نموذج الإنسان الناجح .. الإرادة بوعي والحرية بعقل
كتبه: باقر ياسين
حرر في: 2013/09/04
القراءات: 1496

يقوم صرح التمدن الاسلامي ويقوى كيانه على ثلاث قواعد متينة :

1ـ الاستقلال والامن.

2ـ الخير والصلاح.

3ـ التكامل والتقدم.

والقاسم المشترك الذي يجمع بين هذه القواعد الثلاث هو كونها ترتبط ارتباطا وثيقا بقيمة التوحيد التي هي ضرورة لابد منها، فالتوحيد هو الصبغة التي يتسم بها المجتمع الاسلامي وهو ينبوع لكل خير ومصدر لكل رافد مبارك.

إن جميع جوانب حياة الانسان المؤمن وكل ابعادها المعنوية، تتميز بطابع التوحيد وتتلون به مصطبغة بصبغة الايمان بالله ـ جل وعلا ـ، بينما نرى في الجانب الاخر، أن كل رذيلة او انحراف أو فساد يتغلغل ويستشري في حياة الانسان ويختلط بنفسيته فيدمر معنوياته، لابد ان يكون منشؤه وأصله الشرك.

فالشرك بالله ـ عزوجل ـ والاعتقاد بالقيم والمفاهيم التي تخالف وتناهض مبدأ التوحيد وقيمه هو السبيل الموصل الى متاهات الانحراف والضلال.

 

* حيرة الفلاسفة في حاجة الإنسان

هناك اختلاف عريض بين فلاسفة القانون وتباين واسع في آرائهم التي يطرحونها حول القيم والمبادئ التي يعتمدها المشرع في وضعه وتقنينه وتصنيفه للقوانين ومنشأ هذا الاختلاف والتباين الكبير هو الاساس الذي ينبغي ان يرتكز عليه هذا القانون والقيمة التي يفترض ان يعتمدها ويتخذها مرتكزا يقف عليه، وبتعبير آخر ثمة تساؤل عن طبيعة الاهداف التي ترمي القوانين والانظمة الوصول اليها وتحقيقها والدافع الذي يجعل المقنن او المشرع يضع قانونا او حكما ما؟

الجواب على هذا التساؤل المتشعب هو ـ على رأي البعض ـ ان الهدف الاساسي او الدافع الرئيسي هو اشباع رغبات وشهوات الانسان، فهم يعتقدون ان البطن إذا ما امتلأت والشهوة اذا اشبعت وتحققت وحصل الانسان على حاجاته ومستلزماته من طعام وسكن ومتاع في حياته الدنيا، فان القانون يكون حينئذ قد حقق اهدافه ولم تعد هناك حاجة بعد ذلك لشيء آخر.

هذا ما يراه البعض، بينما اضاف آخرون الى تلك الحاجات والمستلزمات ضرورة أخرى أو مبدأ آخر، فقال إن الانسان يحتاج ـ إضافة الى كل ما مرّ من حاجات ومستلزمات ضرورية ـ الى الحرية حيث اعتبرت هذه الفئة من الفلاسفة والمفكرين، الحرية ضرورة اساسية وركناً أصليا من اهداف وفلسفة القوانين؛ ويرى احد الفلاسفة الغربيين المنتمين الى هذه الفئة ان لا جدوى ولا فائدة ولا قيمة لحياة تنعدم فيها الحرية.

ثم جاءت مجموعة ثالثة لترى ان الهدف من وراء عملية وضع القوانين لا يقتصر على تلبية الحاجات والرغبات و إشباع الشهوات وتوفير الحرية فحسب، إنما هناك قيمة اخرى لابد منها وبذلك اضافوا هذه القيمة او الضرورة الثالثة واعتبروها أعظم من سابقاتها، ألا وهي قيمة «الامن والسلام»، فهؤلاء يرون ان الانسان الذي يعيش هاجس الخوف من قتل او غدر او وقوع مكروه ما له، في أية لحظة من حياته، حينذاك لا قيمة لحياته حتى وأن توفرت المستلزمات والحاجات الضرورية تلك وتمتع باجواء من الحرية؛ ثم ما طعم الحياة حين يعيش سنيها ـ وان طالت الى سبعين او ثمانين عاما ـ وسيف الارهاب والاعدام مسلط عليه، فيما ينغص شبح الظلم معيشته عليه ليعدم سعادته واطمئنانه.

وعلى هذا الاساس فلابدّ ـ عند هؤلاء ـ ان يحسب حساب الامن والسلام والاستقرار والطمأنينة عند عدّ الضرورات التي تدعو الى وضع القوانين وسن الاحكام وصياغة الانظمة.

