القرآن كتاب الحياة الطيبة
كتبه: العلامة الشيخ صالح الكرباسي
حرر في: 2013/09/04
القراءات: 1109

القرآن هو كلام الله العزيز و المعجزة الإلهية الخالدة التي زوَّد الله تعالى بها رسوله المصطفى صلى الله عليه و آله، و هو الميراث الإلهي العظيم و المصدر الأول للعقيدة و الشريعة الإسلاميتين، و الذي لا يُعْدَلُ عنه إلى غيره من المصادر مطلقاً.

و من تتبع آي الذكر الحكيم، و تدبر معانيها يجد وراءها مقسماً مشتركاً، و إطاراً عاماً يربط بين جميع قواعده و مبادئه، و سوره و آياته، و هذا الرابط هو الدعوة إلى أن يحيا الناس.. كل الناس، حياة طيبة يسودها الأمن و العدل، و يغمرها الخصب و السلام: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ...» [الأنفال/24].

و لدعوة اللّه و الرسول إلى الحياة أسلوب خاص، و ركائز تقوم عليها، أما أسلوب الدعوة فقد حدده اللّه سبحانه بقوله لنبيه الأكرم صلى الله عليه و آله: «ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..» [النحل/125].

و المراد هنا بالحكمة و الموعظة الحسنة، أن يخاطب القلب و العقل، و يعرض في دعوته إلى اللّه، بدائع المخلوقات، و عجائب الكائنات: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ..» [فصلت/53]. و أن يحذِّر المشاغبين و المعاندين من سوء العاقبة و المصير، و يضرب لهم الأمثال من الأمم السابقة، كما فعل شعيب، حيث قال لقومه: «وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ» [هود/89]. فإن أصروا على العناد تركهم و شأنهم، حيث لا مزيد من البينات و البراهين: «فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ..»[آل عمران/20]، «..فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ» [الرعد/40].

أما ركائز الدعوة إلى الحياة الطيبة فنذكر منها ما يلي:

أولاً: إن الإنسان لم يوجد في هذه الحياة صدفة و من غير قصد، يقول ربنا سبحانه وتعالى: «وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ..» [النحل/16].

ثانياً: إن اللّه سبحانه لم يترك الإنسان سدى، تتحكم فيه الأهواء و النزوات، بل اختطّ له طريقا سوياً لا يجوز أن يتخطاه و يتعداه: «أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى» [القيامة/36]. «فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [الحجر/92-93].

ثالثاً: الأمن و صيانة النظام، فمن أخلّ به و سعى في الأرض الفساد، عوقب بأشد العقوبات في الدنيا، و له في الآخرة عذاب أليم: «إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ» [المائدة/33].

رابعاً: إن صيانة الأمن و النظام لا تتحقق و لن تتحقق إذا لم يكن كل إنسان أمينا على نفسه و كرامته، لأن المجتمع الصالح في منطق القرآن هو الذي لا يوجد فيه بذرة واحدة من بذور الفساد ولعل الباري عزوجل يشير الى ذلك في قوله تعالى: «..مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..» [المائدة/32].

ذلك إن حقيقة الإنسانية تقوم بكل فرد، تماماً كقيامها في جميع الأفراد، فمن أساء إلى واحد منهم فقد أساء إلى الإنسانية بكاملها، و من أحسن إليه فقد أحسن إليها كذلك. و قوله تعالى «..مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ..» إشارة إلى أن لكل فرد قدسيته الإنسانية، و انه في حرم محرم، حتى ينتهك هو حرمة نفسه بارتكاب جريمة ترفع عنه تلك القدسية و الحصانة الإنسانية.

خامساً: إن العلاقات بين الناس تقوم على أساس حصانة الكرامة و صيانتها لكل فرد، من غير فرق بين الذكر و الأنثى، و الأسود و الأبيض، و الغني و الفقير.. ومن أي ملة كان و يكون، و قد أقر اللّه هذه الحقيقة بأوجز عبارة و أبلغها قائلاً: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ.. » [الإسراء/70]. و من استهان بمن كرمه اللّه سبحانه فقد استهان باللّه و شريعته.

سادساً: إن الإيمان باللّه، و نبوة أنبيائه، باليوم الآخر، و غيرها من الأصول و الفروع ليست مجرد شعارات دينية يرفعها القرآن، بل ان لكل أصل من أصول الإسلام، و كل حكم من أحكامه ثمرات و حقائق يجمعها الخلق الكريم، و العمل النافع.. فلقد قرن اللّه الإيمان به بالعمل الصالح في العديد من الآيات، أما الإيمان بنبوة محمد، صلى الله عليه و آله، فهو إيمان بالإنسانية و رفاهيتها. أما دخول الجنة فيرتبط أقوى ارتباط بالجهاد و العمل الصالح في هذه الحياة: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» [آل عمران/142].

و هكذا يرسم القرآن الكريم، الطريق الايجابي لبلوغ مقاصده، و استجابة الدعوة إلى الحياة التي أشار إليها بقوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ..».

و هذا دليل واضح على أن أية دعوة لا تمت إلى الحياة بصلة، ما هي من الدين في شي‏ء، و من نسبها إلى اللّه و رسوله فقد افترى على الدين كذبا.

فالحياة الطيبة هي الحياة التي يدعو لها القرآن الكريم و هي لا تحصل إلاَّ بالايمان بالله عَزَّ و جَلَّ، و العمل الخالص بما أمر به، فهو القائل جَلَّ جَلالُه: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ» [النحل/97].

العلامة الشيخ صالح الكرباسي


ارسل لصديق