(بيّنات من فقه القرآن) .. منهجية جديدة في عالم التفسير (2-2)
كتبه: سماحة السيد محمود الموسوي
حرر في: 2013/09/04
القراءات: 1331

تناول سماحة  السيد محمود الموسوي في الحلقة الاولى من هذا البحث، «الناحية الموضوعية» في منهجية تفسير سماحة السيد المرجع المدرسي، وكانت النقطة الأولى التي استغرقت الحلقة بالكامل، وفيما يلي نواصل البحث في النقاط الأخرى في هذه المنهجية التي وصفها السيد المؤلف بـ «النضج والعمق والتقدم خطوات نحو المزيد من المعرفة القرآنية».

 

* 2/ التقسيم

إن السورة القرآنية لها موضوعها العام الذي تعالجه بشكل أساس، وكل ما تأتي على ذكره فهو ذو علاقة بالموضوع الأساس، وإن قسمت إلى موضوعات متباينة، وفي تفسير «بينات من فقه القرآن»، اعتمد سماحة السيد المدرسي على تناول كل آية على حدة، فعدّها هي القسم الموضوعي الذي يتناوله بحثاً، فيستنبط منها مجموعة من السنن، فيعرض كل آية ثم يسوق الحديث فيها عن الموضوع، ولهذا جاءت مواضيع التفسير بعدد آيات كل سورة، وهذه ميزة مهمة في المنهجية، حيث بانت القدرة على الاستنباط من الآية الواحدة بشكل موضوعي، وبما يدعم الهدف من الكتاب، أي الجانب السنني.

ولم يخل ذلك التقسيم الكبير الذي هو بعدد آي السورة من الإشارة إلى الرابطة الموضوعية بين الآيات، حيث يبينها بشكل مباشر في العديد من الأحيان، وفي أكثر الأحيان يترك الإشارة إليها صراحة، إلا أنها تكون بينة باعتبار التناول الموضوعي وتظهير المعنى المنسجم مع السياق السابق، كأن يتحدث عن بعض الذنوب في آية، ثم يتحدث عن العفو ويركز الحديث على الخروج من الذنب بالعفو، أو يذكر المشكلة الاجتماعية في آية ويستنبط سننها كإشاعة الفاحشة مثلاً، ثم يتناول في آية أخرى العلاج لتلك المشكلة ويبين السنن العامة فيها.

ولا يترك المؤلف الإشارة إلى الترابط بين الآيات في بعض الأحيان صراحة، بل وبيان علاقتها بموضع السورة الأساس، فمثلاً حينما يتناول آية (47) يقول: «هذه منظومة من الآيات تتكون مع التي سبقتها اثنتي عشرة آية تذكر بالطاعة للرسول، وأنها ركن أساس للإيمان. فما هي الصلة بينها وبين إطار السورة، ولماذا نفى السياق إيمان من يتولى عن الطاعة؟».

فمن هنا قد تكون الإجابة على التساؤل الرابط هي التفسير للآية المراد تفسيرها، فيعدد أسباب الترابط ويبين حكمة (الموضع) في السياق، فتظهر لنا مجموعة من البصائر الجديدة.

 

* 3/ التدبّر

اعتمد سماحة المؤلف في الاستنباط من الآيات واستنطاقها منهج التدبر القرآني، عبر استثارة العقل بالتساؤلات المباشرة، ففي أغلب الآيات (المواضيع)، يبدأ بتساؤل يفاجئ به العقل، ليستحثه على الإجابة، باعتبار أن السؤال مفتاح العلم كما في الروايات الشريفة عن أهل البيت عليهم السلام، وكما جاء الأمر من أهل البيت عليهم السلام، باستنطاق القرآن الكريم وتثويره، كما ويستمر المؤلف في إلقاء التساؤلات في أثناء الموضوع، فعلى سبيل المثال، يبدأ تفسير الآية الثالثة من سورة النور بالتساؤل: «هل النكاح هو الزواج، أم أنه هنا تعبير عن الممارسة الجنسية ذاتها؟ وهل الآية في معرض بيان حكم شرعي، أو سنة إلهية؟».  وفي الآية الخامسة من نفس السورة يقول: «بالرغم من خطورة الذنب، وفظاعة آثاره الاجتماعية، تطوي التوبة صفحته وتغسل عاره وشناره. كيف؟».

