التنمية البشرية .. أزمة مفهوم أم تعثر مُنجز؟
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2013/09/03
القراءات: 1898

اكد التقرير الذي صدر عام 1994 بشأن التنمية البشرية من قبل الامم المتحدة، أن التنمية البشرية هي نموذج هام من نماذج التنمية، والتي من خلالها يمكن لجميع الاشخاص توسيع نطاق قدراتهم البشرية الى أقصى حد ممكن وتوظيفها بأفضل ما يمكن في جميع الميادين، وهو من شأنه أن يضمن للأجيال القادمة خيارات للمستقبل.

ويخلص التقرير الى ان التنمية المستدامة، تعمل على تحقيق الانصاف داخل الجيل الواحد، وبينه وبين الاجيال المتعاقبة.

ويعطي دليل التنمية في بلد ما، صورة اكثر وضوحا لحالة المجتمع المرهفه، من الصورة التي يعطيها مستوى الدخل وحده.

تقوم التنمية البشرية في المقام الاول على إتاحة الفرصة للمواطن بان يعيش نوع الحياة التي يختارها ومزاولة العمل المناسب له، وعلى تزويده بالادوات المناسبة والفرص المؤاتية للوصول الى تلك الخيارات.

ومن هنا عُرّفت (التنمية البشرية) بانها؛ عملية توسيع القدرات التعليمية والخبرات للشعوب، والمستهدف بها هو ان يصل الانسان بمجهوده ومجهود ذويه الى مستوى مرتفع من الانتاج والدخل، وبحياة مديدة وصحيحة، بجانب تنمية القدرات الانسانية من خلال توفير فرص ملائمة للتــــعليم وزيادة الخبرات. (1)

لقد بدأ مفهوم التنمية البشرية يتضح عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروج البلدان التي شاركت في الحرب وحملت تركةً ثقيلة و هائلة من الدمار والخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة، لاسيما الدول الخاسرة، ومذ ذاك بدأ مفهوم التنمية الاقتصادية بالتطور، ثم واكبها ظهور التنمية البشرية من أجل سرعة إنجاز التنمية بشكل عام، وتحقيق سرعة الخروج من النفق المظلم والدمار الشامل الذي لحق بالبلدان بسبب الحروب.

لقد تطور مفهوم التنمية البشرية ليشمل مجالات عديدة منها؛ التنمية «الادارية، والسياسية، والتعليمية، والثقافية»، ويكون الانسان هو القاسم المشترك في جميع المجالات السابقة. لذا فان تطور القواعد الادارية والسياسية والتعليمية والثقافية له مردود على عملية التنمية الفردية من حيث تطوير أنماط العمل الجماعي والمشاركة الفعالة للمواطن في عملية التنمية بهدف الانتفاع بها.

وعلى هذا يمثل منهج التنمية البشرية الركيزة الاساسية التي يعتمد عليها المخططون وصانعو القرار لتهيئة الظروف الملائمة لإحداث التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتطور بالمجتمع على طريق الرخاء والرفاهية.

ويمكن إجمال القول ان التنمية البشرية هو المنهج في المقام الاول، الذي يهتم بتحسين نوعية الموارد البشرية في المجتمع وتحسين النوعية البشرية نفسها، كما تهتم كل مؤسسة وكل شركة بتنمية قدرات العاملين فيها سواء على المستوى الاداري، شمولياً لتشمل كل العاملين على جميع مستوياتهم الوظيفية.

 

* من عوامل التنمية

وللتنمية البشرية عوامل عديدة أهمها:

* الاوضاع السياسية، أي عدم احتكار السلطة وتحقيق الديمقراطية في البلاد.

* الاوضاع السكانية، الاستغلال الامثل للموارد البشرية.

* الاوضاع السكنية، ارتفاع مستويات المعيشة، وليس بالضروري انخفاض الكثافة السكانية، وخير مثال على ذلك الصين، فهي محققة لأكبر قدر من التنمية البشرية، فيما الكثافة مرتفعة سكانياً.

* الاوضاع الادارية، تطور اساليب الادارة واعتماد اسلوب التخطيط.

* اوضاع العمل، تطور تقسيم العمل وارتفاع المهارات الفنية والادارية.

