الشيخ عبد الله الصالح لـ «الهدى» .. ندعو إلى نظام إسلامي عادل يحقق مفهوم المواطنة ..
نظام آل خليفة يفتقد لأدنى المقومات الإنسانية ولا مجال للتعايش معه
كتبه: محمد علي جواد تقي
حرر في: 2013/09/03
القراءات: 1675

• الشيخ عبد الله ابراهيم احمد صالح الصالح. من مواليد  البحرين 1957.

- عالم دين بحراني. درس وتتلمذ على يد مجموعة من علماء الدين منهم: آية الله الفقيه المجاهد السيد هادي المدرسي. وآية الله الفقيه السيد عباس المدرسي. وآية الله الفقيه الشيخ المحمدي البامياني. وآية الله الفقيه الشيخ الناصري الافغاني. وآية الله الفقيه السيد مرتضى الشيرازي. والعلامة السيد محمد محسن العلوي البحراني. والعلامة الشيخ محمد طاهر الخاقاني.

-  استاذ في الحوزة العلمية. مارس التدريس في مواد الفقه، والأصول، والعقائد، والاخلاق، والمنطق، والتفسير، في حوزات علمية منها: حوزة الامام المنتظر، وحوزة الحجة – عجل الله فرجه- في ايران. والحوزة العلمية الزينبية، وحوزة الامام القائم – عجل الله فرجه- في سوريا. وحوزة دار السلام، ومدرسة الرسول الاعظم (ص) في البحرين.

• خريج الجامعة العالمية – قسم علوم الشريعة. خطيب حسيني. أمّ الجماعة لفترة من الزمن في مسجد الامام الحسين عليه السلام، بحيّ تشرين في دمشق، كما أمّ الجماعة ايضاً، في مسجد ميثم بالبحرين.

• باحث ومؤلف اسلامي، له كتب عديدة تجاوزت العشر عناوين، أبرزها «الحسين ثورة العصر»، و «النظام السياسي في الاسلام»، وهو تحت الطبع.

• عضو مؤسس بجمعية الرسالة الاسلامية (ثقافية – اجتماعية – اسلامية)، وعضو مؤسس في «جمعية العمل الاسلامي» (سياسية) .

 

• بدايةً سماحة الشيخ.. لو تطلعونا باختصار عن آخر المستجدات البحرينية؟

 

- في البحرين توجد ثورة حقيقية منذ انطلاقتها في 14 فبراير 2011 وحتى الآن. وربما تكون هذه الثورة من أنصع الثورات التي شهدتها المنطقة، ورغم حساسية موقع البحرين والخليج بشكل عام، وكون المنطقة مجمعاً لمصالح دولية كثيرة ووكراً للاستبداد ومصادرة الحريات، والانظمة القبلية، اتخذت المواجهة في البحرين مساراً متميزاً عما يجري في سائر البلاد. فهنالك مطالب طبيعية مثل الحرية والعدالة والعيش الكريم، ومن الطبيعي ان يدخل ضمن هذه المطالب والتطلعات النظام الذي يتمكن من تحقيقهما، والسلطة الحالية لا تتمكن من تحقيق ذلك، ولذا كانت مطالب شعب البحرين؛ إقامة نظام عصري يحقق مطالبهم وتطلعاتهم.

ثم ان البلاد الاخرى التي شهدت الثورات، حُضيت بمساندة عالمية، بينما بقيت البحرين يتيمة، بسبب الموقع الجيوسياسي لدول الخليج حيث المصالح الدولية والمتشابكة، وكونها مركزاً للاستبداد والحكم القبلي. فمعظم حكام الخليج مستعدون لبيع البلاد وخيراتها للاجنبي مقابل الحفاظ على عروشهم. لذا يُعد الوضع في البحرين اكثر تعقيداً من سائر البلاد. وأي تغيير في البحرين قد يتعارض مع مصالح الدول التي تدعي الدفاع عن الديمقراطية وهي لا تبحث إلا عن مصالحها. فإذا كان هناك تحرك دولي لتحقيق عملية التغيير في البحرين فإن هناك من يسعى لتجميده والتخفيف من سرعته كما يفعل الامريكان والبريطانيون، بسبب المصالح الإقتصادية والعسكرية مع نظام آل خليفة.

