيات وغيرها الكثير يتضح فساد العقلية التي تؤمن بان معنى الانتظار هو السكوت على الجرائم والمظالم، والقبول بالواقع الفاسد، واختيار الصمت المطلق إزاء ما يجري من مظالم ومفاسد.

 

* وظيفتنا في زمن الغيبة

والسؤال هنا: هل ان لنا مسؤولية تجاه ديننا وامامنا في زمن الغيبة أم لا؟ لاشك اننا وفي ضوء معنى الانتظار تكون أمامنا جملة وظائف ومسؤوليات اهمها:

 

* 1- انتظار الفرج

فلولا انتظار الفرج ليئس المؤمنون من جهادهم وعملهم في سبيل الاسلام ورفعة كلمته، ولضاقت صدورهم حين وقوع البلايا والمصائب وتوالي المحن والآلام عليهم. بلى؛ لولا انتظار الفرج لما وثبوا الى ساحات العمل والجهاد والبذل والتضحية بالمال والأنفس في سبيل الله.

ان مجرد انتظار الفرج من شانه ان يخلق الحيوية والنشاط والأمل لدى المؤمن؛ فيحفزه على العمل والنشاط الدؤوب، والبذل وخوض غمار العمل والجهاد.

فنراه ينفق ماله في الخيرات ومشاريع الصلاح ان كان ذا مال، او يجند نفسه وطاقاته ان كان صاحب جسم قوي ونشاط، او يوظف فكره وقابليته ومواهبه في هذا الطريق ان كان ذا ثقافة وعلم و أدب وفن.

 

* 2-التمسك بعلماء الدين

لقد دلنا الامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه، على الطريق الذي يجب ان نسلكه في زمن الغيبة بعد ان أجاب على اسئلة احد الرواة، فعرَّف اتباعه آنذاك في ايام السفراء الاربعة بان الغيبة الصغرى التي كان الناس يتصلون فيها به من خلال هؤلاء السفراء قد انتهت، وان الغيبة الكبرى قد بدأت فقال وهو يجيب هذا السائل: «واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله» . لذلك  فمن مسؤوليتنا في زمن الغيبة ان نرجع الى العلماء الذين يملكون العلم و التقوى والاخلاق. الذين اخلصوا لله ورسوله، ولم يرتبطوا أو يخضعوا لأي سلطان جائر، ولم يتحركوا في خط الانحرافات، سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية، أم ثقافية أم غيرها. فقد ورد عن الامام العسكري (ع): "فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً عَلَى هَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ" (وسائل‏الشيعة، ج10- ص131 ).

إذاً؛ غيبة الامام المنتظر عجل الله فرجه، لم تترك الناس في فراغ، وذلك بوجود حركة العلماء المجتهدين العادلين الاتقياء والمنفتحين على المسؤولية، والذين يتابعون قضايا الناس في كل ما يحتاجونه في ثقافتهم وقضاياهم.

وهؤلاء يجسدون الخط الامامي الذي يمتد من خط النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، حتى آخر الحياة. ومسؤوليتنا اتجاههم هي ان نرتبط بهم، لانهم باعوا انفسهم لله، ويتحملون الأذى في جنبه؛ لذلك علينا ان نعرفهم وننصرهم؛ لان نصرتهم، نصرة للامام عجل الله فرجه.

ونحن كشيعة مؤمنين نعد الامام عجل الله فرجه النموذج الاعلى لنا؛ ولما كان هذا الامام مغيباً عنّا كان علينا الرجوع الى ممثليه الشرعيين، ومن ينوب عنه في غيبته وهم العلماء والفقهاء والمراجع العظام، نتبعهم ونقلدهم ونعمل بوصاياهم على اساس من النيابة او الوكالة؛ فالامام مفروض الطاعة، ولا جدال في طاعته واتباعه، أما الوكيل او النائب عنه، فانه واجب الطاعة ايضاً، ما دام مستقيماً على خط الامام المعصوم ونهجه.

 

* 3- تغير السلوك

والذي أرجوه ان نعاهد الله جل جلاله منذ هذه اللحظة على ان نغير سلوكنا. فقد يغيب عن بالنا او ربما يجهل الكثير منا ان اعماله وسلوكه يطلّع عليها الامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه، في كل يوم وليلة، كما تؤكد على هذه الحقيقة الكثير من الروايات الشريفة.

فان كان صدر منّا خير وصلاح سرّه، وان كان شراً أحزنه.