* الاوضاع التقنية: استخدام التقنية ودعم ركائزها.

* الاوضاع الصحية، تحسن مستويات الرعاية الصحية وانخفاض الوفيات وارتفاع معدلات الحياة.

* الاوضاع التعليمية، تطوير اساليب التعليم.

* الاوضاع الاجتماعية، نمو ثقافة العمل والانجاز وتغيير المفاهيم المقترنة ببعض المهن والحرف.

* الاوضاع الطبقية، مرونة البناء الاجتماعي والمساواة الاجتماعية.

* الاوضاع النفسية، ضرورة تهيئة المناخ النفسي العام والتشجيع على التنمية. (2)

 

* موضوعات في التنمية

للتنمية البشرية موضوعات متنوعة، نذكر منها ما يلي:

* لغة الجسد، «وهي تلك الحركات التي يقوم بها بعض الافراد بأيديهم او بأقدامهم، او بنبرات صوتهم او بهز الكتف او الرأس، او بقسمات وجههم، ليفهم المخاطب بشكل افضل المعلومة التي يريد ان يصل اليها، وفي دراسة قام بها احد علماء النفس اكتشف ان 7% فقط من الاتصال يكون بالكلمات و38% بنبرة الصوت و55% بلغة الجسد».

* قوة التفكير الايجابي، «والتي تتحدث عن امتلاك كل منّا لعقل واعٍ وآخر باطن، ولهذا العقل القدرة على خزن التجارب الانسانية الايجابية منها والسلبية، واستراتيجية التعامل مع العقل الباطن من خلال عملية الايحاء».

* فن الاقناع.

* ادارة المشاعر.

* قوة الذكاء.

* ادارة الوقت.

* الطريق الى التفوق.

* تنمية مهارات التفكير.

* قوانين الابداع.

* زرع التفاؤل.

* سر الروحانيات.. ومواضع مشابهة اخرى.

 

* من روّاد التنمية

بتشعّب علم التنمية البشرية، برقت اسماء عُرفت باهتمامها بالتنمية البشرية في العالم العربي منها: د. صلاح الراشد، و عمرو خالد، وطارق سويدان، واحمد الدسوقي، ومحمد حسن الحبيب، وابراهيم الفقي، والسيد هادي المدرسي، وأكرم رضا، فاطمة الروبي، وآخرين. إلا ان المختصين في هذا العلم ركزوا على علمين من أعلام التنمية البشرية في العالم العربي، كونهما  برعا و أجادا في تطوير وتأصيل هذا العلم، هما: سماحة آية الله السيد هادي المدرسي، من العراق، و الدكتور ابراهيم الفقي من مصر. (3)

 

* من السعادة الى الثقة بالنفس

إن «تحقيق السعادة»، تُعد من المباحث المهمة التي يتم التدريب عليها خلال دروس التنمية البشرية، ويعرفونها بأنها الشعور بالرضا والارتياح تصاحبه بهجة واستمتاع بالحياة، من خلال كثرة المال او الاولاد وغيرها، واصفين أن السعادة لابد ان تصنعها أنت بيدك، وانها لن تلاحقك، داعين المتدرب ان يكون:

1- انساناً متفائلاً.

2- يطرد القلق والخوف تماماً من ذهنه.

3- يضع هدفاً وخطة لحياته.

4- الانفتاح على الآخرين.

5- طرد التفكير السلبي و زرع التفكير الايجابي المنطقي مكانه.

6- تقدير الجهد والعمل المبذول من قبل الشخص.

إلا ان الذين عرفوا السعادة، وجدوا أن تحقيقها، لا يتم إلا بالعلاقات الطيبة والحميمة الصادقة. (4)

فازدهرت مباحث علم التنمية البشرية بالحديث عن الثقة بالنفس، كونه المنطلق لأي بناء وقاعدة لأي تحرك و تطوير، فقالوا:

للثقة بالنفس ثلاثة عناصر:

الأول: حركات يأتي بها الشخص الواثق من نفسه.

ثانياً: كلمات ينطق بها الشخص الواثق من نفسه.

ثالثاً: قناعات يعتقدها الشخص الواثق من نفسه.

