الشقاق بين الزوجين في نظر الشرع والقانون
كتبه: المحامي : حيدر عبد الرضا الظالمي
حرر في: 2013/09/04
القراءات: 3403

الزوجية سنّة من سنن الله تعالى في الخلق والتكوين، وهي ليست مقتصرة على الإنسان فقط، بل هي سنّة تشمل النبات والحيوان. قال تعالى: «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ». (الذاريات /49)، وقال تعالى ايضاً: «سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ». (سورة يس /36).

والحالة الزوجية، هي الطريقة الوحيدة والفضلى، الذي اختاره الله تعالى للتناسل والتكاثر وديمومة الحياة على الأرض، وبالنسبة للإنسان؛ لتنظيم غريزة الجنس، من خلال ضوابط خاصة لخدمته هو، على أن لا ينفلت العقال من يديه، فتتحول الحالة الزوجية المقدسة والبنّاءة، الى ممارسة جنسية فوضوية، لا قانون ولا ضوابط تحدّها. لذا وضع الله تعالى نظاماً متكاملاً للإنسان من شأنه حفظ كرامته ومكانته بين سائر المخلوقات، وذلك من خلال نعمة العقل. وجعل الأسرة، الكيان والبناء المحكم والمتماسك، وشرع له نهجاً وقوانين أفصحت عن مدى الاهتمام الكبير من لدنه تعالى، وقد أورد القرآن الكريم العديد من الآيات الكريمة التي تحدد بنود وفقرات من هذا النهج الرباني. وبما ان الأسرة تمثل المجتمع الصغير، ومنها يتشكل المجتمع الكبير، فقد أكد الاسلام على مسألة الاحترام المتبادل بين الزوجين، وعلى توثيق العلاقة بينهما، لكي تسير على وفق ما أراده الله تعالى وتحقيق الهدف السامي من الزواج. لكن نظراً لاختلاف الافكار والأمزجة، وهي بحد ذاتها سنّة أخرى من سنن الله تعالى في حياة البشر، فان هنالك بعض التقاطعات والمشكلات تعترض مسيرة الحياة الزوجية، وحسب معظم العلماء والخبراء، فان الخلافات الزوجية والعائلية، تبدأ دائماً بسيطة وسطحية، وحول أمور صغيرة، لكن لا تلبث أن تتحول الى معول لهدم بناء العش الزوجي، وتكون سبباً لزعزعة استقرار الحياة الزوجية، بسبب استمرار واستحكام هذه الخلافات والمشكلات، ومردّ ذلك الى أسباب عديدة؛ أولها: وساوس الشيطان وإستفزازاته وإثاراته المستمرة للإنسان، وبما ان الشيطان هو العدو الأول للإنسان، وان اجتماع الرجل والمرأة تحت سقف واحد برباط الزوجية المقدس، لبناء الأسرة الناجحة، مما لا يرتضيه الشيطان، فانه يحاول بكل الحيل والمكائد، الايقاع بين الزوجين، مستغلاً وجود بعض الاختلاف وعدم التطابق في الصفات والخصال، ليجعل منها سبباً لتضعيف البنية التحتية لكيان الأسرة، وقد تكون بداية الاختلاف، اقتصادية أو اجتماعية أو حتى نفسية. ثم تتعقد المشاكل لتكون نتيجتها الانفصال أو «الشقاق».

وكما أسلفنا فان أغلب أسباب الخلافات الزوجية تبدأ بسيطة وتافهة، لذا يجدر بالزوج والزوجة التحلّي بمزيد من الوعي والثقافة والصبر لمعالجة هذه الخلافات، وحلّها بحكمة وعقلانية، بسلوك طريق الحوار والتفاهم والتنازل من الطرفين، وعدم اللجوء الى التشنيع والتعصّب والانانية. لأن الرابط المقدس للزواج يحفظ لكلا الطرفين شخصيتهما وكرامتهما لدى التنازل للآخر، فالعلاقة الحميمة بين الزوجين بامكانها تذويب وتسوية كل الخلافات والمنغّصات، وربما هذا ما لا يوجد في المشاكل والازمات التي تقع بين سائر الأفراد في المجتمع، سواء بين الأخوة، أو بين الابوين والأولاد، او بين الاصدقاء وهكذا..

 

* القرآن الكريم يعالج «الشقاق»

المشكلة المعقدة هنا؛ عندما تتضخم الخلافات الزوجية وتتصاعد الى حالة النفرة والكراهية بين الزوجين، فيقف كل واحد منهما في اتجاه مغاير، ولن يرضى أحد بالآخر، وهذا ما يسمى بـ «الشقاق»، على ما وصفه القرآن الكريم، «ويُراد به «الناحية»، ويتضمن فعل الأثنين، لأن الطرفين تشاركا في التعدّي والتباعد بسبب حصول الكراهة والاختلاف بينهما»، مما يؤدي في الغالب الى الطلاق اذا لم يتم تدارك الأمر بالحل والتقارب.

وقد بينت الشريعة الاسلامية أنه في حال حصول الشقاق بين الزوجين وعدم تمكن الزوجين من حل هذا الشقاق بينهما، يُصار الى الطريق أو الحل بالطرق الاجتماعية، وهو يعتمد على الوساطة والتشاور من خلال تعيين حكمين من أهلهما، يقول الله تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا» (سورة النساء /35).

