آيات الصيام
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2013/07/14
القراءات: 1533

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ((183) أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)

 

(هذه الأسئلة طرحناها، فوجدنا إجابتها في موسوعة تفسير «من هدى القرآن» لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي

"دام ظله الشريف" وتعميماً للفائدة ننشر، في كل عدد، مجموعة من الأسئلة مع أجوبتها المستوحاة من الموسوعة المذكورة مباشرة)

 

* بينات من الآيات

• ماهي أهم بينات آيات الصوم التي وردت في سورة البقرة؟

- المجتمع الاسلامي مجتمع ملتزم مسؤول، تجري الانظمة فيه بحافز داخلي يصفه القرآن الكريم بـ «التقوى» وهذا الوازع يخلقه الايمان بالله، وتنميه طائفة من الواجبات؛ في طليعتها الصوم .

وتتحدث هذه الآيات عن الصيام كافضل وازع نفسي للأمة يحافظ على حدود المجتمع، ويراعي أنظمته .

في البدء، يبين القرآن الكريم فلسفة الصيام، وبعدئذً يبين طائفة من احكامه، ثم يتحدث عن أهمية شهر رمضان المبارك. وبهذه المناسبة يتحدث عن الدعاء، و اخيراً يعود الى احكام الصيام والمحرمات الاساسية (1) خلال هذه الفترة.                                                        

 

 * حرمة المال والمسكن

• الملاحظة، في هذه الآيات المباركة، ان القرآن الكريم يتحدث عن الصيام قبل وبعد الحديث عن حرمة المال (الآيات 183- 188)، فماذا يريد أن يوصينا به من خلال هذا التوجيه ؟

- كأن القرآن الكريم يوصينا بان من اهداف الصيام تحقيق وازع داخلي يحافظ على حرمات المجتمع، و ابرزها حرمة المال. انه يعدل سلوك الفرد تجاه المجتمع حتى لا يعتدي الفرد عليه.

وبهذه المناسبة يتحدث القرآن الكريم عن حرمة المسكن، فيحرم على المسلم ان يتسلق البيوت من ظهورها.

 

* الهدف العظيم

• يدل قول الله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ». على ان الصيام كان مفروضاً في الأديان السابقة، فلماذا جاء فرض هذه العبادة على جميع الأمم ؟

- الصيام واجب ديني في رسالات الله السابقة وحين يكتبه الله علينا [كما كتبه على الامم التي سبقتنا]، فانه لهدف عظيم يعود بالنفع علينا وهو: تقويم سلوكنا وتربية نفوسنا الى التقوى.

 

* التقوى : الإلتزام

• كما هو الحال في كثير من العبادات والشعائر الدينية، فان الهدف من الصيام هو التقوى كما جاء في ذيل الآية المباركة في قوله تعالى: «...لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ». فما المراد بالتقوى بالتحديد؟

- لعل الكلمة التي نستخدمها في أدبنا الحاضر بديلاً عن كلمة التقوى وقريبة من معناها، هي "الالتزام" ولكن إيحاءات كلمة التقوى افضل؛ انها تدل على الالتزام خشية العقاب، والعمل بشيء «اتقاء» شر معين، وبالتالي جعل العمل وسيلة لتجنب الوقوع في التهلكة .

فـ «التقوى»، إذن، هي التزام واعٍ ومفروض على الانسان بسبب الاضرار التي تصيبه ان ترك الالتزام .

 

* إرادة الصائم

• ولكن؛ كيف يمكن خلق حالة التقوى في النفس ؟

- خلق حالة التقوى في النفس لا يتم الا عبر سلسلة من العبادات والشعائر والصيام واحد منها، حيث انه يدرب الانسان على تجنب شهواته برقابة ذاتية، وبذلك ينمي عنده موهبة الارادة، ذلك لان ارادة الانسان - كأية نعمة اخرى عنده- تنمو وتتكامل كلما انتفع بها الانسان ومارسها عملياً. والصائم يمارس اراداته ضد شهواته كلما دعته حاجته الى الطعام والجنس فيرفض تلبية هذه الدعوة بقوة ارادته .

 

* مقاومة الشهوات

• كثير من الناس يحبون أن يصبحوا صالحين، مؤمنين، ملتزمين، بالرغم من انهم قد لا يصرحون بذلك ولكن بعضاً منهم يوفق لذلك، لماذا ؟

- لان هذا البعض – وحده- يملك ارادة قوية. وعلى الانسان ان يربي إرادته ويدربها حتى يستطيع ان يقاوم بها ضغوط الشهوات؛ والصيام واحد من وسائل تربية وتدريب الارادة .

 

* الشهر ليس طويلاً

• نعود الى الآيات المباركات؛ ما الفائدة من قولة تعالى: «أياماً معدودات»، وهو امر مفهوم لان شهر رمضان المبارك أيام معدودات، وهي إما تسعة وعشرون يوماً، أو ثلاثون يوماً؟

- الصيام فُرض خلال شهر واحد، قد يتصوره الانسان طويلاً؛ ولكن يجده - بعد الممارسة وبعد التصميم على الالتزام به- قصيراً. وكذلك كل عمل يتصوره الانسان في البدء عظيماً، ولكنه بعد ان يعزم عليه يصبح سهلاً وخفيفاً. ولذلك كان من افضل وسائل التغلب على الحياة تهوينها، والاستهانة بصعوبتها. و هكذا يصور لنا القرآن الكريم شهر رمضان المبارك، فيقول: "أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ" .

 

* تسهيلات الصيام

• ما هي الاحكام التي تضمنتها تتمة الآية المباركة، وهي قولة تعالى: «...فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ؟

- هنالك تسهيلات في أداء واجب الصيام؛ منها تغيير موعد الصيام بالنسبة للمسافر والمريض وذلك قوله تعالى: «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ».