ومع كل ذلك؛ يستمر الحراك الشعبي في الشارع، وتتسع رقعة المؤيدين للمطالب الشعبية يوماً بعد آخر، ويزداد الميل الى شعارات الثورة والإصرار على المواصلة لتحقيقها.

 

• تطالبون بتغيير شامل وكبير في البحرين، ربما يكون التغيير من النظام الملكي الى الجمهوري، مثلاً.. هل انتم مستعدون لهذا التغيير وما هي آلياتكم لاستقبال القادم الجديد؟ وما هو شكل الاستعداد؟

 

- حتى نكون واضحين.. فإن مسمّيات النظام القادم في البحرين ليست مهمة بالنسبة لنا، فنحن في «جمعية العمل الاسلامي (أمل)»، وكإسلاميين عاملين في الساحة وبالذات من ينتمون للخط الرسالي في البحرين، لا نجد في المسميات أهمية كبرى. سواءٌ كان البديل جمهورياً او ملكياً، أو غيره، وسواء أكان الحاكم شيعياً أو سنياً أو يسارياً أو أكاديمياً أو غيرهم، إنما المهم في أي نظام قادم أن يحقق ثوابت ثلاثة:

أولاً: القيمة التي يقوم عليها نظام الحكم، هي أن يكون الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات جميعاً، وهو الذي يختار الدستور ونظام الحكم وينتخب من يمثله فيه، دون فرضٍ أو تدخل أو وصاية من أيٍ كان.

ثانياً: العدالة والمواطنة المتساوية.

فأي نظام حكم في العالم، عليه أن لا يفرق بين المواطنين على أساس المذهب او الديانة او العرق، انما التمييز في الكفاءة والانجاز والعطاء، والتعامل العادل بين الجميع.

ثالثاً: إحترام إرادة الأكثرية وحفظ حقوق الآخرين.

فلو سألنا شخصٌ: ماذا تريدون..؟

سنجيب: نريد نظاماً اسلامياً، ديمقراطياً، عادلاً، يكون اساس التشريع فيه ما أنزله الله تعالى، و من ثم يختار الشعب من يرى فيه أهلية وكفاءة التنفيذ.

ومع ذلك فنحن مع الارادة الشعبية، فما تريده الاغلبية الجماهيرية يتحقق، أما نحن فنواصل عملنا بما نؤمن به. ولن نجبر احداً على أن يقبل بالنظام الاسلامي، او نخوض ضده حروب إجبار على خياراتنا.. إنما نتبع الطرق السلمية في العمل بما نؤمن به وهو النظام الاسلامي الديمقراطي الذي يمثل قيم السماء والشريعة السمحاء، ويبتعد عن المصالح الضيقة والفئوية.

 

• هنالك من يقول بأن البحرين استنسخت التجربة الثورية في البلاد العربية، كما حصل في التجربة الاخيرة تحت عنوان «حركة تمرّد» في شهر آب الماضي، والتي أخذت من التجربة المصرية. فما تعليقكم على ذلك؟

 

- هذا التصور يدلّ على عدم مواكبة وفهم لما يجري في البحرين إذا أحسنا الظن، أو يدل على نوع من التآمر لوأد الثورة في البحرين. فهناك تصور بأن ثورة البحرين جاءت تقليداً لما جرى في تونس ومصر وليبيا.. في حين لو نأتي إلى ثورة تونس وثورة مصر وليبيا، نرى كل ذلك كان نهاية سنة 2010م أو بداية 2011م، بينما الدعوة إلى ثورة 14 فبراير 2011م كانت في نهايات شهر تشرين الأول وبدايات كانون الأول 2010م، وكانت هناك لقاءات ومشاورات في زيارة الأربعين في نفس العام. نعم؛ كان الاتفاق أن تكون الإنطلاقة في 14 فبراير 2011م، نظراً إلى كون هذا التاريخ يصادف ذكرى توقيع الميثاق وإقرار الدستور المفروض على الشعب، ولتوضيح بعض الحقائق نشير إلى نقطتين أساسيتين في هذا السياق:

أولاً: الأسبقية يقابلها التآمر الدولي.