أما الجانب الآخر من منهجية التدبر هي نوع الأسئلة التي يطرحها المؤلف، فهي ليست أسئلة عن معنى الكلمة أو معنى الآية، إنما التساؤلات جاءت خادمة لمقصد المنهجية العامة وهي السننية في التناول، فلا يأتي التساؤل ما الذي تعنيه هذه الآية، بل ما الذي تفضي إليه؟ ولماذا جاء السياق بهذا الموضع؟ وما هي فوائد هذا الحكم؟ وما هي الصلة بين هذا الموضع وذاك؟ وما شابه ذلك، فعلى سبيل المثال جاء تساؤل في الحديث عن «إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»، «ما هي الصلة بين العقائد الدينية ومن أبرزها التوحيد والعدل، وبين هذه الأحكام»؟ و تساؤل حول اللعنة، «لماذا اللعنة؟»، وتساؤل في آية «ولولا فضل الله عليكم ورحمته»: «ماذا ستصبح حياتنا من دون فضل الله ورحمته؟».

هذه التساؤلات تستدعي إجابات تكشف ما وراء الآية، فيستظهر المعاني العميقة والملازمة، ليستخرج تلك السنن التي تحكم مسيرة الإنسان، والتي إن وعاها فقد أوتي الحكمة، «وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً».

ويجدر بالذكر، أن السيد المرجع المدرسي، قد أولى التدبر في القرآن الكريم اهتماماً بالغاً، ووضع فيه منهجاً ليعين المتدبرين للقرآن الكريم في عملية تدبّرهم، ومنهج التدبر الذي وضعه سماحته، هو منهج رائد في مجاله، حيث دوّنه في كتاب مستقل تحت عنوان «بحوث في القرآن الحكيم»، وأيضاً تم إرفاقه مع تفسير من هدى القرآن الكريم، في مقدمته، ولأن سماحته كان له ذلك الاهتمام والتأسيس النظري، فإن روح استنطاق الآيات والتدبر فيها، يلقي بظلاله الثّر في تفسير بينات من فقه القرآن.

 

* 4/ الاستفادة من الروايات

باعتبار أن السنة الشريفة المتمثلة في روايات النبي صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الطاهرين، هي مبيّنة للقرآن الكريم كعلاقة علمية بين القرآن والسنة، فإن الاستفادة من الروايات في مجال التفسير تعدّدت أوجهه لدى المفسرين، بل لدى المفسر الواحد أيضاً، فمنها ما هو تفسير مباشر للنص القرآني بحيث يبيّن معنى كلمة في سياق آية معينة، مثل معنى الظلم في: «ولا تلبسوا إيمانكم بظلم»، حيث بيّنت الروايات أنه الشرك، ومعنى «الزينة» في قوله تعالى: «خذوا زينتكم عند كل مسجد»، وما شابه ذلك، ومن الروايات ما هي تأويل تتحدث عن مصداق من المصاديق التي تنطبق عليها الآية، كما ويستفاد من الروايات التي جاءت لبيان مواصفات السور وفضائلها، أو الروايات التي جاءت بمعلومات عن القصص الواردة في القرآن بتفصيل أكثر، فإن الروايات الشريفة لها دخل أساس في فهم القرآن الكريم وبأوجه متعددة.

وقد استفاد المرجع المدرسي في تفسير «بيّنات» من تلك الأوجه بشكل مجمل، كما ونراه قد استفاد منها في تفسير «من هدى القرآن الكريم» أيضاً، إلا أن الاستفادة المميزة للروايات في تفسير «بينات» هي استفادة موضوعية عبر مطابقة موضوع الآية مع موضوع الرواية حتى لو لم تكن الرواية تتحدث عن تفسير الآية، إنما الأهم أن يمت موضوعها لموضوع الآية بصلة، وباعتبار أن أهل البيت، عليهم السلام، هم عَدل القرآن، وهم القرآن الناطق، فكل ما يتلفظون به فهو مطابق مع آيات القرآن الكريم في مضمونه وفي مقصده، لهذا فإن الاستفادة من الروايات في هذا الجانب له أهمية كبيرة ومن شأنه أن يعطي دلالات واسعة للآيات، ويفتح أبواباً للمعرفة. بل إن هذا النوع من التعاطي مع روايات أهل البيت عليهم السلام، لهو جزء أساس من منهجية التفسير الموضوعي، ويمكننا أن نعدّ ذلك إشراب المنهجية السننية بالموضوعية، مع أن المنهجية السننية تتصف بالتأسيسات الموضوعية التي تنطبق على موضوعاتها المتنوعة في الحياة.

يشير المرجع المدرسي لهذا المنهج في كتابه «فقه الاستنباط» بقوله: «وبالتأمل الجدّي في الأحاديث المأثورة عن أهل البيت، عليهم السلام، يتعلّم الفقيه ليس فقط تفسير مفردات الكتاب بل وأيضاً منهجية تفسير القرآن».

