علمني السجن ....... (3)
أنواع الإبتلاء
كتبه: الشيخ ياسر الصالح
حرر في: 2013/07/15
القراءات: 2126

حروف نُسجت في غياهب سجون الظالمين..

وكلمات كُتبت في زنزانتي الصغيرة بحبر الامل و الصبر..

ونور الايمان والعزم.. دروساً وعبراً كثيرة استقيتها من تجربة السجن المريرة..

فكان السجن هو المعلم وكنت أنا التلميذ. أما الدروس فهي

هذه القصاصات التي بين يديك -عزيزي القارئ- حصيلة التجربة وثمرة المعاناة

مرت الليالي و توالت الأيام، وأنا مازلت وحيداً في زنزانتي.. أعيش المرّ و العذاب، وأنتظر المجهول، و أتوق للحرية.. كنت أصبّر نفسي وأطمئنها بالثواب الكبير الذي أعده الله عزوجل للصابرين، وأقول لها: إنك تعيشين لحظات مصيرية، وتجتازين إمتحاناً هاماً، فلابد لك من الصبر، فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو الفشل في هذا الإمتحان العظيم، لأن نتائج هذا الإمتحان سوف تحدد مصيري الدائم.

ولكن مهلاً.. هل هذه هي المرة الأولى التي اُمتحن فيها؟ وهل هذا الإمتحان هو الوحيد الذي سيحدد مصيري؟! بالتأكيد لا.. فلقد مررت بإمتحانات عديدة في حياتي، ولم تكن كل هذه الإمتحانات مصائب، بل هنالك امتحانات تتسم بالرخاء والراحة. بدأت أستذكر بعض الإمتحانات والمصائب التي عشتها طوال سنوات عمري، و اقارنها مع مصيبة السجن، ثم تذكرت قول الله تعالى «وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ». إذن فليست المصيبة و المرض والسجن هي فقط التي تمثل الامتحان، بل هنالك امتحانات ربما تكون أخطر لأنها غير معروفة، إنها إمتحانات الرخاء: كالغنى و الصحة و المنصب  وغيرها. فنحن غالباً ما نتصور أن الإمتحان لا يكون إلا في الشدائد، إلا أن الله عزّ وجل، يبين في هذه الآية الشريفة أن الفتنة قد تكون في الظروف السلبية، كما تكون في الظروف الايجابية، فنحن نعيش الإبتلاء في كل لحظة، سواء كنّا نعيش منعمين أو مهمومين، وسواء كنا في شدّة أو في رخاء. يقول أمير المؤمنين عليه السلام، مبيناً لنا هذه الحقيقة: «ثلاث يُمتحن بها عقول الرجال: المال و الولاية و المصيبة». الإبتلاء و الإمتحان له أنواع، وهذه الأنواع هي:

1-  الإبتلاء بالمصائب: كالمرض و الفقر و الخوف و السجن وغيرها، يقول عزوجل : «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ»، وهذا الإبتلاء رغم صعوبته وشدته إلا أنه غالباً ما يكون واضحاً وجلياً.

2- الإبتلاء بالنعم الربانية: فالله عزوجل قد يُنعم على أحدنا بمال كثير، ليختبره في إنفاق هذا المال؟ ثم ليرى هل يؤدي الحقوق المفروضة عليه فيه أم لا؟ وقد يُعطي رجلاً آخر علماً واسعاً فينظر كيف يتصرف بعلمه؟ وقد يبتلي ثالثاً بالصحة أو المنصب أو غير ذلك من النعم، فينظر هل تكون هذه النعم سبباً لشكره و التزامه؟ أم سبباً لكفره و جحوده؟.. يقول عزوجل: «وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «خلتان كثير من الناس فيه مفتون: الصحة و الفراغ».

وهذا النوع من الإبتلاء غالباً ما يكون خفياً، وغير جلي، فصاحب المال أو المنصب نادراً ما يلتفت إلى كون هذه النعمة هي امتحاناً و اختباراً من الله عزوجل.

3- الابتلاء بالأوامر الإلهية: لقد سنّ الله عزّوجل، مجموعة من الأوامر و النواهي التي تنظم حياة البشر، ثم أمرهم بالإلتزام بها، وجعلها موضع اختبار لهم، فهو يختبرهم بها، و ينظر مَن يلتزم بما أمر به؟ ومَن يجتنب عما نُهي عنه؟

وهذه الأوامر و النواهي لا تنحصر بالعبادات فقط، بل تتعداها إلى مجمل الأوامر الإلهية، سواء تلك المتعلقة بالجوانب الإقتصادية، أو الإجتماعية، أو السياسية، أو غيرها.

وقد يشتمل الإمتحان للعبد على نوعين أو أكثر في نفس الوقت، فتتداخل الإبتلاءات و تزداد تعقيداً على الإنسان، فمثلاً إمتحان السجن هو مجموعة من الإمتحانات المتداخلة:

- فهو ابتلاء بالمصيبة، و الضيق، و التعذيب، و فقد الأحبة من جهة.

- وهو ابتلاء بالأوامر الإلهية من جهة أخرى، فالله عزوجل يريد أن يرى هل نلتزم بطاعته، و نجتنب معاصيه، رغم ما وضعنا فيه من شدة.

- وهو أيضاً ابتلاء بالنعم، صحيح أن السجن قد لا تبدو فيه نِعَم للوهلة الأولى، إلا انه مليء بالنعم والخيرات، والله عزوجل يختبرنا هنا أيضاً، ليرى هل نشكره على هذه النعم أم نكفر بها ؟

وهكذا تعلمت في سجني درساً آخر، واكتشفت أن الإبتلاء ليس في الشدّة فقط، وإنما هو في الخير و الشر، في الشدة والرخاء، في داخل السجن و في خارجه.

 ٨-٤-٢٠١٢

سجن جو

------------

* عالم دين من البحرين


ارسل لصديق