في شهر كانون الأول عام 2010م كنت في زيارة للعراق للمشاركة في إحياء ذكرى أربعين الامام الحسين عليه السلام، وقد جاءت وفود من المعارضة من مختلف التوجهات للتشاور في الانطلاق ومتطلباته، وقد كنا نركز على ضرورة البعد الشعبي في التحرك وعدم التصادم مع الكيانات الموجودة مهما كان الإختلاف، وما شابه ذلك. بينما في مصر انطلقت الثورة في 25 كانون الثاني. وفي تونس قبل فترة قليلة من ذلك وفي اليمن بعد ذلك التاريخ، وهكذا، وهذا من الحقائق المُغيبة. بل اذا عدنا الى عام 1923م، والى اليوم، نجد أن في البحرين وكل خمس او عشر سنوات، هنالك حركة جماهيرية تصل الى مستوى الانتفاضة أو الثورة. فهذه الثورة جاءت امتداداً للثورات والانتفاضات السابقة، وفي عام 1999م عقد الناس آمالاً كبيرة على التغيير، عندما تحولت البحرين بعد إقرار الميثاق والوعود بالديمقراطية والعدالة وطي المرحلة السابقة وغير ذلك. لكن عندما تصل للتفاصيل، تجد أن كل شيء على حاله ولم يتغير. فمرحلة طيّ صفحة الماضي تتطلب انصاف الضحايا. وإعادة الاعتبار لمن ظُلم، وتتطلب محاكمة الفاسدين والمتجاوزين بحق الوطن وابنائه، وتقديمهم للمحاكمة والمحاسبة على الاقل، بينما فوجئ الشعب بصدور قانون رقم (56) الظالم الذي يبرئ جميع المجرمين والمتجاوزين، من باب طيّ صفحة الماضي ويهدر الحقوق الشعبية ويوفر الحماية للمجرمين والمتورطين في تعذيب وقتل الأبرياء وتهجيرهم خارج الوطن..! وبدا وكأن شيئاً لم يكن!!!.

ثم جئنا إلى الحياة البرلمانية والدستور وهي صلب حركة الجماهير في انتفاضة التسعينات، والذي يفترض ان يكون دستوراً عصرياً وبرلماناً كامل الصلاحيات، وسلطة منتخبة شعبياً تتمتع بسنّ القوانين المناسبة للبلاد، لكن كل هذا لم يحصل. ففي التسعينات كان هنالك مجلس يرفع «رغبات» وقوانين الى السلطة ويطلب تنفيذها، وربما لا تكون الحكومة راغبة بذلك، فلا تنفيذ لتلك القوانين..! هذا المجلس تطور وزاد عدد أعضائه بعد عام 2001م، وصار نصفه منتخباً ونصفه الآخر معيناً. لكن المشكلة الجديدة، أن المجلس المعين هو المقدم على المنتخب، فإذا اجتمع الاثنان، وحصل خلاف، فإن رئيس المجلس المعيّن، هو الذي يحسم الأمور وليس المنتخبون من قبل الشعب!!.

وهذا الوضع يعد إنتقاصاً واضحاً والتفافاً مهيناً على المطالب الشعبية وتراجعاً عن كل الوعود المقطوعة من «الملك» للشعب بالديمقراطية والشراكة و..الخ.