واذا أردنا ان نفهم معنى هذا السرور او الحزن فلنرجع الى مشاعرنا وأحاسيسنا عندما نلمس المعصية والاساءة من أولادنا، ومن ذلك ندرك احاسيس امامنا ومشاعره تجاهنا نحن كشيعة ندعي ولاءه وحبه ثم نسيء اليه ونحزنه بمعاصينا وانحرافاتنا وتقاعسنا وتبريراتنا..! فليكن سلوكنا سلوك المنتظرين الحقيقيين له، ولنتمثل حقيقة الانتظار؛ فنصلح نفوسنا واخلاقنا وسلوكياتنا، وتعاملنا مع اخواننا الآخرين ونجعلها بالشكل الذي يتطابق مع روح الانتظار. فالانتظار لايتحقق الا اذا كان الفرد جادا في اصلاح نفسه، وتغير ذاته بما يحبه المولى حين قدومه اليه، كما وان الفرد لا يصدق عليه بانه منتظر الا اذا كان جادّاً في اصلاح مجتمعه وأمته.

 

* 4- الاستعداد النفسي والجسمي

لنكن مستعدين نفسياً وجسمياً على الدوام؛ وذلك لان ظهور الامام لايُعرَف أوانه. ومن ذلك نفهم السر في ان بعض العلماء والمراجع يجعلون سيوفهم تحت وسادتهم كي يكونوا مستعدين في أية لحظة عندما يظهر الموعود، فما السيف إلا رمز للاستعداد الجسدي. وبناءً على ذلك، ينبغي ان يكون لدينا استعداد قتالي هو من الضرورات بالنسبة الى الشيعة؛ فيجب على الشيعي ان يكون مهيئاً، مدرباً نشيطاً، ومستعدا للتضحية على طول الخط. بالاضافة الى الاستعداد النفسي بتهذيب الاخلاق ، وهذا ما يجب ان نبنيه في انفسنا ونخلقه في طباعنا وسلوكنا.

 

* 5- الدعاء

ان ساعة الظهور، أمر غيبي حجب عنّا وعن الامام عجل الله فرجه، نفسه، فلا يعلمها إلا الله سبحانه.

فنحن لا ندري هل ستحلّ هذه الساعة بعد شهر او سنة او ربما عشرات أو مئات السنين..؟ فذلك في علم الله وحده.. كما اكدت على ذلك الكثير من الروايات. ولذلك فما على المؤمن المنتظر الا ان يدعو للتعجيل في ظهوره عجل الله فرجه.

وهذه الدعوة يجب الا تكون مجرد ترديد لسان فحسب، بل دعاءً نابعا من الصميم، ومن اعماق القلب الملهوف التواق الى ظهور الفرج، لينعكس ويتجسد في سلوك الداعي واعماله وجهاده الذي يبرهن من خلاله على صدق دعوته وشوقه الى ظهور المهدي، يقول تعالى:

«وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ» (سورة غافر ،60).

فلا يستخفن مؤمن عامل بدعائه، فللدعاء أهميته في تعجيل الله فرجه، و ظهوره، فلا ينسى أحد منّا عندما يفرغ من كل صلاة يؤديها ان يدعو بتعجيل الله الفرج بظهور مهدي أهل البيت عليهم السلام، وهذا ما يجب ان يتخذه كل مؤمن صادق الولاء لأهل بيت العصمة منهاجاً وسيرة.

 

* 6- التبشير بالإمام

أي ان نعمل من الان على التبشير بالامام، وبيان حقيقة الانتظار وفلسفتها، ولنعلم اطفالنا ونعرفهم بالمهدي المنتظر عجل الله فـرجه، وغيبته حسب ما تستوعبه مداركهم، أي ان نستنبط المفاهيم ونقربها الى اذهانهم؛ كي يعوا هذه المفاهيم ويترعرعوا في ظلها شيئاً فشيئاً، فلعل أوان الظهور يكون من نصيبهم وزمانهم، و ذلك يتحقق بوضع برامج مدروسة مثل اصطحابهم الى المساجد والمجالس الحسينية، واشراكهم في الدورات التثقيفية التي تقام في المساجد وغيرها من البرامج المنتشرة في عموم البلاد.

وهكذا فان تعجيل الله الظهور، انما يتم على أيدي اولئك المؤمنين الذين قرروا ان يكونوا مجاهدين حقاً، وان يعقدوا صفقة تجارية رابحة مع ربهم يجاهدون من خلالها بانفسهم واموالهم؛ لينجيهم من العذاب الاليم، ولينالوا رضوانه.

وعلى هذا فليس من الصحيح الاعتقاد بان مسائل غيبية لابد ان تتدخل لتغير مسار الحياة، انما يكون الاعتماد على ارادة الانسان وتحمل مسؤولياته في زمن الغيبة.


ارسل لصديق