فأما الحركات، تتضمن :

* الابتسامة وعدم العبوس.

* انتصاب القامة.

* المشي السريع والتحرك بثقة نحو الآخرين.

* المظهر العام والملبس الحسن.

* استعمال اليد في توصيل المعلومة.

* استعمال تعابير الوجه اثناء الحديث.

* التقدم الى الصفوف الاولى.

* الحرص على اللياقة البدنية والاناقة الجسمية.

أما العنصر الثاني: (الكلمات) هي:

* الصوت مرتفع اثناء الكلام.

* النغمات مختلفة وليست على وتيرة واحدة.

* النبرة حادة ومخارج الحروف واضحة.

* استعمال الكلمات السهلة التي تصل الى القلب قبل ان تصل الى الاذن.

* الابتعاد عن الكلمات الصعبة والموحشة.

* اللغة قوية سليمة خالية من الكلمات الركيكة.

والعنصر الثالث؛ (القناعات) فهي:

* الايمان العميق بالمبادئ التي يتبناها.

* صاحب اهداف واضحة ومحددة.

* صاحب أحلام كبيرة.

* يعتقد بأهمية ترك الانطباع الحسن في اذهان الناس.

* يتقبل النقد.

* يتحكم في وقته فيلتزم بمواعيده. (5)

 

* أزمة المفهوم والمنجز

يظهر مما تقدم.. ان البشرية بمؤسساتها ومحافلها التنموية توسعت في أبعاد تناول التنمية البشرية، إلا انها - كما يبدو- عجزت عن الوصول والتوصل الى الاهداف الغائية من التنمية البشرية.

وبالتالي تبقى التنمية البشرية، تعيش جدلية مفهومية قبل كل شيء، كون تعريف هذا المفهوم –كما ذكر- وهو «توسيع القدرات التعلمية والخبرات للشعوب»، يفتقر الى تناول المُبتغى والهدف الغائي من هذا التعريف.

كما ان تناول مبحث «السعادة»، ضمن سلسلة مباحث التنمية البشرية، والتي عرّفتها  بــ «الارتياح والرضا» و «الاستمتاع بالحياة» من خلال الاموال والاولاد وغير  ذلك، – كما ذكر سلفاً- يؤكد لنا الفوضى المفهومية التي ابتليت بها المباحث المتعددة للتنمية البشرية.

بينما اذا راجعنا تراثنا الاسلامي، نجد أن كلمات النور التي اطلقها الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله، والأئمة المعصومون علهيم السلام، تتناغم والتنمية البشرية، بل ان بعثة الانبياء او الرسل عليهم السلام، واستمرارية مشروع الإمامة والقيادة الربانية على يد الائمة المعصومين عليهم السلام، كان هدفه الاساسي هو؛ تنمية وبناء البشر.

بل ان الانبياء والرسل جميعاً، لم يرسلهم الرب المتعال ليعلّموا الناس كيفية صناعة الآجر وبناء البيوت والجسور ووسائل النقل، فقط، رغم تقديرهم وتثمينهم، عليهم السلام، لاهمية هذه العلوم الخدمية - بل بعثوا من اجل «صناعة الانسان»، وصولا الى سعادته الحقيقية والكاملة وكرامته، كما قال تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا». (سورة الاسراء /الآية 7)

مع الاسف الشديد ان مخطط محاولة تهميش واقصاء أخلاقيات وتنمويات الانبياء والرسل، بدل أن تكون نبراساً ومنهاجا للتدريس والتتلمذ، أخذ ينتشر على يد الباحثين الذين لم يفهموا بعد فلسفة الحياة و أهداف الخَلق والخليقة.

لقد زخرت كلمات المعصومين بعبارات: «من سعادة المرء..» او «السعيد من...» من اجل بناء وتنمية الشخصية الانسانية وفق هدف الخالق والخليقة، وهذا يدعو الباحثين والمعنيين بأمر التنمية البشرية في بلادنا لأن يتوسعوا في اعتماد المعايير في أهدافهم وغاياتهم التنموية، لتأخذ مديات أبعد من الحياة الظاهرية والمادية.