وعليه؛ فالثورة في البحرين لم تكن تقليداً لأي ثورة من الثورات. وحتى اليوم تتميز الثورة في البحرين عن بقية الثورات العربية بأنها أكثر الثورات العربية سلمية واستقلالا. وقد حصّلت الثورات العربية دعماً لا محدود اقليميا وعالمياً، بينما البحرين لم تحصل على غير التآمر على قمعها ومحاربتها إعلامياً واتهامها بالطائفية ظلماً وعدواناً مع أنها أبعد ما تكون عن الطائفية لكن هكذا تتكالب قوى الشر والاستبداد والاستكبار على أنصع وأطهر ثورة في الوقت الحاضر ممن يدعم الإرهابيين في سوريا والعراق!!.

ثانياً: مواجهة نظام حكم لا إنساني.

في البحرين هنالك مشكلة رهيبة..! فنحن لا نفتقد العدالة والمساواة والحرية فحسب، بل نفتقد للانسانية في نظام الحكم القبلي البدوي البغيض، فهذا النظام يفتقر لأدنى ذرة من الإنسانية، وهناك أزمة كبيرة في القيم الانسانية. مثال واحد على ذلك: الشهيد عيسى عبدالحسن، رجل ستيني من منطقة «كرزكان» قتل بدمٍ بارد وبرصاصة على بعد متر واحد فقط!!

والقصة باختصار: ان هذا الرجل كان عائداً للتو من العُمرة، ولدى عودته لم يجد ابنه في المنزل، وقيل له أنه في «دوار اللؤلؤ»، فلما حدث الهجوم الغادر على الدوار من قبل القوات البحرينية والسعودية والاماراتية الغاشمة أراد الاطمئنان عليه، فذهب إلى مستشفى «السلمانية» فلم يجده، فأراد الذهاب للدوار، وفي حاجز السلمانية كان أمامه أحد العساكر من أسرة «الذوّادي»، فوجه سلاحه إلى رأس الشهيد عيسى عبد الحسن دون أي مبرر فصرخ أحد افراد الشرطة بصوت عال وقال: لا تضربه ستقتله...! مع ذلك أطلق الذوادي النار عليه وقتله بتلك الطريقة البشعة. ولا زال المجرم حراً طليقاً ولم تتخذ ضده أي إجراءات!!

 

• ما هي ظروف الاعتقال في السجون البحرينية، كونكم ممن خاض تجربة الاعتقال والسجن؟ وهل يمكن ان يكون هذا الملف عامل ضغط على النظام بالاستعانة بالمنظمات الانسانية والدولية؟

 

- هنالك أربعة أنظمة حكم في العالم تميزت بعدم اعترافها بقوانين السجن والاعتقال السياسي، وجسدت قمة القمع والاضطهاد في العالم. اثنان منهما انهارا، وهما: النظام العنصري في جنوب افريقيا، والنظام الصدامي في العراق. وبقي آخران: الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين، والنظام الخليفي الغاصب في البحرين. هذه الانظمة لا تتعامل مع السجناء كسجناء، سواء كانوا سجناء رأي او جنائيين أو أي شيء آخر.. مع العلم ان جميع سجناء الثورة في البحرين هم سجناء رأي وسياسيون لم يمارسوا أكثر من التعبير عن آرائهم في المطالبة بنظام حكم ديمقراطي عادل وطالبوا بإبعاد المجرمين والمفسدين عن مراكز القرار. لكن جرى التعامل معهم كرهائن، واستخدموا معهم كل اساليب الانتقام والتنكيل والتشفي وقتل الشخصية، فلم يخرج أحد من السجن – إن سلم من القتل - إلا ويحمل معه عاهة جسدية. هذا الى جانب التعذيب النفسي بتوجيه الكلمات والالفاظ البذيئة النابية بنفس وهابي جاهلي حاقد وممعن في البداوة.

