تزكية النفس سبيل وعي الكتاب
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2013/09/04
القراءات: 3656

القرآن الكريم هو «الكتاب الحق» الذي يهدي، نزل من الحق ويهدي بالحق الى الحق، قال تعالى: «وَ الَّذي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبيرٌ بَصير»، فكتاب الله نزل من عند الحق، ليهدي الى الحق بالحق، والآية تدل على ان الكتاب هو الحق كله،  فكتاب الله سبحانه قد احتوى على جميع الحقائق، فلا حق إلا وقد ذكر فيه، ولا حق عند غيره، وهكذا لا يصح ان يتوهم واهم ان هناك حقاً في غير كتاب الله، كما لو اراد ان يضيف الى القرآن افكار وفلسفات البشر، كلا، ان القرآن بناءٌ واحدٌ ومتين، لا يحتاج الى اضافة وتكميل من غيره.

ولكن؛ رب سائل يقول: ان كان الكتاب هو الحق كله، فما بال اتباعه يعيشون التخلف والفقر الثقافي، حتى تراهم يستجدون كل شيء من هنا وهناك؟

وفي الاجابة على هذا التساؤل نقول:

ان القرآن الكريم ليس فيه عيبٌ و نقص، بل فيه تبيانٌ لكل شيء، الا ان المشكلة تكمن في عدم استفادة المسلمين من هذا المصدر الثرّ، و لنقل: استفادوا بشكل سطحي من الكتاب المجيد، فلم يتعمقوا في حقائق القرآن، ولم يتدبّروا آياته، ولذلك تركوه الى غيره، ظنّاً منهم عدم امكانية القرآن في حل المشاكل.

وقد ذكرنا في الاعداد السابقة،  الطريق الاساس في التعامل والانتفاع بالقرآن الكريم، و هو التدبر في آياته المباركات، ذلك أن التدبر يعد جسراً رابطاً بين كتاب الله عزوجل وبين العقل البشري.

فأول ما خلق الله سبحانه، كان نور العقل، حين قال له اقبل فاقبل وقال ادبر فادبر، ثم مدحه بمديحٍ كبير حتى صار هو المستحق للثواب والعقاب، ومن بعد ذلك صير النور الى قسمين، احدهما صار في الكتب السماوية، والآخر أودعه البشر، كلٌ بقدره.

وحين يتصل نور الكتاب بنور العقل،  يتكامل الانسان، ويتفتح عقله، ألم يقل الله سبحانه: «نُورٌ عَلى‏ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ» (سورة النور /35).

والانبياء عليهم السلام ايضاً بدورهم يثيرون دفائن العقل البشري لتنكشف له الحقائق.

ومن هنا؛ فان العقل الداخلي يتصل بالعقل الخارجي (النبي و كتابه القرآن) بالتدبر، الذي يكون بمثابة القنطرة الموصلة بينهما، وحينها يكون مثل المتدبر، كمثل الداخل في المدينة الكبيرة لأول مرة، حيث انه لن يتعرف على شوارعها، الا اذا اخذ خريطة المدينة، وتأملها ملياً، ومن ثم طبّق المرسوم على الورق على الواقع الخارجي والشوارع والمناطق التي يتجول فيها، حينها سيتعرف على المدينة وشوارعها بيسر وسهولة. وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى قد اودع في كل واحد منا، المعارف الكثيرة، من التوحيد والعدل وحسن الخير وقبح الظلم وغيرها، التي تجمعها الفطرة الالهية،  وحينما يربط المرء تلك التعاليم الفطرية بتعاليم القرآن الكريم، تكتمل لديه الصورة وتنكشف له الحقيقة بما لا يشوبه الشك والريبة.

