الإنسان كريماً في شهر رمضان المبارك
كتبه: كرار عبد الحسين
حرر في: 2013/07/15
القراءات: 992

لو نظرنا الى ما حولنا، نجد أن نقطة تفجر معظم الاحداث السياسية والاجتماعية في بلادنا، يحمل طابعاً نفسياً، وأن أقوى دافع للافراد نحو التظاهر، او التمرد، في الجانب السلبي، أو حتى الايجابي، في التأييد والتضامن، هو البحث عن العزّ والكرامة، وتحقيق الذات الانسانية.. وقد رأينا كيف تفجرت الانتفاضات الجماهيرية في عموم بلادنا الاسلامية وأطاحت بعروش عالية كانت تحسب أنها بعيدة عن أيدي الجماهير الغاضبة والمقهورة..؟ والسبب هو الإذلال والتنكيل الذي مارسه الحكام ضد شعوبهم.

وربما تصل بعض الشعوب الى ما تريد من اسقاط هذا النظام أو ذاك الحاكم، لكن هذا التغيير لن يكون كفيلاً باعادة الكرامة المهدورة كاملة، فما دام الحدث سياسياً، فان لكل شيء ضمن عالم السياسة تاريخ انتهاء الصلاحية، وربما يكون هدر الكرامة والحقوق على يد الحكام الجدد، كما حصل في بعض الدول الحديثة العهد بالديمقراطية.

فأين يا ترى الكرامة الحقيقية التي يجب ان يبحث عنها الانسان، لتكون له مفخرة ومصدر اعتداد وثقة بالنفس؟

قبل أن يتطلع الواحد منّا الى حواليه بحثاً عن شخصيته وكرامته، يجدر النظر – ولو قليلاً- الى كوامنه ودواخله ليعرف سبب وجوده في الحياة أولاً، ثم طريقة الاستفادة من هذا الوجود ثانياً.. فهو لم يخلق مثل سائر المخلوقات، تأكل وتشرب وتتكاثر ضمن قوانين البقاء، ثم تغادر الحياة. إنما الانسان مخلوق لأمر هام وحكمة إلهية عالية، «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، ثم ليبذل جهده وسعيه ليسمو إلى مستوى ضيافة الرحمن وجليسه «في مقعد صدق عند مليك مقتدر».

وهذه فرصة لا تعوَّض في حياة الانسان، وليس من المعقول تضييعها. ولكن الملايين، بل آلاف الملايين من البشر أضاعوا فرصة عمرهم عبر التاريخ، فهبطوا إلى مستوى البهائم، ولم يعد ثمة فرق بينهم وبينها؛ بل كانوا «أضلّ سبيلا»، كما عبر عنهم الخالق عز وجل نفسه.

وفي شهر رمضان المبارك، نجد الفرصة سانحة لأن نعيش الكرامة الانسانية، وذلك عندما تتوفر الأجواء الروحانية التي تحرره من عبودية الذات والشهوات، فالامتناع عن تلبية حاجة البطن والغريزة الجنسية، وهي من الامور المباحة، بل والضرورية في سائر أيام السنة، لكن في شهر رمضان المبارك، تتحول الى اختبار شديد للإرادة والعزيمة بان يكون سامياً ورفيعاً، وفوق الحاجات المادية، ومن المؤكد أنه اذا تمكن من السيطرة على حاجاته المادية المباحة، فانه بالقطع يكون قادراً على كبح جماح النفس الأمارة بالسوء، من الميل الى الشهوات المحرمة، والتجاوز على حقوق الآخرين، او ارتكاب المآثم والمعاصي.

الآية القرآنية الكريمة تحدثنا عن الكرامة الإلهية للإنسان: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً». (سورة الاسراء /70)، وأبرز علائم الكرامة الإلهية؛ العقل.. فهو الذي يميز الانسان عن سائر المخلوقات، وبه يميز الانسان بين الحق والباطل، والخبيث والطيب، وبين المفاهيم والقيم في الحياة، لذا بات من المعروف أن العاقل والسوي، لن يخلط أبداً بين الأمانة والخيانة، وبين الصدق والكذب، وبين الحق والباطل، نعم؛ ربما يكون بحاجة الى المغالطة والتضليل والتسويق للآخرين، لكن يبقى هو بينه وبين نفسه، عارفاً تمام المعرفة بحقيقة الأمر، ذلك لتحقيق بعض المصالح الضيقة والآنية. ويقع الانسان – أي إنسان- في إشكالية السلوك غير السوي بسبب الانصياع للشهوات والملذّات، وهي بالتأكيد تستفحل وتسيطر على مقدرات الانسان، في غياب تام للعقل.

لذا نجد أن الشعوب والمجتمعات التي يغيب عنها السلوك العقلاني، وتسود فيها الشهوات والملذّات والمصالح الضيقة، تكون معرضة لهدر الكرامة والحقوق بكل بساطة، ويكون من الصعب عليها العودة الى الوراء والتعويض عمّا فات، إلا بمسيرة من التضحيات والصدامات والازمات لتعود لرشدها من جديد. إن شهر رمضان المبارك يعلّم الانسان كيف يكون كريماً في نفسه أولاً، وفي مرحلة لاحقة، كريماً مع الآخرين، ليس فقط بموائد إفطاره المتنوعة بالأطعمة والأشربة والمقبلات، إنما بسلوكه وأخلاقه الكريمة والحسنة، وهذا ما يجعل المجتمع والفرد محصناً من الاختراق والفتن الخارجية، وحتى إن حصلت، لديه القدرة اللازمة على مواجهتها والتصدّي لها، لأنه ببساطة اختبر قوته وقدرته على التصدّي للفتن الداخلية في نفسه.


ارسل لصديق