وثمة أمر جديد في السجون الخليفية، فالسجين يُعذب على عقيدته ودينه و رأيه السياسي، وموقعه الاجتماعي الذي يمثله وحتى على راتبه فكلما كان راتبه ومستواه الوظيفي عالييين، كلما زاد الإيغال في التنكيل والتعذيب، لتفريغ عقدة الحقارة والدونية لدى ضباط ومرتزقة القمع والتحقيق. وعليه فان المعتقل موجود للمساومة والانتقام. لذا كانت رسالة السجناء الشرفاء من ابناء الخط الرسالي وأغلب الرموز بل معظم السجناء ومنذ البداية: عدم الاكثراث بالسجن مهما طالت فترة الاعتقال، انما المهم تحقيق الاهداف التي ثار الشعب من أجلها. بمعنى؛ أن على النظام الخليفي إخراجنا من دائرة المساومة فليس السجناء ورقة مساومة.

وهذا ما يجعل المسؤولين في السجون يزيدون من التنكيل والضغط النفسي على السجناء، فمن الاساليب التي ربما لا توجد في سائر سجون العالم. إخضاع السجين للتفتيش الدقيق وهو يغادر زنزانته الى مكان اللقاء باقاربه وأهله. والتفتيش هو عبارة عن تجريده من جميع ملابسه..! ويكررون نفس العمل لدى عودته الى زنزانته، الامر الذي جعل البعض من السجناء يمتنعون عن الزيارات، حتى لا يتعرضوا للإهانات والتشفي مرتين!!

أما عن عدد السجناء السياسيين في البحرين فقد تجاوز الـ (2000) سجين. وبين هؤلاء من يقضي احكاماً جائرة من قبل القضاء التابع للسلطة الخليفية الظالمة وصل فيها إلى 96 سنة!! فهي تصدر الاحكام جزافاً على السجناء، لذا نجد أن أحكام مثل: (5 – 10 – 15) سنة، مثلاً لأبسط التهم كحرق إطار في الشارع (5) سنوات سجن. بينما نجد أن مجرماً تسبب في استشهاد أحد المواطنين يحكم عليه (7) سنوات فقط!! ثم يُخفف الحكم إلى (6) أشهر فقط!! ونحن نشك في أنه سيقضي يوماً واحداً في السجن، وقد تعهد رئيس وزرائهم لضابط متهم بالتعذيب وإساءة معاملة السجناء بحمايته وعدم السماح بمحاسبته وأمثاله من المتورطين، ووعدهم بالترقيات!!! بينما يعاني الشرفاء من مرارة السجن والتعذيب والتنكيل والاضطهاد تحت أقبية السجون.

والحديث عن الاعتقال والسجن يطول ولا ينتهي في البحرين. فنحن نؤكد أن السلطات الخليفية تستعين بالخبرات المستوردة في التحقيق والتعذيب، لاسيما أزلام صدام والضباط البريطانيين والأمريكان لتكريس ظلم آل خليفة وحمايتهم من الملاحقات القانونية الدولية وتسهيل عملية إفلاتهم من العدالة. فمنذ بداية سقوط صدام تم تجنيس (3) آلاف عنصر من المخابرات و(الأمن) الصدامي، وربما ارتفع العدد أكثر في الفترة الراهنة، كما تم جلب ضباط بريطانيين وأمريكيين، وقد ذكر «الملك» في زيارته الأخيرة لبريطانيا أنه قد منح الجنسية لمائتي بريطاني وهؤلاء كلهم أو جلهم يعمل في جهاز الأمن الوطني أو المخابرات والأمن العام.

 

• تحاول السلطة امتصاص نقمة الشارع باقامة الحوار مع من تسميهم بالمعارضة.. ما مدى نجاح حكومة المنامة في هذا المسعى باعتقادكم؟

 

- بداية.. الحوار أمر حضاري لا احد يرفضه او يعترض عليه، لكن في البحرين هنالك مسألتان: الاولى: أن ما يجري في البحرين ليس حواراً بالأساس، هناك ورشة عامة علاقات عامة لا أقل ولا أكثر، تُسمع فيها افكار ومقترحات ومشادات كلامية وتطفيش ومحاولة تكريس الخلاف السني الشيعي غير الموجود أصلاً. ولا حوار حقيقي في البحرين.

