(بيّنات من فقه القرآن) .. منهجية جديدة في عالم التفسير (1-2)
كتبه: سماحة السيد محمود الموسوي
حرر في: 2013/07/15
القراءات: 1973

بصدور كتاب «بيّنات من فقه القرآن» للمرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله- في عام 1431هـ أضيفت للمنهجيات القرآنية في التفسير، منهجية جديدة، يمكن وصفها بالنضج والعمق والتقدّم خطوات نحو المزيد من المعرفة القرآنية.

لا يمكن أن نكتشف كتاب «بينات من فقه القرآن»، بشكل مستوعب إلا إذا سلطنا الضوء على تفسير «من هدى القرآن»، للسيد المرجع، فقد صدر هذا التفسير بأجزائه الثلاثين، في ثمانية عشر مجلداً قبل ما يقارب الثلاثين عاماً، و صدر بترجمته الفارسية ايضاً، ومن ثم صدر بحلة جديدة في العام 1430هـ في اثني عشر مجلداً بإضافة مجلد كدليل مفهرس لموضوعات التفسير.

سماحة المؤلف؛ هو فقيه قرآني متبحّر، فلا تكاد ترى كتاباً من مؤلفاته إلا ويمكنك أن تعدّه تفسيراً موضوعياً، ولكنه جرى في تفسير «من هدى القرآن» مجرى التفاسير السائدة التي فسرت القرآن الكريم من بداية آياته وحتى نهايتها بحسب ترتيب المصحف الشريف، وقد اعتمد منهجية «التدبر في القرآن» التي وضع أسسها ومنهجيتها في كتاب تحت عنوان: «بحوث في القرآن الحكيم»، واشتملت مقدمة التفسير على تلك المنهجية الرائدة، والتي بفعلها أصبح التفسير يلقي بظلاله على النفس تربوياً ورسالياً، حيث سلط الضوء على الأبعاد التربوية والإصلاحية والرسالية في الآيات المباركة، للوصول إلى صياغة الفكر الرسالي والمجتمع الرسالي والشخصية الرسالية.

منهجية تفسير «من هدى القرآن» اعتمدت على مبدأ الوحدة الموضوعية للسورة، بحيث يحدد «الإطار العام» للسورة، ثم يسعى لتقسيمها إلى مواضيع متعددة، وهي بدورها تتصل في ما بينها بصلة موضوعية، ويلقي الضوء في بداية كل قسم على الموضوع بشكل عام، ثم يشرع في التفصيل مستنطقاً الآيات بشكل مباشر.

هذه هي المنهجية العامة ولسنا بصدد الحديث عن الخصائص التفصيلية لتفسير من هدى القرآن الكريم، ولكنها إطلالة سريعة لنعي موضوعية المنهجية الجديدة في كتاب «بينات من فقه القرآن».

«بينات من فقه القرآن» الذي صدر منه أربعة أجزاء غير مرتبة حسب الترتيب القرآني، فقد احتوى أحد مجلداته على تفسير «سورة النور» في (258) صفحة، واحتوى آخر على تفسير «سورة لقمان» في (308) صفحات، والمجلد الذي يليه اختص بـ»سورة الفرقان» في (318) صفحة، وهو يصدر متوالياً، وهو عبارة عن مشروع لتفسير جديد للقرآن الكريم، ولعل أول ما يمكن أن يطرأ من تساؤل على الذهن ونحن نقف أمام هذا الإصدار، هو: ما الذي يميّز التفسير الجديد عن التفسير السابق له؟

الإجابة على هذا التساؤل هي التي ستعرّفنا على الكتاب بوضوح أكبر.