وهناك فريق رابع من فلاسفة القانون والمفكرين وذوي الرأي في هذا المجال يرى ان ذلك كله لايكفي ما دامت هناك قيمة رابعة لم تصنف مع بقية القيم الاساسية التي تشكل اهداف القانون، ألا وهي قيمة التقدم والتكامل.

فالانسان بطبيعته يعيش التطلع والامل والسير في الآفاق وهو يكره الحياة الرتيبة والروتينية المحصورة في مجموعة فعاليات تتكرر كل يوم في الحياة، وربما يتكرر البعض منها في اليوم الواحد مرة او مرتين فتصبح حياته حينئذ أقرب الى النظام الآلي الميكانيكي، فالقانون الذي تطلب صياغته وسنّه يجب ان يأخذ بعين الاعتبار هذه القيمة التي اشارت اليها هذه المجموعة من الفلاسفة والمفكرين في مجال وضع القانون الامثل.

فهؤلاء يقولون: ان على المقنن ان يضع في حسابه ـ وهو يضع القوانين ـ عملية جمع طاقات افراد المجتمع حتى ينطلق بهم الى الامام ويسمو بهم الى المستويات الرفيعة المتكاملة.

تلك هي القيم والمثل والضرورات التي يراها ويقول بها فلاسفة القانون ومفكروه، اجملناها باربعة اصناف يرون انها تحقق الاهداف التي يصبو اليها القانون بصورة عامة.

انها لمسألة في غاية الاهمية ان يعي المقنّن الهدف الذي ينشده القانون، وحين الجهل به فان صياغة القانون لن تكون بشكل يناسب المجتمع ويتلاءم مع تكوينه وطبيعته، وهو بهذا مثله كمثل سائق سيارة يتحرك بها لكنه لا يعرف الوجهة التي يروم الذهاب اليها، فلا مناص له من التيه والضياع في وسط الطريق، فلن يبلغ هدفا في سيره مهما بذل جهدا فيه ومهما أتعب نفسه، لانه في الاصل يجهل الهدف الذي هو اساس الحركة.

وعلى هذا الاساس فان الموضوع الذي نراه اساسيا في وضع القوانين هو فلسفة هذه القوانين ومرتكزاتها واهدافها والغايات التي يتطلع اليها من خلالها.

 

* العقل والإرادة جوهر الإنسان

وهناك سؤال آخر يطرح نفسه بالنسبة لنا نحن المسلمين، وهو اننا حين نصبو الى تحقيق الحكم الاسلامي، فما هي الاهداف السامية التي يتوخاها الحكم الاسلامي والقانون الديني، أو بالاحرى: ماهي الاهداف النبيلة التي يرجو تحقيقها القرآن الكريم؛ هذا الكتاب السماوي المبين الذي نعده أساس التشريعات وافضل و أكمل قانون إلهي أنزل وحياً، وخُط كتاباً تسير على هداه البشرية كلها؟

قبل الاجابة على هذا السؤال المحوري لابد من معرفة أن الاهداف التي تنشدها القوانين الاسلامية ليست أهدافاً عرضية، أي ليست في امتداد بعضها البعض، وإنما تمتد طوليا؛ أي ان بعضها ينبثق من البعض الآخر، فيما تتفاضل بينها بالاهمية بمعنى ان بعضها اعظم و أفضل من البعض الآخر و اكثر اهمية.

وحينما نريد استعراض هذه الاهداف، لابد ان نستعين بسلّم اولوياتها حيث تقوم هذه الاهداف على قاعدة صلبة و أساسية تحمل بنيان التشريع الاسلامي، ألا وهي قاعدة توحيد الله ـ عزوجل ـ  وهو الاساس الذي ينبثق عنه اول ما ينبثق هدف الاستقلال، ثم تصدر من شطر الاستقلال بادرة الامن التي حين تنمو وتخضر،  تزهو بالخير الذي يعطي ثمار التقدم والتكامل والنمو والازدهار.

هذه الاهداف هي سلسلة رصينة في حلقات متكاملة احداهما تكمل الاخرى وتتصل باختها الثانية، حيث تنطلق جميعا من بذرة اساسية واحدة هي التوحيد، فالاسلام يرى ان اصل الانسان هو عقله و إرادته ، فاذا فُقد هذان الاثنان، تنعدم قيمته في كونه إنساناً، وعندئذ يصبح شأنه شأن الحجر أو الحيوان.

ان للانسان شأناً عظيماً حينما يكون في كامل عقله و إرادته، حيث سما عن كل الخلائق المادية والارضية وكرمه الله بهذه المكرمة.