ثانياً: هناك أمرٌ مفتعل في قضية الحوار، حيث يتم تقديم صورة الى الخارج بأن هناك مشكلة داخل المجتمع البحريني بين الشيعة والسنة وهي غير موجودة أصلاً ومن اختراع الفكر الوهابي السعودي الدخيل وتمنيات بعض أطراف آل خليفة بينما الحقيقة ليست كذلك. والمشكلة بين الشعب وبين آل خليفة المحتلين، وقد جاء تقرير بسيوني في هذا الاتجاه، حيث صوّر أن هنالك مشكلة بين الشيعة والسنة وبعض الدوائر، واشار الى التعذيب. مع ما تضمنه من بعض التوصيات الجيدة عن الاوضاع، لكن بالمحصلة، كانت فكرة لجنة بسيوني هي تبرئة الملك ونظامه مما يجري في البحرين، وأن المشاكل هي بين الشعب وبعض الدوائر الحكومية مثل الداخلية او الدفاع وغيرها.. من هنا كان موقف «أمل» منذ البداية، أننا لسنا مع لجنة بسيوني وأهدافها، وأننا مع لجان تحقيق دولية محايدة، لا أن تكون معينة من الملك لأن المشكلة معه بالاساس.. فكيف هو يعين لجنة التحقيق؟ّ!

هذا مثال وحالة من الحوار.. المثال الثاني: الحوار الذي جرى في تشرين الثاني 2012، وفيه دعوا مختلف الشرائح من موظفين وعمال وتجار وحتى بعض من ليس لهم علاقة بالحوار أو أي اهتمامات سياسية، وجاؤوا بالأجانب في قضية داخلية صرفة! فتجمع حوالي 300 شخص من موظفي الشركات والوزارات، وبالمقابل كان هناك أربع جمعيات للمعارضة، حضر من كل منها ثلاثة اشخاص، فكانوا (12) شخصاً مقابل 300!!

إذن؛ الحوار الحالي يكرس نفس الخطأ، بأن المشكلة بين الشيعة والسنة، وأنهم يجب ان يتفقوا فيما يبنهم، بينما لا توجد هنالك مشكلة بينهم!!.

وهنالك من يتخوف من أنه في حال تقدم الاوضاع بما تريد المعارضة سيؤدي الى ان يأخذ الشيعة بزمام الحكم، بينما نسمع الاحصائيات الحكومية بان الشيعة (53%) مقابل (47%) سنّة، وهنالك احصائية اخرى تقول أن الشيعة (35%)، فاذا كانت هذه الاحصائيات الحكومية صحيحة فمما الخوف إذن..؟! بينما نحن ندعو لنظام عادل يساوي بالحقوق بين الجميع، ونحن بصدد بناء الوطن، الذي من أجله يضحي ابناؤه ويستفيد من حقوقه وانجازاته وما يتحقق ولا نفرق بين هذا وذاك، ونعارض الاستئثار والاستبداد والتفرد بقرار الوطن وثرواته.

 

• لم تشهد الشعوب العربية من ثوراتها ما كانت تطمح اليه رغم البديل الديمقراطي، مثال ذلك مصر.. كيف تقرأون هذا البديل لمستقبل البحرين؟

 

- ما حصل في مصر ثورة حقيقية، هذا لا شك فيه. وحصل أن كل واحد يسعى ان يجد له صلة بالثورة. وكما يقال: «الانتصار له ألف أب، والهزيمة يتيمة». في التجربة الديمقراطية والسعي نحو بناء الحكم الرشيد العادل، نعتقد بالعمل التراكمي، لا أن يتحقق كل شيء مرة واحدة. فالمهم أن تؤخذ بنظر الاعتبار دائماً القيم التي ثار الناس من اجلها، فعندما يجدون الخطأ يغيرون، ففي مصر جاءت جماعة ومارست أعمالاً مغايرة لاهداف الثورة، وفي البحرين ربما يحصل الشيء نفسه، فهنالك من هو واقف ينتظر، ان غلبت السلطة كان معها، ربما غداً يختلّ الميزان، تراه مع المعارضة! لكن هناك أناس مؤمنون حقيقيون، يقولون نحن مع الثورة لتحقيق هذه المطالب. ونضحي من اجلها. ففي البحرين حصلت ثورات وانتفاضات منذ عام 1923، ففي الستينات ثورة العمال وفي السبعينات والثمانينات وانتفاضة التسعينات، وثورة 2011، كل هذا يمثل عملاً تراكمياً، صحيح أن هذه الثورات لم تحقق أهدافها كاملة، لكن يبقى المهم ان تكون الثورة مؤمنة بقيمها واهدافها وتتمسك بها، وعندما ترى أي انحراف عن المسيرة تكون مهيئة للتجديد كما حصل في مصر.