فالكتاب ليس هو تكراراً للتفسير السابق، ولا تكراراً للمنهجية، ولا تكراراً للمقاصد، فهناك اختلاف في كل تلك الجوانب مع التجربة السابقة، فالمطلع عليه يجد أن المؤلف اتبع منهجية جديدة، هي منهجية إضافية تمكّن المفسِّر من الغوص في تخوم الآيات المباركة للنهل من بصائرها بشكل أعمق، فبعد أن مارس المرجع المدرسي عملية تفسير القرآن في تجربة «من هدى القرآن»، جعل محور أحاديثه في الفلسفة والفقه والأصول والمجتمع والسياسة، هي آيات القرآن الكريم، كما ذكر في مقدمة الكتاب المختص بسورة النور، وهو بذلك يتقدّم في التعمق في القرآن الكريم، ويقول في مقدمة الكتاب: «ولا زلت في الخطوة الأولى من طريق ممتد لا ينتهي، وأعتقد جازماً أن المسافة بيننا وبين كتاب ربنا تتوسع، أوليس فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وأن علينا أن نكدح إلى ربنا كدحاً لنلاقيه، وقد تقترب منه بفضله ولكن لن نصل إليه، لأننا نحن المخلوقون وهو ربنا تعالى الخالق».

 

* خصائص المنهجية

1/ الناحية الموضوعية

من ناحية موضوعية وكهدف منهجي يتوخاه تفسير «بينات من فقه القرآن»، يتلخّص في بعدين أساسيين: البعد الأول هو تفسير الواقع بالقرآن الكريم، والثاني استنباط السنن والأحكام الدالة على بناء الواقع الأمثل.

أ/ تفسير الواقع بالقرآن

لقد كان دأب المفسرين في رحلة البحث التفسيري إلى استكشاف كنه النص القرآني وتفسير مفرداته حيناً، وحيناً آخر إلى تفسير المقصود من الحدث الذي يعرضه القرآن كالقصة والمثل والحُكم، من خلال بحث المفردات وبحث المفاهيم العرفية والأساليب البلاغية في اللسان العربي، والمعطيات المفاهيمية من الروايات الصادرة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، ومن هذا المنطلق ركّز البعض منهم على النواحي الأدبية، وبعضهم على تفكيك المفاهيم الغامضة والغريبة، وبعضهم قام بعملية تظهير للمواد التربوية، أو القصصية، أو الأحكام الفقهية المحكيّة بشكل مباشر، وغير ذلك من منهجيات تنوعت في مقاصدها إلا أن منطلقها هو تفسير النص القرآني من خلال معطياته الأولية والمباشرة، وهكذا أيضاً كان تفسير «من هدى القرآن الكريم» الذي كانت الصبغة الأساس له هي الناحية التربوية في صياغة الفرد والأمة رسالياً، مع ما فيه من مفاهيم وأحكام متنوعة وموزعة في ثنايا التفسير.

ولا شك أن كل تلك المنهجيات لها فائدتها وإضافاتها في مسيرة الاستفادة من القرآن الكريم والنهل من معينه.

وتعبيراً عن هذا المقصد يقول السيد المرجع المدرسي في مقدمة تفسير البينات في الجزء الخاص بسورة لقمان: «في الحياة آفاق نجهلها، ونجهل التعامل معها. ومن رحمة الرب بعباده أنه أنزل إليهم كتاباً فرقاناً فيه ما يحتاجون إليه من المناهج الصائبة...، يرى البعض أن مسؤوليته تفسير القرآن، ولكني أعتقد أن مسؤوليتنا الأساسية تفسير واقعنا بالقرآن، لأنه نور وضياء وفرقان وهدى.. ولو أننا عرضنا حياتنا وما فيها من آفاق مجهولة على القرآن، إذاً لعرفنا المزيد منها». (1)

إذاً؛ فتفسير "بينات من فقه القرآن"، هو عملية اكتشاف مجاهيل الحياة بنور القرآن الكريم، وهذه المنهجية هي تطبيق لما صرحت به العديد من روايات أهل البيت عليهم السلام، حول كاشفية القرآن الكريم بوصفه نوراً وضياءً، كما عن الإمام الحسن عليه السلام: هذا القرآن فيه مصابيح النور وشفاء الصدور، فليجل جال بضوئه، وليلجم الصفة قلبه، فإن التفكير حياة القلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور..   وقال أمير المؤمنين عليه السلام، «كتاب الله تبصرون به وتنطقون به وتسمعون به..».  وكما جاء في القرآن الكريم: «قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» (سورة المائدة /15 -16).