وأيضاً من خلال هذا التفسير الذي سوف لا يقتصر على الروايات التي تناولت آية معيّنة وذكرتها ثم بيّنت معناها وهي كثيرة جداً، بل وأيضاً يشمل الروايات التي وردت في سياق معنى الآية «وليس في سياق لفظها»، لأن كلامهم كله من القرآن، وهكذا يصلح أن يكون تفسيراً له» (1).

لقد قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما» (2).

 

* نماذج من الاستفادة

الموضوعية من الروايات

النموذج الأول:

الآية: «قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً» [الفرقان : 6]

الرواية: قال الإمام علي بن موسى الرضا، عليه السلام: «ومن آياته - آيات النبي محمد (ص)- أنه كان يتيماً فقيراً راعياً أجيراً، لم يتعلّم كتاباً، ولم يختلف إلى معلّم. ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياء وأخبارهم حرفاً حرفاً، وأخبار من مضى، ومن بقي إلى يوم القيامة..». الموضوع؛ أن القرآن حديث الرب عزّ وجل، ودليله أنه جاء بأسرار الخلق ويقرأ ما وراء الطبيعة، والرواية تشير إلى عظمة ما جاء به النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، من غير أن يتعلّمه من أحد، فالرواية تتطابق مع الآية في ضرورة الاعتبار من ذلك الإعجاز الذي ليس له مصدر إلا الله.

 

* النموذج الثاني:

الآية: «أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُوراً». [الفرقان : 8]

الرواية: «قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عـــليه السلام: «وَ لَــوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ‏ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ‏ وَ عِزَّةٍ لَا تُضَامُ وَ مُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَُــــالِ وَ تُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الِاعْتِبَارِ وَ أَبْعَُــــدَ لَهُمْ [مِنَ‏] فِي الِاسْتِكْبَارِ وَ لَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً وَ الْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً وَ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُــــونَ الِاتِّبَاعُ لِرُسُُــــلِهِ وَ التَّصُــــْدِيقُ بِكُُــــتُبِهِ وَ الْخُشُوعُ لِوَجُْــــهِهِ وَ الِاسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ وَ الِاسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لَا تَشُوبُهَا [يَشُوبُهَا] مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَة».

إن الموضوع المشترك بين الآية والرواية، أن الإيمان بالأنبياء ليس منطلقه القوّة المادية، بل إن الكنز الحقيقي هو الإيمان بالله وتوثيق الصلة به تبارك وتعالى بحيث لا تشوبها شوائب مادية.

 

* 5/ أسلوب العرض

اعتمد المؤلف على أسلوب مميّز في عرض الفكرة وتناول الآيات، إضافة إلى التقسيم الذي جعل فيه لكل آية قسماً خاصاً وتحت عنوان خاص به، يشرع بعد ذلك بالتساؤل والإثارة التي يدخل بها في الموضوع بشكل مباشر ودون مقدمات أو إطالة، فيعرض الأفكار على هيئة نقاط أو تقسيمات مترابطة، ثم وتحت عنوان موحّد في نهاية كل آية، وهو «بصائر وأحكام» يستخلص السنن ويظهرها على هيئة عبارات موجزة ومعبرة.

فكل قسم من الكتاب يحتوي على أربعة أقسام هي: «عنوان الموضوع»، ثم «الآية موضوع البحث»، ثم «المتن، والذي يحتوي على التساؤلات والإجابات المرتبة»، ثم «بصائر وأحكام: وهي صياغة السنن بعبارات قصيرة وواضحة». كما أن الكتاب احتوى على هوامش في طرفي الصفحات، مودعة في مربعات نصيّة، فيها عبارات مهمة، ملخصة من المتن، هدفها التلخيص والتذكير بالمهم من الأفكار.

وختاماً: فإن موسوعة بيّنات من فقه القرآن التفسيرية الجديدة للمرجع المدرسي تعد إضافة جديدة ضمن التفاسير الراسخة ذات المنهج الأصيل المستنبط من كتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وآله،  والتي تثري العقل ببصائر حياتية تعدّ عن امتزاج القرآن الكريم بحياة الإنسان وحركته الحيوية المتجددة.

-------------

1- فقه الاستنباط، ج1 ص55، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي.

2- من هدى القرآن، ج1 ص118، المرجع المدرسي، عن سنن الترمذي: ج5 ص329.


ارسل لصديق