الاستدلال من سياق الآيات الكريمة
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2013/07/14
القراءات: 1328

إن فهمك مراد المتحدث من حديثه، يسهّل عليك معرفة معاني كلماته، ومكانتها من ذلك الهدف المنشود، كما ان ذلك يسهم في استيعابك لمراده وغايته من الحديث.

كذلك الامر بالنسبة الى الآيات والسور القرآنية، فان كل آية مضمومة الى إخوتها، تهدف الى معالجة أمر أو تأسيس آخر، لذلك تتحد في غايتها ومحتواها، وهكذا كانت السور تحمل هدفاً تختص به دون سائر السور القرآنية وان اشتركت مع سائر السور في الغاية العليا والهدف الاساس، ومن هنا فان للسورة الواحدة محوراً اساسياً يكون محله محل القطب من الرحى تدور حوله مجمل الآيات والبحوث الواردة في السورة.

ويعتمد هذا الامر – أعني معرفة الاطار العام- على (توقيفية السورة) في نظم آياتها، إذ إن جمع القرآن الكريم كان ايضاً وحياً من الله عزوجل، كما هو الحال في تنزيل الآية، فلا يتصور ان الآية في سورة الاعراف – مثلاً- لابد لها ان تكون في سورة الاحزاب، او غير ذلك، بل ان الآيات قد رتبت في اماكنها بأمر من الله عزوجل.

وان بحث المتدبّر عن السياق الموجود في مجموعة من الآيات، والاطار العام الذي تدور حوله آيات السورة الواحدة، يمهّد له الطريق في فهم أمرين :

الأول: الوصول الى ذلك الهدف الذي ترومه السورة من خلال معرفة الروابط الدقيقة بين الافكار التي قد تبدو غير مرتبطة ببعضها البعض في السورة، وذلك لأن وظيفة القرآن الكريم هي الهداية، ولذلك فانها لا تتبع الاسلوب التعليمي في بيان الموضوع الواحد والاقتصار عليه، بل تتبع السور القرآنية الاسلوب التوجيهي، بمعنى انها تعالج موضوعاً ما، فتتعدد الافكار وتتنوع من شتى العلوم ما دامت تحقق الغرض ذاته، وبعبارة: أن التشتت الظاهري في موضوع السورة يزول لدى المتأمل اذا عرف حكمة السورة (السياق – والاطار العام)، فقد تبدو الفكرة غير متناسبة وسائر الافكار، إلا ان فهم السياق العام يرفع هذا الوهم.

الثاني: الفهم الدقيق للافكار الجزئية ومعرفة الروابط بينها، فيساهم الامر في فهم أعمق للآية الواحدة.

وقبل ان نبدأ بالخطوات العملية في معرفة الاطار العام للسورة، لابد ان نسجل ملاحظتين منهجيتين:

الاولى : ليس من الحتم ان يعرف الانسان الاطار العام للسورة، فقد يصل الباحث الى معرفة الاطار، وقد لا يصل الى معرفته، ولذلك على الباحث ان لا يتعجل في فرض اطار عام للسورة، بل عليه ان يفرغ جهده في محاولته لفهم المحور الاساس للسورة.

الثانية: قد يكون الهدف الاساس في السورة متمثلاً في آية واحدة منها، وتكون سائر الآيات بمثابة تمهيدات  للوصول الى تلك الفكرة الاساسية، او تكون الآيات الاخرى موضحةً لهذه الفكرة والحقيقة، فمثلاً نجد ان المحور الاساس لسورة الذاريات هو قوله تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون* ما أُريدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُريدُ أَنْ يُطْعِمُون‏* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتين‏» (سورة الذاريات /56-58)، فان الآيات الاخرى تمهد للوصول الى هذه الحقيقة وتوضحها من خلال بيان قدرة الله عزوجل وعظمته و آياته في خلقه و مننه على الانسان وغير ذلك.

وكذلك فان سورة السجدة، تتمحور حول محور الفصل بين الحق والباطل، وذلك يتمثل في الآية الثامنة عشرة حيث يقول تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُون‏»، وسائر آيات هذه السورة توضح هذه الفكرة وتمهد لها.