ومن التسهيلات، أيضاً، الغاء الصيام اختياراً عن كل من لا يطيق الصيام؛ أي: يجهده ويستنفد كل طاقته؛ كالضعيف البنية والشيخ الكبير آنئذٍ؛ يستطيع ان يصوم او ان يبدل الصوم  بـ «الفدية» باطعام مسكين واحد عن كل يوم يفطر فيه؛ وذلك قوله تعالى: «...وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ...»، (2) وقولة تعالى: «...فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا...»، أي: صام بالرغم من المشقّة عليه، «...فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ...» بشرط ان لا يسبب له ضرراً كبيراً، بل مجرد مشقة وحرج،.

والصوم يزكي النفوس، ويربي الارادات ويُهيئ [للصائمين] عند الله جزاءً حسناً؛ وذلك قوله تعالى: «... وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ».

 

* رمضان ... الأجدر

• يقول تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ...». لماذا لا يقع الصوم الا في شهر رمضان المبارك؟ أوليس هناك شهرٌ أفضل منه؟ وما المراد بـ «الهدى»و«البينات»، و «الفرقان»؟

- كلا؛ [ليس هنالك شهر أفضل من شهر رمضان المبارك]، (3) انه شهر يحمل معه ذكرى من أهم ذكريات الامة؛ انها ذكرى ليلة القدر؛ حيث نزل فيها القرآن؛ كتاب الله الكريم .

والقرآن الكريم: «هدى للناس»، أي: بصائر و رؤى للانسان في الحياة. «و»، كذلك «بَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى»، أي: تفاصيل التشريع الاسلامي.

«وَالْفُرْقَانِ» أي: في القرآن الكريم قيمٌ ومقاييس يُميز بها الحق عن الباطل. فشهر رمضان المبارك إذن؛ أجدر الشهور بالصيام.

 

* الاستجابة الارادة الله

• يبدو ان تتمة الآية المباركة وهي قوله تعالى: «...فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»، (4)  تتضمن أيضاً أحكاماً اخرى للصيام ؟ أليس كذلك ؟

- هذا صحيح؛ فقوله تعالى: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» أي: من كان في هذا الشهر حاضراً في بلده، او محل اقامته فعليه ان يصوم، ولا يجوز له ان يصوم في حالة المرض او السفر؛ و ذلك قوله تعالى: «وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»، ذلك لان الله: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»، وعلى الانسان ان يستجيب لارادة الله، ولا يوقع نفسه في الاعمال العسيرة، ومنها الصيام في المرض والسفر .

وقوله تعالى : «وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ»، أي: كل يوم يفوتكم من الصيام، تصومون مثله من ايام اخرى .

وقوله تعالى: «وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ»، أي: تجعلون تعظيمكم لله و انتماءكم اليه أقوى من تعظيمكم لاي شخص او شيء آخر: «وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»، نِعَم الله عليكم من خلال الصيام.

 

* شكر النعيم

• في هذه الآية المباركة جاء ذكر التكبير والشكر؛ فهل من توضيح لذلك ؟

- ان ترويض النفس يساعد على الايمان بالله؛ لان شهوات الدنيا اكبر حاجب بين عقل الانسان ومعرفة الله.

وعن طريق الصيام، يتم خرق هذا الحاجب (ولو بصورة مؤقتة)، و آنئذً؛ يشرق نور الايمان في القلب، ويكبر العبد ربه، ويعرف ان كل تلك النعم العظيمة منه، فيشكره .

كما أن المنع المؤقت لبعض لذات الجسد، سيُعطي له طعماً جديداً يشكر المرء عليها .

 

* الاستغفار ثم الدعاء

• الآية التالية، وهي قوله تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»، تتناول موضوع الدعاء، فما هي علاقة الدعاء بالصيام ؟

- شهر رمضان المبارك مناسبة للدعاء؛ وبهذه المناسبة يستطرد القرآن ليحدثنا عن ضرورة ارتباط الانسان بخالقه عن طريق الدعاء؟ فيقول:

«وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ».

فاذا كانت الدعوة حقيقية ومتجهة الى الله وحده؛ خالصة من الشرك و الرياء؛ فان الله يجيبها لا ريب فيه؛ عاجلاً أم آجلاً.

وعلى العباد – بدورهم- ان يستجيبوا لله ويعملوا بأوامره؛ وذلك قوله تعالى: «فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي»، ليبادلهم الله جزاء الحسنة بعشر امثالها.

واستجابة دعوة الله تبدأ من الايمان به تعالى، فاذا أخلص العبد ايمانه بربه يدعوه ايمانه الى تنفيذ واجبات الله؛ ومن ثم يجيب ربه دعاءه؛ وذلك قوله تعالى: «وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ».

من هنا؛ كانت الدعوات المأثورة متوّجة بالاستغفار لله؛ لان الاستغفار يعيد الانسان الى حضيرة الايمان ومن ثم يجيب الله دعاءه.

--------------

1- يقصد مفطرات الصوم.

2- يطيقونه :من الطوق، والطوق : الطاقة وهي القوة و أطاق الشيْ اذا قوى عليه

 3- روى الصدوق بسند معتبر عن الامام الصادق عليه السلام، عن أبيه امير المؤمنين عليه السلام، قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله، خطب ذات مرة يومٍ فقال: «ايها الناس انه قد أقبل اليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة. شهر هو عند الله افضل الشهور، و ايامه افضل الايام، ولياليه افضل الليالي، وساعاته افضل الساعات ....».

4- عدّة : من العد، بمعنى المعدود .


ارسل لصديق