السبط المجتبى عليه السلام.. مولدٌ و درسٌ بليغ
كتبه: تحسين عبد المجيد
حرر في: 2013/07/15
القراءات: 1078

عندما يجري الحديث عن أئمتنا الهداة المعصومين، يسعى البعض – من حسن النية- أن يضع اطاراً خاصاً لشخصية هذا الامام وذاك عليهم السلام، فيجعل هذا الإمام مختصّ – على الفرض- بالدعاء والتهجّد والابتهال الى الله تعالى، فهو في مسار الروحانيات، بينما آخر شهر السيف واختار طريق المواجهة والاستشهاد، وآخر اختار طريق العلم، وهكذا.. وبالنسبة لإمامنا صاحب الذكرى، فان البعض يعدونه الامام الوديع والمسالم والعطوف و غير ذلك، بعيداً عن المواجهة والتحدي التي هي من صفات المرسلين وأولياء الله تعالى، فهل يعقل أن لا تكون تلكم الصفات في الامام الحسن المجتبى عليه السلام؟

ان احاديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، المتفق عليها بين المسلمين، في فضل ومنزلة ومكانة الحسن وأخيه الحسين عليهما السلام، كثير وعديدة.. أبرزها: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا». بمعنى أن النبي  الأكرم عقد لسبطه المجتبى لواءً يحمله في أوانه وفي ميدانه، كما حمل أخيه الحسين عليه السلام، لواءً آخر. والأئمة المعصومون جميعاً ذوو نهج واحد، ومسيرة واحدة ورسالة محمدية لا تبديل فيها، إنما التبدّل والتغير في الظروف الاجتماعية والسياسية، مما يجعل الامام المعصوم مكلفاً بان يصدح بالرسالة بما يفهمه ابناء ذلك الجيل في ذات الظروف التي يعيشها. مع ذلك عُرف الامام الحسن عليه السلام، بكرمه الزاخر وعلاقاته الودّية مع الجميع، حتى مع المعارضين والمناوئين، وهذا ما أعطى الانطباع عند بعض المؤرخين والكتاب لأن يصفوا الامام الحسن عليه السلام، بان بعيد كل البعد عن أجواء المواجهة، وبالنتيجة بعيداً عن السياسة والمشاركة في صنع القرار.

فاذا كان سلاح معاوية، التضليل وشراء الذمم والدجل والقتل غيلةً، فان الامام الحسن المجتبى عليه السلام، كان له سلاح أمضّ وأقوى تأثيراً على المجتمع والساحة، وإلا ليس من شيم أهل البيت عليهم السلام، الرد بالمثل على أعدائهم الجاهليين، وهي الاخلاق النبوية السمحاء. فقد كرّس معاوية ثقافة الجهل بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وتحديداً أمير المؤمنين وابنه الحسن السبط عليهما السلام، كما ملأ بطون الناس بالمال والطعام الحرام. فماذا يفعل الإمام الحسن أمام هكذا واقع..؟

جاء في التاريخ أن شامياً رأى الإمام راكباً، وما أن وقعت عينه عليه، عليه السلام، حتى بدأ يشتم أمير المؤمنين عليه السلام، دونما سبب..! هذا والإمام ساكت لا يردّ عليه، فلما فرغ الرجل، اقبل عليه ضاحكاً وقال: «أيها الشيخ..! أظنك غريباً.. ولعلك شُبهت، فلو استعتبتنا اعتبناك، وإن ارشدتنا ارشدناك، وان استحملتنا احملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كانت لديك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك الينا، وكنت ضيفاً الى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأن لنا موضعاً رحباً، وجاهاً عريضاً، ومالاً كثيراً..». فلما سمع الرجل كلام الامام عليه السلام، وموقفه، بكى وقال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه. «الله أعلم حيث يضع رسالته».. ثم أردف بالقول: كنت أنت وأبوك أبغض خلق الله أليّ، والآن أنت وأبوك أحبّ خلق الله اليّ. هذا هو  الدور الأساس للإمام الحسن المجتبى في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الاسلام، حيث القلوب القاسية والضمائر الميتة، والمعايير المقلوبة، فكان لابد من ترطيب الأجواء الاجتماعية لإعادة الفطرة الطيبة الى النفوس، وإحياء مفاهيم الخير والإحسان والقيم الاخلاقية. والنقطة الأهم في نهج الامام السبط المجتبى عليه السلام، وضعه الحد الفاصل والملموس للناس، بين قيم السماء والحق والفضيلة، وبين قيم الباطل والانحراف والتزييف.

انها التضحية بعينها، لكن ليس بالدم، إنما بالاعصاب والضغط النفسي، وهو أشد وأصعب على الانسان، حيث يشعر الانسان انه يموت كل يوم، وهو يرى خلّص اصحابه يشككون به، بعد أن وافق على «الهدنة» مع معاوية. وهكذا يعلمنا إمامنا السبط المجتبى عليه السلام، كيفة نخوض «اختبار الاعصاب» في ظروف قاهرة، سواء على الصعد السياسية او الاجتماعية، فلابد من الانتصار للقيم والمبادئ، وليس للذات والمصالح الشخصية.


ارسل لصديق