التسامح في ضوء منهج الامام علي (عليه السلام)
كتبه: حيدر جمعة العابدي
حرر في: 2013/07/15
القراءات: 4615

يحتار المرء من أين يبدأ، عندما يحاول أن يكتب عن شخص له من الصفات نادراً ما تجتمع في إنسان قولاً و عملاً، كالصدق والعدل والشجاعة والكرم والتسامح والتواضع والإخلاص والبلاغة والقيادة. فكل هذه الصفات قد تجسدت و تمثلت في شخصية الإمام علي، عليه السلام.

ما نود التأكيد عليه و إبرازه في موضوعنا هذا، هو التسامح والتواضع في منهج الإمام علي، عليه السلام، لعدة أسباب:

أولاً: لما يمتلكه من تأثير فكري و بعد روحي إنساني غنيّ قل نظيره، وأيضاً – وهو الأهم- ترجمته لهذا البعد قولاً وعملاً، على مستوى الواقع، فنجده عطوفاً على الفقير، مدافعاً عن الحق، ناصراً للمظلوم، متواضعاً وحكيماً في المشورة.

ثانياً: إننا أحوج اليوم إلى لغة التسامح والتواضع الإنساني الذي تحول إلى عملة نادرة أمام ما نراه في واقع حياتنا اليومية نحن المسلمين. فقد تناسينا رموزنا الإنسانية وفلسفتهم في التسامح والتواضع والتي أدت إلى مساهماتهم في صنع الحضارة الإنسانية العظيمة، و تمسكنا بكل ما هو سطحي خالٍ من كل مضمون، ومتعالية مريضة مصابة بالأنانية والحقد والتكفير والتخوين حتى فقدنا بعدنا الإنساني الذي كنا نباهي فيه الأمم.

ثالثاً: أننا لا نزال أمام إشكالية تاريخية، لم نستطع التعامل معها بعلمية ومنهجية، وهي كيف ننتج سلوكاً منسجماً يعبر عن وعي فكري وخطاب أخلاقي إنساني يبرز هويتنا الحقيقية قولاً وعملاً؟

إن ما نلاحظه الان، وجود شبه قطيعة بين المطروح من على منابر الوعظ وخطب الجمعة، وفي مناسباتنا ومراسيمنا ، وبين السلوك الجمعي الذي يسعى من اجل سلطة أو ثروة أو هيمنة من خلال الإلغاء والاتهامات المتبادلة، وهذا ما أحدث فجوة ما بين الخطاب والنظرية، وبين الواقع، وأدى إلى تهميش كل ما هو إنساني و إبداعي، رغم وجود كم هائل من التنظير والخطابات والأفكار، وهذا يعكس مدى الفجوة الكبيرة بين الخطاب على مستوى التنظير، والواقع على مستوى السلوك، رغم ما نردده ونستحضره عن منهج الأئمة المعصومين، عليهم السلام، من أقوال وأحاديث وسيرة مضيئة، وأمير المؤمنين عليه السلام، خير دليل وقدوة لنا في ذلك، فقد كان الامام علي عليه السلام يمثل رمزاً للإنسانية قبل أن يكون رمزاً للدين، فهو القائل: «كن مظلوماً ولا تكن ظالماً». وقوله: «من صارع الحق صرعه»، وقوله عليه السلام: «الاستغناء عن الغدر أعز من الصدق به»، وقوله ايضاً: «خالط الناس مخالطة إن متّم معها يبكون عليكم وان عشتم أحسنوا إليكم».

وهناك الكثير من الأحاديث والروايات التي تحثّ على حب الإنسان لأخيه الإنسان، لا يسعني المجال لذكرها، فنحن نحفظها ونتباهى بها، لكننا نتناساها في سلوكنا وتعاملاتنا اليومية.

كل هذه الاحاديث والحكم، ما هي إلى دليل على تأكيد الإمام علي عليه السلام، على حب فعل الخير والعمل والتواضع والتسامح وشعور إنساني عميق وعالٍ وسلوك متفانٍ في سبيل تحقيق العدل ما بين البشر، دون تميز عرقي أو طائفي، فرسالته ذات طابع كوني تدعو إلى احترام الإنسان لأخيه الإنسان، وتسامح الإنسان للإنسان، فللإنسان عند الإمام علي، قيمة عليا فضّله الله به عن غيره من المخلوقات.

ومن شذرات السيرة العطرة لأمير المؤمنين عليه السلام، ما عُرف بتعامله مع «الخوارج»، وكيف أنه قابلهم باللين والسلم، رغم هزيمتهم في «النهروان». فكان أحدهم يكفّر الإمام أمام مرأى ومسمع الناس، وآخر يقطع عليه صلاته بآية قرآنية تشكك في إيمان الإمام عليه السلام.. وهكذا، إلا أنه كان يعاملهم باللين والتسامح، في محاولة منه لتغيير قناعاتهم وإعادتهم الى رشدهم. 

لقد ابتعدنا عن هذا  الفكر الإنساني والينبوع الذي لا ينضب من الحكمة والتسامح، فما أحوجنا اليوم إليه كي نعيد زرع بذور التسامح والتواضع. لقد فقدنا الكثير من المشاعر الإنسانية الجميلة حتى صارت مجتمعاتنا تعيش على صراعات وعصبيات للقتل والفتنة والتخريب في ظل شعور واضح بلا مبالاة في كل شيء.

وهناك سؤال يطرح نفسه علينا نحن المسلمين؟ كيف نؤسس أو نبدع معنى انسانياً داخل وعينا الجمعي قولاً وعملاً نستطيع من خلاله إيجاد هويتنا الحضارية على مستوى الداخل والخارج، فهناك نقص واضح في إعادة تجديد ونتاج المعاني الإنسانية رغم كثرة المنابر والدعوة للتسامح والأخوة، لكن لم نستطع أن نبدع سلوكاً إنسانياً متسامحاً ومُحباً للحياة، كما علمنا أمير المؤمنين عليه السلام. فلا زلنا ضحايا ثقافة لا تعرف إلى الموت.


ارسل لصديق