الا ان طريق الوصول الى تلك المرحلة ليس هينّاً، ذلك أن القرآن الكريم، كتابٌ عالٍ لا يرقى الى ادراكه كل إنسان، بل لا يمكن لأيٍ كان – مهما حاول – ان ينتفع من القرآن الكريم، ألم ينفتح الغربيون على كتاب الله، فراحوا يترجمون آياته ويتأملون عباراته؟ انهم فعلوا ذلك، دونما جدوى، ذلك لأن الكتاب لم ينفتح عليهم ابداً، قال الله سبحانه وتعالى: «وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ وَ لا يَزيدُ الظَّالِمينَ إِلاَّ خَسارا» (الإسراء /82)، فالقرآن الكريم شفاءٌ ورحمة للمؤمن، وفي نفس الوقت مزيد خسارة على الظالم، لماذا ذلك؟

لأن الخطوة الأولى والرئيسة في الانتفاع بالقرآن الكريم، تكون بتطهير القلب وتزكيته من جميع الضلالات والشهوات، قال تعالى: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقين‏» (سورة البقرة /2)، فلا يدخل الهدى قلباً لا يخشى الله سبحانه وتعالى، ومن هنا؛ فان التقوى ليس من نافلة الفعل لمن اراد ان يستضيء بنور القرآن، لأن الذنوب والمعاصي ادرانٌ تحيط مشكاة القلب فتمنع من تلاقي نوري العقل (القلب) والقرآن الكريم، قال الامام الصادق عليه السلام: «الْخَشْيَةُ مِيرَاثُ الْعِلْمِ وَ الْعِلْمُ شُعَاعُ الْمَعْرِفَةِ وَ قَلْبُ الْإِيمَانِ وَ مَنْ حُرِمَ الْخَشْيَةَ لَا يَكُونُ عَالِماً وَ إِنْ شَقَّ الشَّعْرَ فِي مُتَشَابِهَاتِ الْعِلْمِ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ [ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماء] » 1.

وتعني التقوى - فيما تعنيه-، الابتعاد عن الشهوات والذاتيات، والمصالح، والتسليم المطلق للحق، و هو بدوره يكون في جهتين:

الجهة الاولى: الايمان التام والتسليم المطلق لعدل القرآن الكريم، وهم اهل البيت عليهم افضل الصلاة والسلام الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه واله: «إِنِّي تَارِكٌ‏ فِيكُمُ‏ الثَّقَلَيْنِ‏ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا» 2.

 فمن لم يتولّ علياً وابناءه الطاهرين عليهم السلام، فإنه لن يقدر على فهم القرآن الكريم بصورة صحيحة، حتى لو اراد وسعى من اجل ذلك سعيه. فحينما يرفض الانسان الايمان بالحق الجلي المتمثل في العترة الطاهرة عليهم السلام، فانه يرفض الحقائق الاخرى من باب أولى، فيعمى او يتعامى عن رؤية الحق.

والولاية تعني التسليم التام والمطلق لاوامر الائمة ونواهيهم، فلا يدخله الشك في قلبه من حديثهم، حتى وان لم يعِ الحكمة والعلة في قولهم، لأنهم أئمة فرضت طاعتهم على العباد، فقد قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصادق عليه السلام: «يُقْتَلُ حَفَدَتِي بِأَرْضِ خُرَاسَانَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا طُوسُ مَنْ زَارَهُ إِلَيْهَا عَارِفاً بِحَقِّهِ‏ أَخَذْتُهُ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ وَ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ مَا عِرْفَانُ حَقِّهِ قَالَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِمَامٌ مُفْتَرَضُ‏ الطَّاعَةِ غَرِيبٌ شَهِيد..»3، فكل ما قاله الامام فقد قاله رسول الله وهو امر الله عزوجل، قال تعالى: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّه‏» (سورة النساء /64).

الجهة الثانية: التسليم المطلق لكتاب الله، فيكون المرء مسلماً لما في القرآن الكريم من حقائق، حتى لو كانت مخالفة لمسبقاته الفكرية، وأدلته العقلية.

وما اكثر من خالف آيات القرآن بزعم انها تخالف العلم والعقل، وتبين بعد حين انه كان المخطئ والجاهل بجهل مركب، وكانت آيات القرآن على الصواب.

فالتسليم يعني ان يجلس المرء امام الكتاب المجيد، دون ان يحمل أية مسبقات فكرية، وكما قال احد العلماء: لا ينبغي لمن يجلس على مائدة القرآن الكريم، ان يحمل معه طعامه الخاص، بل لابد ان يذهب خالي اليدين لينتهل من القرآن كل خير.

------------------

1- بحار الأنوار، ج2، ص52.

2- نفس المصدر، ج2، ص100.

3- من لا يحضره الفقيه، ج2، ص 584.


ارسل لصديق