وهنا على الحكمين أن يجتهدا في تحقيق الاصلاح بين الزوجين، وأن يبذلا قصارى جهدهما، فاذا أخلصا نيتهما وعملهما، وفقهما الله وأصلح الزوجين على يديهما، وبذلك يعودا الى عش الزوجية بخير وسلام. أما في حال عجزهما عن تحقيق هذا الهدف، فان  الأمر يُصار الى الطلاق.

 

* القانون.. قرب و ابتعاد عن الحل

وقد تطرق قانون الاحوال الشخصية العراقي رقم (188) لسنة 1959 المعدّل في المادة (41) بفقراته الأربع، حيث جاء في الفقرة (1): «لكل من الزوجين طلب التفريق عند قيام طلاق بينهما سواء أكان ذلك قبل الدخول أم بعده».

وهذا واضح من نصّ الفقرة بأنه أعطى الحق للزوجة والزوج بأن يرفعا دعوى أمام المحكمة للتفريق بسبب الخلاف أو الشقاق، سواء حدث الخلاف قبل الدخول أم بعده.

وتأتي الفقرة الثانية لتبين اجراءات التفريق لترسم الطريق للمحكمة بقولها: «على المحكمة اجراء التحقيق في اسباب الخلاف، فاذا ثبت لها وجوده تعيّن حكماً من أهل الزوجة وحكماً من أهل الزوج، إن وجدا، للنظر في إصلاح ذات البين، فان تعذر وجودهما كلفت المحكمة الزوجين بانتخاب حكمين، فان لم يتفقا انتخبتهما المحكمة».

هنا قد سلك القانون العراقي مسلك الشريعة الاسلامية بخصوص إصلاح ذات البين بين الزوجين عن طــــــريق الحكمين وهذا شيء جيد، ولكن عند عـــــدم وجود الحكمين من أهل الـــــزوج والزوجة، فسوف تنتدب المحكمة خـــــبراء من العاملين لديها، وغـــــالباً يكونون غير جدّيين بأمر الإصلاح، لأن الأمر لا يعنيهما من الناحية الاجتمـــــاعية، الى جانب الاجراءات الروتينية الطويلة في المحاكم التي تؤدي الى عدم تحقيق النتائج المرجوة، إن لم تسبب في تفاقم الأزمة بسبب استمرار الخلاف والشقاق مع مرور الأيام.

أما الفقرة الثالثة فتقول: «على الحكمين أن يجتهدا في الاصلاح فإن تعذر عليهما ذلك، رفعا الأمر الى المحكمة موضحـــــين لها الطـــــرف الذي ثبت تقصيره، فاذا اختلفا، ضمت المحكمة لهما حكماً ثالثاً».

وقد بينت هذه الفـــــقرة أن مهمة الحكمين هي الاصـــــلاح وعـــــليهما أن يجتهدا فيه، وان يبذلا قصارى جهدهما، فاذا تـــــعذر عليهما ذلك، يرفعان تقريراً الى القـــــاضي يبينان فيه ذلك، كـــــما يبينان فيه نسبة تقصير كل مـــــن الزوج والزوجة، وعلى اساس هـــــذا التقصير يسقط المقـــــدار من المهر المؤجل للزوجة، وهذا ما بينته الفقرة الرابعة.

ثم بينت الفقرة الثالثة مسألة اختلاف نسب التقصير في تقرير الحكمين، فالحكم الأول قدر نسبة معينة والحكم الثاني نسبة أخرى، هنا تعين المحكمة حكماً ثالثاً ليحل الاختلاف.

أما الفـــــقرة الرابعـــــة فجاءت لتبين ثبوت الخلـــــافات للمـــــحكمة واستـــــمرارها بين الزوجـــــين وعجز الحكمين عـــــن الاصلاح وامتناع الزوجـــــين عـــــن التطليق، هنا تقوم المحكمـــــة بالتفريق بينهمـــــا، ويعد هـــــذا التفـــــريق طـــــلاقاً بائــــــــــناً، (بينونة صغرى)، بمعنى انه لا يحق للزوج إعادة زوجته إلا بعقد ومهر جديد. كما بينت هذه الفقرة مسألة المهر المؤجل، فاذا كانت الزوجة مقصرة، سقط مهرها المؤجل، إذا كان مدخولاً بها، أما اذا لم يكن مدخولاً بها رُد كل المهر المقبوض، أما اذا كان التقصير من الطرفين هنا يُقسم المهر المؤجل حسب تقصير كل منهما.

وتأتي المادة الثانية والاربعون لتُبين حالة رد دعوى التفريق لعدم ثبوت سبب التفريق، ثم أقيمت دعوى ثانية بالتفريق لنفس السبب، فعلى المحكمة أن تلجأ الى التحكيم.

ويبدو أن المشرع العراقي يعول كثيراً على خيار التحكيم، وهو محق في ذلك، إلا ان هذا الحرص ومع شديد الأسف لا يتناسب مع ما موجود على أرض الواقع، وفي أروقة المحاكم، وحالة التحكيم الروتينية من حيث عدم الاختيار الجيد، ودقّة المواصفات والكفاءة، وعدم أهلية بعض المحكمين لأداء هذه المهمة الحساسة.

وهذا جميعاً؛ يؤكد دور الاصلاح والوساطة على جميع الاصعدة، لأن الخلافات دائماً قابلة للحل، لاسيما بعد أن تهدأ عاصفة المواجهات الكلامية والمواقف المتسرعة بعد فترة من الزمن، وسعي أهل الخير والصلاح ووجهاء القوم، من خلال المساعي الحميدة، وكذلك رغبة الزوجين بالاصلاح والحفاظ على كيان الأسرة والعلاقة الزوجية.


ارسل لصديق