يقول تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم»، فجُعل كل ما في الكون مسخراً له، ولعل ابرز و أول هذا التكريم هو الامر بالسجود لآدم حين أمر الله الملائكة بذلك، فسجدوا وفعلوا ما أمرهم إلا ابليس حيث أبى واستكبر، فكان العدو اللدود لبني آدم، علماً ان لكل ما في هذا الكون الفسيح ملائكة موكلة به، فهناك الملائكة الموكلة بالشمس وتلك الموكلة بالقمر واخرى بالنجوم والمجرات وباقي الافلاك، وهؤلاء جميعاً سجدوا لآدم وذريته التي حملها في صلبه، ولعل من بين هذه الملائكة جبرائيل وميكائيل وعزرائيل والملك الاعظم اسرافيل.

ترى؛ لماذا كل هذه الكرامة العظمى التي ما بعدها كرامة؟ الجواب ببساطة؛ أن في الانسان شيئاً ينعدم في أي مخلوق آخر؛ فلو نظرنا الى الجبال وسلاسلها، هذه الموجودات الهائلة التي لا يمكن مقارنة الإنسان بضخامتها وثقلها ووسعها وشموخها، لكنها مع هذه المواصفات والميزات الهائلة الجبارة التي تتميز بها، لا توازي الانسان في الاهمية والكرامة، رغم صغره حجمه، فالانسان أهم و أكرم و أعظم منها، بل و أكبر و أعظم من الشمس والقمر والنجوم، لانها جميعاً مسخرات له بأمر خالقه ـ سبحانه ـ وهذه الكرامة لا تكون إلا حين امتلاك الارادة والعقل والتبصّر الذي من خلاله تحمّل الامانة، التي جاءت في القرآن الكريم: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا». (سورة الاحزاب /72)

أما أجمل هدية وأهم واعظم كرامة يهبها الله للانسان، هو ان يرزقه الايمان ويثبته في قلبه، فلا يزيغ هذا القلب بعد الهداية والايمان، فالله ـ سبحانه ـ هو مقلب القلوب والابصار، والانسان حين يركن الى زاوية ويجلس ويدعو ويلعن الظالم الذي ظلمه أو يدعو بأي دعاء سواء له او على اعدائه و ظالمي حقه، فينبغي ان لا يراود هذا الانسان ولا يرتقي اليه أدنى شك ولو بقدر ذرة في القدرة الالهية على استجابة دعائه، فينبغي على المؤمن حين يدعو الله ان يفرج عنه كرباً او يدفع عنه ظلماً أو يأخذ حقه ممن ظلمه، وان يدعوه ـ سبحانه ـ دعاء من يرى الاستجابة امامه ويلمسها بيده.

وحين خلق الله تعالى الانسان، منحه نفحة من بعض اسمائه وصفاته الجليلة ومنها الارادة والمشيئة والاختيار خلافا لبقية المخلوقات التي خُلقت طائعة ومنها الملائكة، فالخالق كان بامكانه ـ على سبيل الافتراض ـ ان يخلق هذا الانسان طائعاً ساجداً لآلاف وملايين السنين، كما هو حال بعض الملائكة الذين خلقوا ليجدوا انفسهم في حال سجود دائم لاينقطع الى أبد الآبدين والبعض الآخر منهم خلقهم في حالة قنوت دائم رافعين أيديهم الى العرش يدعون.

فالله ـ سبحانه ـ الذي خلق هؤلاء الملائكة بهذه الصورة والحال، يمكنه ان يخلق هذا الانسان على صورتها وهيئتها، ولكن مشيئته وارادته اقتضتا ان يخلق مخلوقاً يُعرف به من خلال الحسّ والعقل والوجود، فخلق الانسان و أعطاه الحرية والاختيار الى جانب العقل والارادة المدعومين بالرسالات السماوية والكتب والانبياء والرسل عليهم السلام.

فالارادة والعقل هما بمثابة الجوهرة التي تشكل الاصل في الانسان ولب كيانه و وجوده، ولأجله سخرت الاكوان وكان التسخير هذا بالارادة والعقل وتكريماً له كان سجود الملائكة جميعا إلا ابليس الذي قاد جبهة الهوى والشهوة والغفلة المضادة للارادة والعقل، ومن هنا يتضح ان الصراع الشيطاني مع الانسان يتمحور ويتجسد في الصراع بين الارادة والعقل من جانب والهوى والشهوة من جانب آخر.

من ذلك كله نخلص الى حقيقة، أن قيمة الانسان كإنسان، إنما تكمن في الارادة والعقل والحرية او يمكن ان نلخصها بعبارة واحدة هي: الارادة الحرة الواعية، ومن هذه الارادة تتولد حالة الاستقلالية التامة أو الشعور بالاستقلال والحرية وهذا يعني عدم وجود قوة يمكن ان تفرض عليه امرا إلا ما كان يوافقه العقل والمنطق السليم.


ارسل لصديق