 

• هنالك من يأخذ على القيادات في الثورات العربية انشغالها بالهمّ السياسي على حساب الهمّ الثقافي والفكري ومسألة التوعية والتثقيف، مع وجود شعوب عاشت عقوداً من الزمن في ظل سياسات التضليل والتجهيل. ما ردّكم على ذلك؟

 

- نحن كجماعة وحركة اسلامية، نرى ان هدفنا بكل أمانة وثقة، هو خلاص العالم بالتطبيق السليم للدين، لا الإدعاء به فقط. مرة تأتي جماعة وتدّعي تطبيق الإسلام، وهي أبعد ما تكون عن تطبيق القيم الاسلامية. فما ينادون به في الغرب من قيم فاضلة، هنالك في الاسلام قيم أعلى منها بكثير، فلا يمكن المقارنة بين العدالة في الاسلام، وبين العدالة والديمقراطية الغربية. ولا يمكن مقارنة الشورى والتشاور في الاسلام، وما هو موجود في الغرب. وكذلك المساواة وغيرها من القيم.. فهل هنالك زعيم في العالم مثل أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام يتقاضى راتب أفقر انسان في مملكته؟ نحن نؤمن بهذه القيم، كما نؤمن بالاسلام الذي يطبق هذه القيم. لذا نحن نجتهد لطرح النموذج الصحيح الى الناس، لكنّا في نفس الوقت واقعيون، ونقول: ان شريعة الله التي يجب ان تسود وتحكم، فلا يجوز إكراه الناس عليها ولا فرض الحكّام عليهم، وعلى الشعب ان يختار الأشخاص الذين يطبقونها. وكلما فشل الناس في اختيار النموذج الصحيح كلما دفعوا اثماناً باهظة. فكما نؤمن بضرورة النظام العادل، نؤمن ايضاً بدور الناس في اختيار من يحكمهم. لا ان يفرض النظام السياسي نفسه على الشعب، حتى وإن كان نظاماً اسلامياً. وافضل نموذج هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الذي يعد أعدل حاكم في تاريخ البشرية كما أقرته بعض لجان الأمم المتحدة عام 2008م، الذي لم يفرض نفسه على الناس رغم أحقيته بالخلافة وجدارته، وعندما اختاروه للخلافة قال: «أنا لكم وزير خير من أمير».. وفي الروايات انه عليه السلام، كان يفر الى بساتينه لتفادي الناس، لكن الناس جاؤوا اليه وبايعوه، وقد بويع  أمير المؤمنين بيعة لم يحصل في التاريخ البشري مثلها حتى عصرنا الحاضر، بيعةً لا غبار عليها. وعن اختياره. ومن هنا يمكن القول: لا تقتصر الديمقراطية على الانتخاب وصناديق الاقتراع، انما باختيار الأصلح والأحسن ضمن شريعة السماء التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كاملة غير ناقصة وبعيدة عن الأهواء والتحريف والتزييف.

