عندما تكون ديمقراطيتنا بلا روح
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2013/09/02
القراءات: 884

ربما لا أحد منّا يكاد ينسى أيام الديكتاتورية في بلادنا، والتهكّم والسخرية بتبادل أخبار انتخاب الرئيس وحصوله على نتيجة (99.99%) من أصوات الشعب الذين أدلوا بها في صناديق الاقتراع..

لقد كنّا نتطلع الى الأفق البعيد حيث الديمقراطية المنشودة والمنتظرة لتضع حداً لهذه المهزلة والتلاعب بمشاعر ومصائر الشعوب.. أنظمة حكم في دول عربية واسلامية، كانت طوال عقود من الزمن تفرض هيمنتها تحت غطاء «الديمقراطية» و وجود مؤسسة برلمانية بمسميات عديدة مثل «مجلس الشعب» أو «مجلس الأمة»، أو «المجلس الوطني « وغير ذلك، لأنه النمط الوحيد في الحكم المعترف به عالمياً، لذا شهدنا اعتماده من قبل أعتى الديكتاتوريات.

ومع تقادم الأيام ومرور الزمن، وازدياد الوعي السياسي لدى الشعوب، وسيرها خطوات بعيدة نحو المشاركة  السياسية ومزاحمة القادة العسكريين، وأحزاب السلطة، تراجعت تلك النسبة لتحل محلّها أصوات محسوبة من لدن لجان مختصة ترتدي لباس النزاهة والحيادية، فباتت الأرقام معقولة، ليفوز هذا الرئيس أو ذاك في النظام الرئاسي، أو هذا الحزب أو ذاك في النظام البرلماني.

لكن المشكلة أن هذه الديكتاتورية خلعت ثوبها القديم وتخلّت عن تلك الأرقام المخزية، لكن حافظت على روحها وكيانها.

نعم؛ الناس يدلون بأصواتهم في صناديق الاقتراع، فتتشكل حكومة وسلطة تنفيذية و سلطة تشريعية، بل حتى سلطة قضائية، وهم في ذلك، شأنهم شأن من يشارك في صنع سيارة جميلة ومتكاملة الأوصاف لسائق محترف، لكن ماذا عن الوقود لتحريك هذه السيارة على الأرض وتقديمها الخدمات للناس..؟ وهل يعقل ان يترك الناس ما صنعوه بأيديهم و بعرق جبينهم وجهودهم المضنية، بل من كرامتهم وسمعتهم، ثم يتركونه كالجثة الهامدة ويذهبون الى بيوتهم..؟!

هذا تحديداً ما يريده منّا الساسة الذين قرأوا الديمقراطية بلغتهم الخاصة، فيسيرونها بالوجهة التي يريدون، لا بما يريد الناس الذين يساهمون ويكافحون لإنجاح هذه التجربة في بلادهم. وللتذكير فقط، فان السياسي البريطاني الشهير «ونستون تشرشل» قالها ذات مرة، بأن «الديمقراطية أفضل الخيارات السيئة». وهو في ذلك كان يقيّم التجربة في الغرب الذي ولدت فيه الديمقراطية، وليس في الشرق الذي بعد لم يكن قد شهد تجربة الدولة. ويؤكد أن هذا النمط من الحكم لن يكون دائماً في خدمة الانسان والمجتمع، لأن الفكرة منبعثة بالأساس من مصالح اقتصادية وتجارية، وتعني بطبقة معينة في المجتمع، وهي «الارستقراطية»، ثم في مرحلة لاحقة في الغرب، «البروجوازية»، وهي الطبقة المتوسطة من اصحاب الرساميل والأسهم وغيرها، وكان الفضل لهذه التجربة في تقدم الغرب علمياً وصناعياً. بينما مجتمعاتنا، ومثالها البارز والصارخ؛ العراق، بعد صدام، ومصر، بعد مبارك، فهي تتصور أن خوضها الديمقراطية بمعنى مكافحة الفقر والطبقية والبطالة والتخلف العلمي والتبعية الاقتصادية، وبشكل عام، أن يكون المواطن في بلده عزيزاً مكرماً، لكن يبدو أنها أخذت على حين غرّة، عندما وجدت أن هذه الديمقراطية بنسختها الشرقية، تحمي مصالح حزبية وفئوية خاصة وبشكل سافر، دونما خوف ووجل من عدم وجود الإطار الشرعي أو الروح التي تجعلها مفيدة للناس. ولذا سمعنا في العراق من يتحدث بأنه اذا لم يحصل على منصبه الموعود فان البلاد تتعرض لخطر عظيم..! لكن الاكثر إثارة وعجباً، الصمت المطبق من لدن وسائل الاعلام، و الاوساط الثقافية، على هذا التصريح الرهيب. بينما لاقت المقارنة بين حكومة «مرسي» وبين فتح مكة على يد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، جدلاً واستهجاناً، ربما لأن الساحة المصرية تتمتع بنشاط إعلامي ومجتمع مدني فاعل، أما العراق فهنالك أكثر من عامل للسكوت والتهدئة والترضية، أبرزها الترغيب والترهيب؛ فالترغيب بالمنح المالية والامتيازات، والترهيب بفقد الوظيفة والمنصب.

بهذه الطريقة يريد ساستنا إحياء هذه التجربة المستوردة بالأساس، وهكذا يُجبر المواطن في بلادنا لأن يتحمل أعباء مصالح الحزب والفئة والجماعة، قبل المطالبة بحقوقه والتفيكر بطموحاته، كما لو أن الواجب عليه الوقوف في طوابير الاقتراع والإدلاء بصوته ثم العـودة الى بيته واستئناف حياته العادية وحسب.

 لكن لمن يريد الحياة لتجربة الحكم – ولا نقول الديمقراطية- ندعوه لمراجعة هذا المقطع من عهد أمير المؤمنين عليه السلام، الى مالك الأشتر، يقول له: «ولا تقولنّ: إني مؤمّر آمر فأطاع، فإن ذلك إدغال – إدخال الفساد- في القلب، ومنهكة للدين، وتقرّب من الغِيَر..». أ بعد هذه القاعدة السياسية العظيمة والرصينة التي يقدمها لنا أمير المؤمنين عليه السلام، حجة للقبول بالأمر الواقع؟ بكلام بليغ، ضمن، عليه السلام، كرامة الانسان، وسلامة الدين، والعزّة أمام الأمم. حقاً؛ «..فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ». (سورة يونس /32).


ارسل لصديق