لنعرّض أنفسنا لشعاع القرآن الكريم
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2013/07/14
القراءات: 887

يعرف الكثير منّا فوائد أشعة الشمس الجميلة في مستهل شروقها، لاسيما في أيام الشتاء، وليس في أيام كهذه من الصيف القائظ..! فيندفع نحوها، ويعرّض نفسها لها ليكتسب منها ما يعتقده علمياً بالفوائد الجليّة على جسمه وعظامه، كونها تحمل اليه مجاناً، وبلا كثير عناء، «فيتامين دي»، لكن للأسف تغيب عن هذا الكثير، الفوائد المعنوية للإنسان التي بامكانه اكتسابها من مصادر ربانية – كما هو الحال بالنسبة لنعمة الشمس – وتترك تأثيرها الكبير والعميق في النفس والروح، وايضاً السلوك العملي.. إنها واحة القرآن الكريم في أيام شهر رمضان المبارك، والحديث الشريف نصب أعيننا دائماً: «رمضان ربيع القرآن».

ربما يشعر البعض أنه لم يشعر بنسمات أيام وليالي شهر رمضان تسري في نفسه وقلبه، فيلقي اللوم على الأجواء الظاهرية على سطح المنطقة التي يسكنها، ثم المدينة ثم البلد الذي يعيش ضمن حدوده، فلا مجالس أو برامج دينية، أو محافل القرآن الكريم، لكن تغيب عنّا حقيقة أن هذه النسمات، كما أشعة الشمس المفيدة، لن تأتينا ونحن على فراش النوم، وبين جدران البيوت. إنما يحتاج الأمر الى مزيد من الاقتراب، بل والتقرّب أكثر للتعرض الى تلك النسمات والنفحات الروحانية حتى يتحقق ما نريده، وهو تلمّس وتحسس النسمات في الروح وفي شغاف القلب، فتتكون التفاعلات الداخلية في كوامن الانسان، فتنتج سلوكاً مهذباً وعقلاً مضيئاً مبدعاً وروحاً شفافة تجتذب الحب والخير. وهذا لن يكون، إلا بخطوتين أساس: الأولى: إعداد الأرضية الصالحة لاستقبال النفحات والنسمات الروحانية للقرآن الكريم، والخطوة الثانية: إعادة النظر في الأخلاق والسلوك العملي، حتى لا يحصل التقاطع والتناقض بين القاعدة الأرضية للنفس، وبين النازل من بركات السماء..

وبطبيعة الحال، فان كل انسان له خصوصياته وطباعه وقناعاته، وهذه حقيقة إنسانية يقرّها الاسلام في القرآن الكريم حيث تقول الآية الكريمة: «وخلقناكم أطواراً»، وهذا معترف به، بل هو ظاهرة صحية ومفيدة عندما تكون ضمن إطار القيم والمبادئ المقدسة، والتي لن تأتي للإنسان بالتناقضات والمغالطات، لذا اذا تصور البعض أن بالامكان التوفيق بين ما يحمله من طباع وخصال نفسية، وما يتصف به من سلوك اجتماعي، وبين ما يريد أن يتلقاه من النفحات القرآنية في شهر رمضان المبارك، فانه بالحقيقة يقحم نفسه في خضم التناقضات، بل سيكوّن لنفسه حالة من «الانفصام» – لا سمح الله- من حيث لا يريد، وبما أن قيم الحق والفضيلة والمفاهيم الدينية والإنسانية واضحة وناصعة لاتقبل التحوير والتزييف، فان الناس - ومن حيث الفطرة- سيكتشفون التناقض بين الماء الزلال النازل من السماء، وبين الأرض السبخة التي لا تستفيد ولاتنبت زرعاً من هذا الخير الكثير.. وهذا بحد ذاته من شأنه ان يحدث خـــللاً وإرباكاً في الأجواء الرمضانية، التي من المرجو أن تلتــقي فيها النفحات الايمانية والقرآنية مع أكبر مساحة ممكنة على الأرض.

إن إصلاح الأرضـــــــية النفسية وتقويم السلوك، من شأنه أن يعبد الطريق أمام الانسان لأن يشارك في أي محفل قرآني يسمع منه صوت التلاوة العطرة لآيات الذكر الحكيم، لا أن يتصفح وجوه المتحلّقين في المسجد أو الحسينية أو أي مكان آخر، ويرى أنهم بأعمار صغيرة، فيجتاز المكان بهدوء، كما لو أنه يبتعد عن شيء لا يليق به وليس من شأنه، نعم؛ ربما ينضمّ الى حلقات تلاوة أو مراكز دينية له صلات بها، ربما من الناحية العمرية، أو من ناحية العلاقات الشخصية أو المهنية او غير ذلك، مما يمكن أن يزيد الفاصلة بينه وبين القرآن الكريم، الذي هو كالغيث النازل من السماء على كل بقعة من الأرض، ولا يمكن تصوره خاصاً لأحد، أو ان بامكان البعض احتكاره لنفسه. فالذكي من يفكر في الكسب من القرآن الكريم، المعاني والدلالات والعبر والدروس لنفسه وروحه، لا أن يبقى حبيس صفاته وخصاله التي ربما ترسبت وتكلّست بفعل الأشهر الأحد عشر الماضية.


ارسل لصديق