 

* الاستكبار: نموذج تطبيقي

لنأخذ مثالاً تطبيقياً عن هذا البعد المهم في التفسير، في موضوع الاستكبار في سورة لقمان، وتحديداً في الآية السابعة، عن قوله تعالى:

«وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ». (سورة لقمان :الآية 7).

في تفسير "من هدى القرآن"، وهو التفسير الأول للسيد المرجع المدرسي، نراه يفسرها سياقياً ليكشف عن مراد الآية، ويستخرج منها البصائر اللازمة، حيث يعرضها بهذه الصورة: «وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً» عناداً منه، «كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا»، ولم يقل: لم يسمعها، وهذا دليل على الاختيار، فالإنسان هو الذي يختار بنفسه أن لا يسمع نداء الفطرة ولا آيات ربه مع تمكّنه من الاستماع لذلك، «كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً»، وهو الثقل في السمع أو الصمم، وهذا الوقر أو الحجاب بينه وبين الآيات يكون تارة بسبب الأفكار المسبقة، وتارة أخرى بسبب العوامل الآنية كالاستكبار، وعموماً فإن المقاييس الخاطئة التي يعتمدها الإنسان في تقييمه للأفكار والأشخاص والأشياء هي السبب في النتائج الخاطئة «فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ».

هناك ـ أي في الآية السابقة ـ قال ربنا: «مُّهِينٌ»؛ لأن جزاء الاستكبار في الدنيا الإهانة في الآخرة، حتى جاء في الحديث، أن الله يحشر المستكبرين في صورة ذر يطؤهم الناس حتى ينتهي الحساب.

وهنا يقول ربنا: «أَلِيمٍ»؛ لأن الإنسان يستكبر، ويعرض عن الآيات من أجل التلذذ بشهوات الدنيا، وجزاء ذلك الإيلام في الآخرة، ويدل انسجام التعابير في موارد العذاب على أن الجزاء من جنس العمل، وبتعبير أبلغ الأعمال هي التي تتجسد جزاء وفاقاً في الآخرة، بل في الدنيا أحياناً كثيرة».

ويتحوّل تناول آية الاستكبار في تفسير «بينات» من تفسير المعنى النصّي، إلى تناول حالة الاستكبار التي تتواجد في الواقع، لذلك جاءت عنونة الآية بالتساؤل عن «كيف نتجاوز الاستكبار؟»، فيقدم بمقدمة عن سبيل اقتحام عقبة الاستكبار بوسائل منها: معرفة ضرر الاستكبار على الإنسان نفسه، لأنه خلاف لمعرفة الحقائق التي ينبغي أن يعيها ويكيفها لصالحه، ومنها: أن يقيس الإنسان ذاته بسائر المخلوقات كالجبال الراسيات والبحار الواسعة، ليعرف ذاته ومدى قدراته.

 

* ب/ استنباط السنن

النتيجة التي تخلص إليها معرفة الواقع وتفسيره من خلال القرآن الكريم، هي الخروج بمجموعة من السنن والقوانين العامة التي تضبط إيقاعه وتوجهه نحو صياغة أفضل، ومن هنا فقد تخصّص التفسير في البحث عن السنن الإلهية التي تحتويها الآيات القرآنية، وهكذا جاء تعريف التفسير بأنه «دراسة قرآنية تعتمد استنباط السنن الإلهية من آيات الذكر الحكيم»، وهذا ما كان جلياً في التفسير حيث حافظ المؤلف على هذه المنهجية التي جعلها مقصده الأساس من هذا التفسير، والسنن الإلهية هي تلك القوانين العامة التي تحكم حركة الإنسان وحركة الظواهر الطبيعية وحركة المخلوقات بشكل عام، والسنن المستنبطة من الآيات هي نتاج البحث الاستكشافي للواقع من خلال آيات القرآن الكريم، فبعد أن تم التعرّف جليّاً من خلال معطيات الآيات على كنه الموضوع وأسبابه ودوافعه وملابساته، ينتهي إلى انتزاع الخلاصة السننيّة في قالب قانوني، لتكون بدورها بصائر واضحة وجلية.