 

• هل من خطة عمل او مشروع في «جمعية العمل» لإضاءة الطريق أمام المجتمع ومساعدته على انتخاب الأفضل والاحسن؟

 

- هنالك مقولة: إن الانظمة  الفاسدة والديكتاتورية لا يمكن أن تنجب نظاماً ديمقراطياً عادلاً، ففي البحرين حصل انفتاح سياسي عام 2000 وما بعده، وبات الناس يمارسون ديمقراطية بمستوى عالٍ، لم تألفها السلطة، فتشكلت جمعيات للمعارضة وأخرى للموالاة، ومن مختلف التوجهات والانتماءات، وكان لكل جماعة امتداد فكري وثقافي، فجمعية العمل الاسلامي، امتداد للتيار الرسالي. وجمعية الوفاق، لتيار الدعوة الاسلامية. وجمعية العمل الديمقراطي، لتيار الجبهة الشعبية واليسار في البحرين، والمنبر الديمقراطي لتيار جبهة التحرير، وجمعية الاصالة، للاخوان المسلمين، وهكذا. وكلٌ كان يعمل على شاكلته، دون وجود إجبار على الانتماء لهذا أو ذاك. ورغم عدم وجود مساحة مفتوحة وحرية للحديث وإبداء الآراء ووجهات النظر، كان هنالك نشاط سياسي واضح، ونحن – في أمل - رؤيتنا كانت واضحة وما تزال، «نظام ديمقراطي اسلامي يختاره الناس». من هنا فإن الأولوية اليوم إسقاط نظام الديكتاتورية الفاسد والإستبداد، لتحصل الديمقراطية على متنفس للرؤى والافكار، وهذا لم يحصل في البحرين. بينما في مصر حصلت هذه التجربة، فقد خرج البلد من نظام مبارك، ولو أن هناك بقايا للفساد في دوائر الدولة، وبعضها على النهج القديم، بيد أن الشعب تقدم خطوة الى الإمام نحو الديمقراطية وسيصل بإذن الله.

 

• ماذا تتوقعون في البحرين من الشعوب الاسلامية، ودورها في تحقيق اهدافكم وطموحاتكم؟ وما هي رسالتكم الى العالم الاسلامي؟

 

- في الحقيقة؛ نتوقع من جميع شعوب المنطقة أن تحكّم القيم في مواقفها وتصرفاتها، لا المصالح.. وإذا كان هنالك أناس يدافعون عن العدالة في أي مكان في العالم، سنقف معهم حتى وان كُنا مختلفين معهم دينياً. ألم يدافع أمير المؤمنين عليه السلام عن نصراني؟ ألم يقل عن تلك المرأة المعاهدة التي تعرضت للسلب على يد جيش «بُسر بن أرطاة» قائد جيش معاوية، «فلو أن رجلاً مات كمداً لما كان عندي ملوماً..» فالإمام علي عليه السلام، ينصر القيم والمبادئ. ونحن ندعو شعوب الدول الاسلامية وشعوب دول العالم أجمع بأن يقفوا مع القيم والمبادئ وينصروا المظلومين أينما كانوا بعيداً عن العصبيات الجاهلية والولاءات القبلية التي يعاني الجميع من ويلاتها. فإذا كنتم مسلمين وعندكم قيم ومبادئ دينية أو أخلاقية أو إنسانية، فانظروا الى البحرين وشعبها من زاوية تلك القيم، ولاحظوا هل يجيز لكم دينكم أو أخلاقكم أو إنسانيتكم الوقوف مع الظالم ضد المظلوم؟!! وحكّموا قيم العدالة والمساواة والحرية والأخلاق والحقوق. نحن لا نريد سوى الانصاف والنظرة القيمية.

إن شعب البحرين لن يخسر شيئاً إذا لم يقف معه أحد، وستخسرون آخرتكم ودينكم وقيمكم إن تخاذلتم عن نصرة شعب البحرين، وشعب البحرين سينتصر بإذن الله شاء من شاء ورغِمَ من رغم، لأن عدالة السماء تأبى الظلم والاستبداد.

 

• شكراً جزيلاً سماحة الشيخ على هذه الإجابات الرائعة.

 

- وفقكم الله لخدمة الدين والمؤمنين جميعاً في كل مكان.


ارسل لصديق