 

* خطوات في معرفة السياق

لمعرفة الاطار العام للسورة طريقتان، تحوي كل واحدة منها على خطوات، ولا يخفى أن الطريقتين ليس بينهما تعارض او تقاطع، بل تكمل إحداهما الاخرى، مع الاشتراك في بعض الجوانب، وفيما يلي بيانٌ موجز للطريقتين بخطواتهما:

الطريقة الاولى: الاستقراء (1)، وخطوات هذه الطريقة:

الخطوة الاولى: قراءة السورة في أماكن متعددة، ولكن ليس بالترتيل، بل قراءة سريعة نوعاً ما مع التركيز على فهم الآيات، على ان تكون القراءة لكل السورة واكثر من مرة.

والفرق بين القراءة المنشودة وبين القراءة البطيئة، ان الثانية قد تنسي الانسان ما لاحظه في الآيات السابقة، أما الاولى فتبقي تلك الافكار، شريطة ان يمتلك المتدبر القدرة على الملاحظة والتتبع والتقاط الافكار والملاحظات العامة.

الخطوة الثانية: بعد ذلك يتم دراسة الافكار الرئيسية في السورة، حيث يتم تحديدها في عملية الاستقراء، ومحاولة التعرف على الذي يجمعها من اطار او موضوع، ومن المفيد وضع عنوان لكل مقطع، وجوهر عملية التفكير هنا هو ذات ما نصنعه في معرفة العلاقات – الذي ذكرناه في العدد السابق-.

الخطوة الثالثة: الاستعانة بالعوامل المساعدة، مثل روايات فضل السورة، وكذلك معرفة ما اذا كانت السورة «مكيّة» او «مدنية»، وبدايات السور ونهاياتها، اذ ان بدايات السور تكون بمثابة المفاتيح، ونهاياتها تلخيص لعبرة السورة.

الطريقة الثانية: وتتضمن مراحل عدة:

المرحلة الاولى: التدبر في الكلمة الواحدة في الآية، ثم  التدبر في الآية، ومن ثم في سياق مجموعة من الآيات.

المرحلة الثانية: جمع التدبرات التي تحصل من خلال مجموع السياقات الموجودة في السورة الواحدة، ونحاول كشف الاطار العام لهذه السورة.

هذا بالاضافة الى التدبر في الروايات الواردة في السورة، وكذلك اسماء السورة، حيث يهتدي المتدبر من خلال اسم السورة الى نوع من الفهم للاطار العام للسورة.

وقد صنّف السيد الوالد – السيد المرجع المدرسي حفظه الله- كتاباً في هذا المجال اسماه «مقاصد السور القرآنية»، جمع فيه ما توصل اليه في الاطار العام للسور القرآنية.

 

* نموذج من الاطار العام

ولتتضح الصورة فانّا نذكر فيما يلي، الموضوعات التي تمحورت «سورة الصف» حولها، ونستخرج منها الاطار العام للسورة، ومن خلال قراءة السورة يتمكن القارئ من معرفة دقيقة لما سنذكره فيما يلي:

1- «سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ». (الآية 1)

2- «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ». (الآية 2)

3-  «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ». (الآية 4)

4-  الأذى الذي تعرض له نبي الله  موسى  عليه السلام، على يد قومه، «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ». (الآية 5)

5-  اتهام  نبي الله عيسى، عليه السلام،  بالسحر، «وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ». (الآية 6)

6- «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ». (الآية 7)، فهل ترى أظلم منهم..؟! ويبدو أن هذه الآية ترتبط بما قبلها تتحدث عن أهل الكتاب، إذ افتروا على الله وقالوا عن رسلهم ما لم يقولوا به، علما أنهم كذبوهم، ولو لم يكذبوهم ما افتروا على الله كذباً.

7- «يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الّذِيَ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىَ وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّه وَلَوْ كَرِه الْمُشْرِكُونَ». (الآية 8-9)

8-   حثّ الله المؤمنين على التجارة معه بأن يقاتلوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم، وأن لهم أن يحصلوا على غفران الذنوب منه تعالى، ويدخلهم الجنات، وينصرهم. «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ». (الآية 10-11)

9- لما آمن الحواريون بعيسى كفرت طائفة أخرى، فأيد الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين.

ومن هذه السورة يتبين أن موضوعها يتحدث عن الإيمان، والحق، والالتزام بالإيمان قولا وعملاً، وتصديق الرسول، والجهاد من أجله. وعموماً فإن السورة تتحدث عن الإيمان الحق بالرسول والتصديق به والجهاد معه قولاً وفعلاً، والتشنيع على من يدعي الايمان دون تطبيق لما يقتضيه.

---------------

1- راجع، منهج التدبر في القرآن الكريم، إعداد: لجنة المناهج في دوحة القرآن الكريم: ص124.


ارسل لصديق