السنن الإلهية هي قوانين ثابتة لا تتبدّل ولا تتغيّر مع مرور الزمان، كما أن معرفة السنن فرع معرفة حركة التاريخ ومعرفة ظواهر المجتمع وفقهها بصورة عميقة وصحيحة، ولذلك جاء في قول الله تعالى: «سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً» (سورة الاحزاب /62)، وقال عز وجل: «سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً» (سورة الفتح /23). لذلك أمر الله تعالى بأن يتفحص الإنسان واقع المجتمعات المختلفة ليكتشف السنن التي جرت عليهم، فيستفيد منها لواقعه، كما قال عز من قال:

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ» (سورة آل عمران /137). وتلك السنن يمكن أن يكتشفها الإنسان عبر التتبع والملاحظة الدقيقة لأحوال المجتمعات، إلا أن البحث عنها في ثنايا الكتاب الكريم ستكون الرؤية لها أدق وأعمق، فإن القرآن الكريم قد جاء بقصص ومواقف المجتمعات الغابرة ليأخذ منها الإنسان العبرة لحياته، فالقرآن الكريم استخدم عدة أساليب لتبيان السنن الإلهية في الخلق، لقد قال تعالى: «يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ». (سورة النساء /26).

ومثال ذلك في تفسير بيّنات من فقه القرآن، في الجزء الخاص بسورة النور ـ مثلاً ـ وهو موضوع اجتماعي يعالج قضايا المجتمع والأسرة والعلاقات العامة بين الناس، فإن السنن التي تناولها التفسير، هي تلك التي ترتبط بحركة المجتمع وتشكل أسسه ومنطلقاته وجوهر شخصيته وسماته الأساسية، وكل ما يرتبط به من علاقات بالآخر وبالإيمان، وقد جاءت عناوينه على سبيل المثال كالتالي: «التجاذب في الخليقة»، «الأسرة أساس المجتمع»، «أثر العقوبات في تحصين الأسرة»، «مسؤولية الأمة تجاه المؤامرات»، «كيف يزعزع القذف الأمن الاجتماعي»، «المنافع هدف الأبنية العامة»، «لكي يبقى المجتمع طاهرا».

ولأنه يبحث في السنن، فقد ركّز الحديث على الاستنباط من آيات القرآن الكريم على القوانين العامة التي تحكم حركة الإنسان، دون الإسهاب في الأمثلة ودون التفصيل في الموضوعات، بل سلط الضوء على القواعد والقوانين العامة، مثل موضوع «الرأفة»، يقول فيها: «الرأفة تهدف إصلاح العلاقات الاجتماعية، ليزداد الناس تماسكاً. أما الذين يفسدون هذه العلاقات باختراق قواعدها، فإن الرأفة بهم تزيدهم غياً وفساداً». فيكتفي بهذا المقدار من البيان ليطلق العنان للباحث في التفصيل والمطابقة على الواقع.

ومن هنا يمكن أن نفهم كلمة الفقه التي جاءت في عنوان الكتاب «من فقه القرآن»، فإن المقصد هو التركيز على العناوين العامة والسنن التي تكون منطلقاً ومحوراً وأصلا للكثير من الفروع والتفصيلات والتطبيقات.

-------------------

1- بينات من فقه القرآن، تفسير سورة لقمان – ص9.

2- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج78 – ص112.

3- نفس المصدر، ج89 – ص22.

4- تفسير من هدى القرآن، ج7 – ص86.


ارسل لصديق