 ولا نعجب إذا لاحظنا لجوء بعض المدرسين الغربيين في مجال التنمية البشرية، وبهدف التأثير على الآخر و زرع الثقة بالنفس لتعليم الإناث كيف يستفدن من أجسادهن واغراءاتهن لخلق انطباع وتفكير لكسب الآخر..!

ثم ان تكلؤ التنمية البشرية على صعيد المنجز والواقع يُعزى سببه الى نفس الازمة المفهومية التي يعاني منها المدرسون، وهو عدم الاستعانة بكلمات الله العزيز في القرآن الكريم، والذي فيه تبيان كل شيء، وانه كتاب هداية وكذلك وصايا الانبياء والمعصومين، عليهم السلام، اذ ان ضياع البوصلة والهدفية والحكمة من خلق العالم سوف يُشتت مفهوم التنمية البشرية، و تبعاً لذلك، تتلكأ عملية التنمية هذه على ارض الواقع، وما زيادة معدلات نسبة الفقراء والبطالة والانزلاق نحو الادمان على المخدرات، بل واقتحام جدار الانتحار، إلا أحد الادلة على هذا الاخفاق.

وبحمد الله.. تنبه مؤخراً نفرٌ من رواد التنمية الى هذه الازمة المفهومية و انبروا لتصحيح مباحث التنمية البشرية وتأصيلها، وكان على رأسهم سماحة السيد هادي المدرسي، والشيخ د. طارق سويدان والدكتور ابراهيم الفقي وآخرون، فساهموا بشكل فاعل في عملية التشذيب والتاصيل التنموي، من أجل تحقيق تنمية أفضل وأحسن واكثر أصالةً، وخدمة للبشر في وقت واحد.

-------------------

* 1/ التنمية البشرية/ الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

* 2/ المصدر السابق.

* 3/ يُعد آية الله السيد هادي المدرسي من الاوائل والرواد الذين انتبهوا مطلع السبعينات الى أهمية مفهوم "التنمية البشرية"، و وطّن نفسه على التحقيق والبحث والمنجز البشري في هذا المجال لا سيما ما قدمته المعاهد الغربية في هذا المجال وما قدمته المعاهد الغربية في هذا الصدد كمعهد "دايل كارينجي" واهمية الاستفادة من تجارب ومعطيات هذه المعاهد.

وعلى ضوء ذلك انبرى سماحته للتأليف في مباحث مبتكرة وتأصيلية في هذا المجال التنموي، منها؛ كتاب "الصداقة والاصدقاء"، وأعيد طباعة هذا الكتاب مرات عديدة، و"طرق مختصرة الى المجد"، بعدة اجزاء وعشرات الطبعات و "سلسلة النجاح"، بعدة اجزاء وبعشرات الطبعات كما له كتيبات اخرى مثل: "فن الترويح عن النفس" و "فن التمشي" و "سلسلة الحياة الزوجية" و "يسالونك عن اشياء" وغيرها.

أما الدكتور ابراهيم الفقي فهو من مواليد 1950م من مدينة نصر بالقاهرة وهو خبير بالتنمية البشرية والبرمجة اللغوية العصبية وحاصل على الدكتوراه في علم الميتافيزقيا من "لوس انجلوس" و واضع نظرية ديناميكية التكيّف العصبي وقوة الطاقة البشرية.

له عدة مؤلفات مثل: "قوة التفكير" "المفاتيح العشرة للنجاح" "قوة الحب والتسامح" "ادارة الوقت" "سحر القيادة" "قوة الذكاء الروحي" "العمل الجماعي" "قوة التحفيز" وغيرها.

توفي في حادث مؤسف يوم الجمعة 10 فبراير 2012 اثر نشوب حريق في شقته برفقة شقيقه، ومن آخر أقواله التي كتبها على حسابه في تويتر: "إبتعد عن الاشخاص الذين يحاولون التقليل من طموحاتك بينما الناس العظماء هم الذين يشعرونك انك باستطاعتك ان تصبح واحداً منهم".

4/ التنمية البشرية والسعادة/ موقع الكتروني.

5/ مدونة التنمية البشرية/ المدرب محمد الطيارة/ لبنان.


ارسل لصديق